الحكومات الدينية... التنوير الفكري إلى أين؟!

بقلم: دياري صالح مجيد

يحلو للبعض في هذه الأيام بناء تصورات عريضة عن افتراض حصول تغير جذري في حياة الشعوب التي تقطن هذا الجزء من العالم العربي، حيث حدثت الثورات التي أطاحت بالعديد من الأنظمة المستبدة. وهو ما أدى إلى صعود نجم الإخوان المسلمين بشكل غير مسبوق في تلك الأماكن، والى الحد الذي بدا فيه الأمر مثيراً للشك والحيرة في ذات الوقت. فهل سيقوم هؤلاء بالعمل على انتشال المجتمع في تلك الدول من انتكاسته الفكرية والمعرفية التي عانى منها خلال سنوات طويلة ممزوجة بالمنع والحرمان لثقافة تنشر التنوير الفكري بين أبنائها؟

أُتهمت العديد من النظم السياسية التي حكمت في دول الربيع العربي بانها كانت تحارب الثقافة، على اعتبار أن إتاحة الفرصة للمثقف في إيصال خطابه بحرية إلى الجمهور المتلقي، ستعمل على ضخ الدماء في عقل ووجدان هذا المجتمع، وبالطريقة التي ستقود إلى صحوته من غيبوبته التي غرق فيها لسنوات عديدة. فقد كانت العديد من هذه النظم تشترك في سياسات تجويع المجتمع وإنهاكه بقضايا تحول بينه وبين الثقافة، على اعتبار أن تلك الحكومات كانت على يقين بان هذه السياسات هي التي ستضمن لها التحكم بتوجهات ومشاعر وطريقة تفكير المجتمع , ومن خلالها تتمكن من الاستمرار بالحكم لاطول فترة ممكنة.

على الرغم من ذلك لا يمكن للمرء إنكار أن البعض من هذه الدول وبالذات منها مصر شهدت استمرار دعاة الفكر التنويري في نتاجاتهم الفكرية، التي أسهمت بين الحين والآخر في انتشال مزيد من أفراد المجتمع من الغرق في مستنقع التخلف والنكوص الفكري. لقد دفعت تلك النخب الحركة الثقافية باتجاهات ومسارات تقاطعت في كثير من الأحيان مع توجه السلطات الحاكمة، وهو ماساهم بشكل فاعل في تعكير الأجواء التي كانت تعمل في ظلها تلك النخب. قد يقول البعض هنا إن عداء هذه الحكومات، وعلى الخصوص في مصر، لحركة الإخوان المسلمين، هو الذي دفعها لإعطاء هذه الفسحة من الحرية في الكتابة والنشر بهدف إبعاد اكبر عدد ممكن من الشباب عن تأثير تلك التيارات التي كانت تعمل في ظل علاقة خلاف مستمر مع تلك الحكومات. لكن مع صحة هذا الأمر إلى حد ما، فإن المرء لا يستطيع النفي بأن هذا الخلاف حقق للنخب المتنورة إمكانية بث الروح مجددا في لغة الاختلاف مع السلطة ليس بالضرورة من اجل السلطة كغاية عليا، وإنما من أجل نشر وعي ثقافي جديد تحتاجه الشعوب في هذه المنطقة.

بعد أن شهدت دول عربية التغير في أنظمتها السياسية وسيطرة الأحزاب الدينية التابعة للإخوان المسلمين على مقدراتها، بدا البعض ينظر بتخوف إلى مصير الثقافة التنويرية ودورها في هذه المجتمعات. إذ يشير الخطاب التقليدي لهذه الحركات بأنها لم تكن يوما تؤمن بالاختلاف كأساس لممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية والثقافية , بل كانت دوما تؤمن بانها الحق المطلق وبان الآخر هو الباطلن وهو المرض الذي يتهدد انتشاره بتدمير الثقافة والمجتمع. الأمر الذي يدعونا إلى متابعة ما سيطر على المشهد السياسي والثقافي في هذه الدول بدقة وحذر، لمعرفة كيف ستسهم تلك التطورات في استمرار هذه الرؤية التي آمنت بها تلك الجماعات قبل وصولها إلى السلطة وهل فعلا يوجد هناك امل بتغيير حقيقي في طريقة تعاطيها مع هذا الشأن أم لا.

