الحكمة والعقلانية في قضية الجزر الإماراتية المحتلة

من الملاحظ أن بعض المغرضين الذين لفظتهم أوطانهم، ودأبوا على معاداتها، ومعها أيضاً معاداتنا نحن الإماراتيين دونما سبب وجيه، بدؤوا في الآونة الأخيرة وعبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، خاصة التويتر، يعايروننا بجزرنا المحتلة، وكأنما مشكلات الدنيا كلها، ومعها مشكلات أوطانهم قد تم حلها، ولم يتبق غير موضوع الجزر الثلاث التي احتلتها إيران قبل اتحاد الإمارات بساعات لا تتجاوز اليومين، ناسين أن الدولة لم تتوقف يوماً عن المطالبة بعودة الجزر، لكنها بعكس كثير من الدول لم تشأ اللجوء للحلول العسكرية التي سبق وأن رأت نتائجها في مواقع مماثلة في مختلف البلدان. لكن سياسة الإمارات، والتي لم تحد عنها منذ أن تم التوقيع على وثيقة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، تم بنيانها على أساس راسخ ومتين، وهو أن الحل السلمي يجب أن يأخذ وقته الكافي مهما طال. وقد تميّزت السياسة الإماراتية بالصبر والحكمة في معالجة الأمور، وخير أنموذج لذلك هو ما اتبعته الدولة في ترسيم وصيانة حدودها مع جيرانها الأشقاء، والتي تمت بكل سلاسة، ودون إراقة نقطة دم واحدة.

الذين يحاولون تعييرنا بجزرنا المحتلة، تعمدوا الإغفال عن تلك السياسة الصبورة التي اتّبعتها الإمارات في لجوئها للتحكيم الدولي المحايد الذي يعتمد على الوثائق والأدلة. ولأنها واثقة من حقّها في الجزر، فقد لجأت للتحكيم الدولي، على عكس إيران التي ظلّت حتى هذه اللحظات تتهرب من التحكيم الدولي لعلمها التام بأنها لا تملك حقاً في تلك الجزر، وقد تعمّدت في غير ما مرّة أن تستفز الدولة لجرها إلى مواجهات ومهاترات هي في غنى عنها، فالالتفات إلى التنمية وصيانة النهضة، والمحافظة على الموقع الريادي الذي اكتسبته بالتخطيط الصبور، والتنفيذ الواعي، وبناء الإنسان والاستمرار في تأهيله لمواصلة هذا المشوار، هي أولويات الدولة التي لم تتغير منذ ميلادها، وهو ما جعلها الآن تحظى بكل ما حظيت به من سمعة مشرّفة، جعلتها قبلة أحلام كل باحث عن النجاح والرفاهية والتقدّم، وهو ما يفسّر الكثير من مظاهر التّقدم التي تمتاز بها الدولة.

يكفي أننا بحمد الله وفضل تخطيط قادتنا لا زلنا نحتل أولى المراتب في الاستقرار الاقتصادي بين مختلف دول المنطقة، وأن وطننا احتوى أطول مبنى في العالم، حمل دلالات الرسالة التعميرية التي خلق الله لأجلها البشرية. ويكفي أننا الدولة العربية الوحيدة التي احتلت مرتبة متقدمة في ميزان الرفاهية والدخل العالي للفرد، ويكفي أننا الدولة السبّاقة في اقتسام خيراتها مع مختلف من وفد إليها من جنسيات فاق عددها الرقم المسجل في أضابير الأمم المتحدة، والدولة الوحيدة التي أرست قانون ومبادئ حقوق الإنسان، وأتاحت له أكثر من منفذ ومنبر، فمكاتب حقوق الإنسان في الدولة لا تخطئ عين جهودها الكبيرة التي تسعى دائماً لانتزاع حقوقه حتى قبل أن يطالب بها في تجسيد واضح لدولة القانون التي لا تميّز بين مواطن ومقيم، وهي الدولة التي تَسامَح قادتُها أكثر من مرة مع من أجبرتهم الظروف على مخالفة قوانين الهجرة، ولأكثر من مرة منحت المخالفين فرصاً لتوفيق أوضاعهم، أو العودة لبلادهم بكرامة إذا أرادوا ذلك. ويكفي أننا الدولة الأبرز في تقديم الإعانات الخيرية والإنسانية لمحتاجيها من مختلف دول العالم، والكافلة لعدد كبير من الأيتام والمعوزين، والراعية لتعليم من أقعدهم الفقر عن مواصلة تعليم أبنائهم في مختلف أرجاء الكرة الأرضية، والمسيّرة للقوافل الطبية والتوعوية في مختلف المجتمعات.

ولن تكفي السطور لحصر ما حققته الدولة رغم حداثة عمرها، قياساً إلى الدول التي سبقتها بآلاف السنين، فمقاييس الحساب عندنا في دولة الإمارات العربية المتحدة تعتمد الإنجازات لا المدد الزمنية، لذلك أصبح الرقم واحد هو الشعار الدائم للدولة، والذي لا يرتضي شعبها وقادتها بأي رقم سواه.

فهل كان الانشغال بقضية الجزر من منظور الحرب والقوة سيوصلنا في هذا الزمن القصير الذي نحتنا فيه الصخر بكل عزيمة وإصرار وإرادة لا تلين، إلى هذا الموقع الريادي الذي تبوأناه ولا زلنا نواصل مسيرتنا في سبيل المحافظة عليه؟!

لقد تناسى أولئك الذين يحاولون تعييرنا بجزرنا المحتلة، أننا لم نتوقف يوماً عن المطالبة بتلك الجزر، وعبر الطرق الدبلوماسية الصرفة، لعلمنا التام بأن الحق لابد وأن يعود لأصحابه طال الزمن أو قصر، وأن الكتابات الاستفزازية التي تأتي مدفوعة من أطراف تحمل حقداً دفيناً لدولتنا ومجتمعنا، لن تجرنا إلى حماقات الحرب التي لا طائل منها، فالدولة تم تأسيسها على قاعدة بناء الإنسان لا جرّه إلى الحروب والدمار والتهلكة، وأن تكلفة تلك الحروب التي يريدون منا أن نخوضها، من أرواح ومال، وإضاعة وقت، وتدمير بنى تحتية، قررنا أن ننفقها فيما ينفع المجتمع الإماراتي ومعه المجتمعات الشقيقة والصديقة، وأن حرصنا على أرواح وممتلكات شعبنا، والشعب الإيراني أيضاً، هو ما جعلنا طوال الفترة الماضية نصبر على تعنّت قادة طهران، والذين جرّوا بلادهم إلى الحصار وإهدار الوقت فيما لا يفيد. فالقضايا الكبيرة لا يتم حلّها بين ليلة وضحاها، وإلا لما كانت القضية الفلسطينية على سبيل المثال استغرقت كل تلك السنوات، ولا زالت المفاوضات تجري بشأنها بين العديد من مواقع التفاوض التي شهدت تاريخ محاولات حل القضية بالطرق السلمية بعدما تمّ تجريب القوة التي يعرف الجميع خلفياتها وأبعادها.

إن المعايرة بالجزر المحتلة كان يجب أن يتم استبدالها بالثناء على الصبر والحكمة والعقلانية التي انتهجناها نحن أهل الإمارات، لكن من لا يملك قلمه لن يتمكن من التمييز بين الحق والباطل! وكل إناء بما فيه ينضح.