الحكواتي الاخير في دمشق

أبو شادي في خيمة ثربانتس الرمضانية

دمشق - شهر رمضان في دمشق ليس للصوم والعبادة وحسب، بل مناسبة لاستعادة الفلكلور ايضا، وهل هناك أشهر من الحكواتي الذي ظهرت صورته مرارا متحدثا في مقهى النوفرة الشهير خلف الجامع الأموي؟ لكنه في خيمة "ثربانتس" الرمضانية يطعم حكاياته بمفردات أجنبية التقطها من خبرته الطويلة في القراءة للسياح.

لكن حكواتي دمشق ليس ظاهرة في كل مقاهيها، إنه الحكواتي الأخير في ذلك المقهى الصغير والمكتظ عادة بالأجانب، رجالا ونساء بعد أن كان يقتصر على الرجال في الأزمنة القديمة.

وفي شهر رمضان تنهال الدعوات الخاصة على الحكواتي أبو شادي رشيد حلاق، وهو بالكاد قرأ لربع ساعة في خيمة ثربانتس، ثم انطلق مسرعا، نسأله فيقول "لدي فقرة في منتزه"، ومن دون أن يبدل ثيابه، طربوشه وشرواله الدمشقي يقطع شارعا مزدحما خارج السور الدمشقي، وهو يجيب عن سؤال حول ما إذا أورث أولاده مهنة الحكواتي كما ورثها هو عن والده، الذي قضى عمره يقص الحكايات في مقاهي دمشق، يجيب وهو يختفي بين السيارات "لقد تعلموا فنونا أخرى".

صورة الحكواتي بطربوشه الأحمر، وسيفه المثلوم، عابرا حشد السيارات الحديثة، هو أصدق تعبير عن مفارقة وجود الحكواتي بيننا اليوم. حكواتي في عصر الفضائيات والدراما التلفزيونية والانترنت وشتى وسائط الاتصالات.

لدى سؤال فيروز مراد، منسقة النشاطات الثقافية في معهد ثربانتس، عن ضرورة الحكواتي اليوم تقول "إنه نوع من التذكير بالماضي، فلكلور أكثر منه حاجة".

وتضيف "الحكواتي انقرض، ولكن أعيد إحياؤه مع أبو شادي في العام 1991".

استعاد الحكواتي أمس في خيمة ثربانتس حكاية الظاهر بيبرس، ولكنه كي يجذب الجمهور إليه بدأ ببعض الحكايات الطريفة والنكات، التي يرويها بطريقة قديمة وتحمل في طياتها الوعظ والنصائح. واتكأ في نكتته على الشخصية الأشهر في النكتة العربية وهي جحا. وكل ذلك رواه بقدر ما يستطيع من كلام مسجوع وموزون.

والحكواتي لا يعتمد على الحكاية المشوقة وحدها، فبسيفه غالبا ما كان يخبط على طاولة معدنية حملها معه من المقهى، محدثا ضجيجا وصيحات بين الجمهور في اللحظات الحاسمة من الحكاية. كذلك من طرائقه في جذب الجمهور أنه يروح يخاطب الجالسين، أحيانا بأسمائهم مشيرا بسيفه باتجاههم، بل ويحثهم على الإجابة كي يضمن تواصلا ومشاركة عالية من الحاضرين.

لكن المستجد في كلام الحكواتي هو تلك المفردات الأجنبية التي يضمنها حديثه كي يضمن تواصلا أعلى مع الغالبية من جمهوره المعاصر، وهم غالبا من الأجانب، سياحا، أو مقيمين في دمشق.

لكن الجمهور لن يصل في تفاعله إلى جمهور مقاهي دمشق في الأزمنة الغابرة، حين كان الناس يصدقون الحكاية إلى الحد الذي يهددون الحكواتي بخنجرهم ليتراجع عن حبس عنترة العبسي، أو أنهم يزينون الحي احتفالا بزفافه إلى معشوقته عبلة.

في النهاية هناك تواصل من نوع ما، فمثلما يمثل أبو شادي دور الحكواتي كما كان في الماضي، فإن الجمهور يمثل هو الآخر جمهور الأمس كما سمع عنه، يصرخون حماسا، ويصفقون ويضحكون ويطربون. ويختمون بالتقاط الصور مع حكواتي يعرفون أنه الحكواتي الأخير.

ويستضاف الحكواتي في خيمة ثربانتس (التي تقام للسنة السابعة على التوالي) إلى جانب فعاليات أخرى امتدت لثلاث ليالي، ضمت أناشيد دينية ورقصات مولوية.

وقالت منسقة النشاطات الثقافية في ثربانتس فيروز مراد "إن الهدف من تلك الفعاليات مشاركة أطياف الشعب السوري عاداته وتقاليده الدينية والاجتماعية، واستعادة ما كان سائدا في الأندلس من تعايش بين الثقافات.