ماذا لو ازدادت أعداد حاملي مشعل الفكر التنويري والمدافعين عنه في مجتمعاتنا؟ وهل سيساهم المنتمون لهذه الحركات، التي تهيمن اليوم على السلطة، في تغذية هذا الحراك الفكري الذي يناضل ليشق طريقه في بيئة سياسية واجتماعية صعبة؟ أسئلة كثيرة لابد وإنها تدور في خلد من يتابع التطورات الجارية في اكثر من بلد من بلدان الربيع العربي. على اعتبار أن التطورات التي ستجري هناك لن تنحصر آثارها الإيجابية أو السلبية بتلك البلدان وشعوبها فحسب، وإنما ستجد لها أصداءً واسعةً خارج حدودها الجغرافية. لذا نتخوف من أن تقود التطورات الجارية إلى تحول هذه الجهات إلى أشرس محاربي الفكر التنويري، الذي وصف من قبل بأنه فكر الزنادقة وفكر الخصوم الأشد خطراً على القيم الإسلامية. وهو خطاب تناغمت معه وللأسف الشديد العديد من العقول التي آمنت بمصداقيته، حتى أنها ذهبت في الأمس القريب إلى حد المشاركة في نشر هذه الفكرة وفي التطبيق الدموي لمفرداتها عبر اغتيال مفكرين ومبدعين؛ وعبر إسكات أصوات كان يمكن لها إذا أتيحت الفرصة لها العمل على خلق بيئة إبداعية ثقافية؛ تحرر المجتمع غير القادر على إدراك الخطر الذي يتربص به.

لا يوجد حتى اليوم مؤشر ما نستمد من خلاله القدرة على القول بأن هذه الأحزاب ستعمل على تغيير بوصلة توجهها، فهي بعد لم تجرؤ على التفكير في إعادة النظر في سياساتها التي اتبعتها ضد من نُظر لهم على أنهم أعداء ثقافيين وليسوا أعداء سياسيين يتمسكون بالسلطة. الأمر الذي يجعلنا نشعر بالقلق من أن يتحول صراع تلك الجماعات من صراع على فرض الإرادة في المجال السياسي إلى صراع آخر اعمق واشد في إثاره على المجتمع، نحو صراع من أجل فرض الفكر والكلمة والأسلوب الذي يؤمنون به ويحاولون قولبة المجتمع في أركانه التي ستتحول بلا شك إلى أركان مقدسة. وهم بذلك لابد سيركنون إلى الفئات التي غُيب وعيها لأزمنة طويلة مستغلين فيها معاناة الفقر والمرض والجوع , بهدف تحويلها إلى ادوات يتم استخدامها لفرض أنماط ثقافية يتم التنظير لها عبر شخصيات تابعة لهم وتهيمن على المؤسسات الثقافية المختلفة. مما يجعلنا مرة أخرى نخشى من تراجع دور المعارضة الفكرية للنخب الحاكمة في تلك البلدان، وهو ذات السبب الذي قاد من سبقوهم في الحكم للاستمرار إلى عقود من الزمن.

أن كانت هذه الحركات تؤمن فعلا بانها ناضلت وجاهدت من اجل شعوبها لا من اجل الوصول إلى السلطة والتنعم بخيراتها. وإن كانت فعلا تؤمن بان الصراع مع قادة الأمس من أمثال مبارك والقذافي وغيره , هو صراع من اجل الفقراء والمعوزين ومن اجل إحياء الثقافة والمجتمع على حد سواء، وليس صراعا حول من هو الأحق بالمُلك والسلطة. عندها فقط ستدرك بان انتشار دعاة التنوير ونشر الثقافة وتحرر العقل في دول الربيع العربي هي ليست بدعة ابتدعها الآخرون على مختلف مسمياتهم، وإنما هي تيار يعيش المخاض في رحم العالم الإسلامي منذ أزمنة بعيدة وعلى أيدي شخصيات مختلفة منها إسلامية ومنها غير إسلامية في انتماءاتها الفكرية. فهل ستسهم تلك الأحزاب والحركات في المساعدة على ولادة هذا التيار ورعايته، وهي التي تدرك بان وجوده بهذه الطريقة قد يتحول إلى مصدر خطر على مستقبلها؟ أمر لا نشك في الإجابة عليه بالسلب إذا ما استمرت هذه الأحزاب في التفكير بذات العقلية التي عرفت بها، وبذلك يتحول موضوع التنوير الفكري، الذي حلمت به النخب، إلى مجرد وهم وخداع إذا ما ترك أمره لسطوة السلطة السياسية وتياراتها المهيمنة. علما بأن تشجيع ودعم هذا التنوير الفكري، إذا ما تم، قد يتحول إلى أحد أهم المرتكزات التي تضمن فكرة التحول السلمي للسلطة، والتي قد تأتي بهذه الأحزاب أو بغيرها وفقا لما ينسجم وطبيعة عمل وخطاب هذه الأحزاب من جهة، وطريقة تفكير المجتمع وقدرته على إتمام نضجه السياسي بأسرع وقت ممكن من جهة أخرى. وهي الأمور الضامنة لعدم تكرار صفحات التاريخ القريب الذي قد نكتشف بانه لم يستبدل إلا بأسماء قادته وحاكميه لا غير.

دياري صالح مجيد