الحكم الذاتي للطوارق والتناقض الجزائري

بقلم: د.عبد الرحمن مكاوي

الاتفاق الذي تم بين التحالف الديمقراطي من أجل التغيير الطوارقي وحكومة مالي، يتضمن لا مركزية واسعة لمنطقة شمال هذا البلد الإفريقي الفقير مقابل عدول فريق إبراهيم بهاغا زعيم المتمردين عن خيار الانفصال وإعلان الدولة الطارقية وعاصمتها تومبوكتو، ليكون بمثابة حكم محلي يشبه إلى حد كبير المشروع المغربي في الصحراء.
فلقد تناولت معاهدة الجزائر الموقعة أخيرا بين الأطراف المتنازعة في مالي (حكومة بامكو والتحالف الديمقراطي من اجل التغيير) مجموعة من البنود التي هي في الواقع عبارة عن نقط التقاء وتنازلات سياسية واقتصادية وأمنية متبادلة بين الطرفين تحت رعاية الجزائر (الوسيط القديم الجديد و المحايد) الذي يتخوف من انتشار عدوى التمرد إلى جنوبه وشرقه. فالمجهودات الجزائرية التي لم تكن بالمناسبة مجانية، تمحورت حول اعتراف المنظمات المسلحة الطوارقية بوحدة مالي الترابية ونزع كل طموح انفصالي من عقلية وأدبيات الطوارق والعودة إلى العقد الوطني الموقع سنة 1992 بين الجهتين المتخاصمتين. اتفاق ركز على الوحدة الترابية لهذه الجمهورية الإفريقية الذي هو في ذات الوقت الهاجس الذي يهدد وحدة الدولة الوطنية الجزائرية.
في المقابل أقرت حكومة مالي بحكم ذاتي، ولو أن المصطلح المستعمل في الاتفاق تكلم عن لامركزية واسعة تهدف إلى ترقية الخصوصية الثقافية للطوارق، كما تعترف لأهالي المنطقة الشمالية بضرورة منحهم سلطات واسعة قي تسيير شؤونهم المحلية بدون الرجوع إلى المركز. ولتفعيل "اتفاق الجزائر"، وافق المتنازعون على إنشاء مجلس محلي مؤقت للتنسيق والمتابعة على شكل برلمان محلي، يتولى أمور التنمية ويراقب الميزانية المرصودة للشمال المالي ، إضافة على إشرافه على الشؤون الأمنية والعسكرية - شرطة محلية ودرك شبه عسكري مكون من المتمردين السابقين.
كما يتضمن الاتفاق الذي تم برعاية ووساطة جزائرية مظاهر اقتصادية واجتماعية أخرى، والتي سوف تحدد في المستقبل القريب من خلال اختصاصات لجان محلية طوارقية مالية، كما منحت حكومة مالي للمتمردين في الشمال صلاحيات جهوية أخرى، تهم التبادل التجاري والاستثمار وإنشاء صناديق لتمويل المشاريع التنموية (تمويل جزائري) في إقليم الشمال الفقير والمهمش والمحاصر طبيعيا وسياسيا وأمنيا، كما تعرض "اتفاق الجزائر" إلى مسألة شق الطرق بين الجزائر وشمال مالي على نفقة الحكومة الجزائرية قصد فك الحصار والعزلة عن المنطقة وإنشاء محطة إذاعية وتلفزية جهوية تعنى بخصوصيات وهوية هذه الفئة الاجتماعية المالية.
إن الحكم الذاتي أو اللامركزية الواسعة الذي عرضته الجزائر ووافق عليه الجانبان هو نتيجة للوساطة التي قام بها السفير الجزائري بباماكو السيد أغريب تحت التوجيه المباشر للسيد أويحي رئيس الحكومة، الوجه المدني للجنرالات والمختص في شؤون الساحل منذ أن كان سفيرا في بامكو، هو في الواقع قفزة نوعية كبيرة لاستتباب الأمن في شمال مالي وجنوب الجزائر إذا سلمت نيات الفاعل والمفعول به واذا لم تتكرر السيناريوهات السابقة.
إنه اتفاق في مضمونه وشكله أقل عما قدمه المغرب في مشروع الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الصحراوية للبوليساريو، وهنا يبرز التناقض الكبير في موقف الدبلوماسية الجزائرية التي تمارس سياسة الكيل بمكيالين، سلوك سقط قناعه في مفاوضات الماضي وسوف يسقط إن عاجلا أم آجلا في مستنقع طموحات توارق الجزائر والساحل، وهكذا فان العد العكسي لهذه الإشكالية السياسية للتوارق في الجزائر إذا لم تحل بطريقة سلمية فان معالمها ستظهر فعلا على التراب الجزائري في المستقبل القريب، وهذا ما أكدته الشعارات التي رفعت في ولاية غرداية وفي بن ريان والتي طالبت الدولة الجزائرية بحكم لا مركزي واسع و بالتشاركية الديمقراطية.
فهل الوسيط الجزائري الذي استحوذ على ملف الطوارق منذ عهد المرحوم هواري بومدين لأسباب موضوعية لها صلة مباشرة بأمنه القومي، جدي في التعامل مع القضية الطوارقية؟ الجواب هو أن الجزائر وهي في الحقيقة القوة الإقليمية في الساحل لا زالت متحكمة في توجيه الأحداث في الوجهة التي تخدمها وتضمن مصالحها الجيوستراتيجية وتبعد عنها انتقال كل عدوى إلى جنوبها الغني بالنفط. إنها الاستمرارية في التأثير على الأحداث بشكل مباشر وذلك عبر الترويج لنظرية المؤامرة الخارجية حسب الدعاية والإستراتيجية الجزائرية التي تسعى إلى السيطرة على خيرات بلاد الساحل الفقير وتمزيقه إلى دويلات متصارعة، وهي نظرية لا زالت حجر الأساس في دبلوماسية الجزائر. فإذا كان الأمر كذلك، واعتمدنا المقولة الجزائرية السابقة التي غطت بها لقاء الطوارق مع الحكومة المالية في الجزائر، فلماذا لا تفعل نفس الشيء وتتوسط بصفة حيادية وإيجابية بين المغرب والبوليساريو حتى تضمن عدم تدخل الفاعل الخارجي في شمال إفريقيا؟
إن الرئيس بوتفليقة الذي لازال يتقمص اختصاصات وزير الخارجية، رجل مولع بالوساطات الدبلوماسية وبارع في اللقاءات السرية، وقد ظهر هذا جليا في تدخلاته الكثيرة عبر العالم خاصة في النزاعات القائمة حاليا بين بعض الشعوب، و لقد بنى شبكات متعددة في هذا الميدان ونجح نسبيا في بعضها وفشل في البعض الآخر، فهو رجل قادر على حلحلة النزاع في الصحراء، إلا أن الأمر هذه المرة في اعتقاد المحللين السياسيين يتجاوزه و أن ملف العلاقات مع المغرب هو بيد أناس آخرين لهم منظور آخر يقوم على الاستعداء الأبدي للمغرب لضمان تماسك الداخل الجزائري.
د.عبد الرحمن مكاوي، أستاذ العلاقات الدولية raamc@menara.ma