الحفريات الاثرية تنسف قصص التوراة حول اجتياح اليهود لفلسطين

بيروت
اساطير الأولين

تقول الباحثة الاكاديمية هلين صادر إن الاتجاه السائد في علم الاثار الحديث يأخذ بآراء يتناقض بعضها مع ما ورد في نصوص توراتية عن اجتياح الاسرائيليين لفلسطين وكذلك عن وجودهم التاريخي في مصر.

وقالت الدكتورة صادر استاذة علم الاثار في الجامعة الاميركية في بيروت إن الحفريات الاثرية في السنوات الثلاثين المنصرمة أدت الى معلومات جديدة سمحت بإعادة النظر في ما يسمى مجيء الاسرائيليين الى بلاد كنعان.

وتسمح هذه المعلومات كذلك "بإعادة النظر في موضوع القول بوجود الاسرائيليين في مصر كشعب واحد وانهم تركوها "بقيادة موسى ودخلوا فلسطين بقيادة يشوع بن نون كجماعة موحدة" وهم الذين يوصفون بانهم كانوا 12 قبيلة او سبطا وانهم احتلوا فلسطين في حرب واحدة.

هكذا تفسر الرواية التوراتية مجيئهم وسكنهم في بلاد كنعان. ووردت في التوراة قائمة بكل المدن التي قيل إن العبرانيين احتلوها. وقد جرب العلماء سابقا ان يجدوا اطارا تاريخيا لما ورد في التوراة فنظروا في التاريخ المصري ليروا من كان الفرعون خلال فترة بناء مدينة رعمسيس التي قالت التوراة انهم كانوا يبنونها. وقد جاء في التوراة في الاصحاح الاول من سفر "الخروج" عن الاسرائيليين أن المصريين "جعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم باثقالهم فبنوا لفرعون مدينتي مخازن فيثوم ورعمسيس." ولكن المصريين "اختشوا من بني اسرائيل فاستعبد المصريون بني اسرائيل بعنف"

وبما ان رمسيس الثاني عاش في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد ولان في التوراة ذكرا لمدينة اسمها مدينة رعمسيس التي تقول النصوص المصرية انه بناها فقد اتخذ هذا الامر اطارا تاريخيا وضعت فيه قصة خروج الاسرائيليين من مصر.

تضيف الدكتورة صادر ان هذا كان الاطار الاول وكان مقبولا في الفترة الاولى "لكننا نعرف من جهة ثانية ان "خضّة" كبيرة او أزمة شمولية.. وقعت في الشرق الادنى (سوريا ولبنان وفلسطين) انتهت على اثرها كل حضارات الالف الثاني ومنها الحثية والمسينية ودخل من سمّوا "شعوب البحر" الى مصر من فلسطين ومن البحر.. كما اسسوا مدنا في جنوب الساحل الفلسطيني".
ويقال ايضا انه في الوقت نفسه الذي هدمت هذه الشعوب حضارة الالف الثاني على الشاطىء السوري -اللبناني- الفلسطيني دخلت قبائل ارامية قديمة وأسست دويلات آرامية في سوريا وقبائل اسرائيلية دخلت فلسطين وانهت حضارة الالف الثانية الكنعانية.

اذن كان هذا هو الرأي التقليدي كما تقول الدكتورة صادر. الا أن أول اهتزاز لهذه النظرية جاء من علماء التوراة انفسهم خاصة من مدرسة المانية تقول انه يتبين لدى التعامل مع التوراة بنظرة نقدية انه لم يحدث اي غزو لارض فلسطين.

وللتوراة عدة قصص تفسر مجيء الاسرائيليين الى بلاد كنعان منها اثنتان متعاكستان.. قصة تقول ان ابراهيم جاء من أور في العراق وسكن فلسطين والثانية هي قصة "الخروج" وهذا يعني أن هناك عدة قصص جمعت في التوراة فالتوراة كما نعرفها لم يكتبها رجل واحد بل هي مجموعة وحدات جاءت على فترات مختلفة وجمعت بالشكل الحالي في القرن الثامن بعد الميلاد.
وتبين ان الكتب التوراتية خاصة سفر الخروج هي تقاليد كتبت متأخرة بعد رجوع الاسرائيليين من السبي في بابل. وكل هذه القصص كما تقول الدكتورة صادر هي أقرب الى "أسطورة" من حيث انها تسعى الى ان تفسر بعد زمن طويل ضاعت فيه الذاكرة قصة نشأة معينة او اصل معين.

وتقول "اما النصوص التاريخية فلا علاقة لها بالمعتقد الديني. العلماء الالمان كانوا اول من نظر في هذه المسألة بهذا الشكل إذ انهم رأوا ان الامر ليس أكثر من قبائل كانت تروح وتجيء متنقلة في مناطق "الاطراف" ثم استقرت. وكانت هذه اول "زعزعة" للقصة التوراتية عن تاريخ الاسرائيليين."

اما "الزعزعة" الثانية فقد صدرت عن علماء الاثار المتخصصين في موضوع التوراة من خلال سعيهم الى التأكد مما اذا كان ما ورد في التوراة قد حصل فعلا ام انه لم يحصل. وكانت حصيلة ابحاثهم انه من كل المدن والبلدات التي ورد ان الاسرائيليين احتلوها رصدت في واحدة او اثنتين مستويات من الدمار لطبقات العصر البرونزي الحديث. والمفترض ان الاسرائيليين سكنوا في تلك المدن.. لكن لم يظهر اي دمار يدل على ذلك. واعظم مثل على هذا الامر قصة "اريحا" واحتلالها وتدمير اسوارها بالطريقة التي تصفها التوراة مما لا ينطبق على الواقع. فأريحا كانت مهجورة في تلك الفترة. وكذلك ما عرف باسم خربة التل.. فانها لم تكن موجودة اساسا كي يجري احتلالها.

اما ما تسميه الباحثة الاكاديمية اللبنانية "البرهان القاطع" فقد توصل اليه العلماء الاسرائيليون بعد سنة 1967 واحتلال الضفة الغربية ووسط فلسطين. فقد اجرى هؤلاء العلماء مسحا شاملا لفلسطين كلها.. منطقة السهول التي كان الكنعانيون فيها وكذلك منطقة الجبال الوسطى. ونتج عن ذلك اكتشاف مئات المواقع الاثرية الصغيرة التي هي اقرب الى مستوطنات او مواقع ريفية ولم تكن مدنا كبيرة.

ونتيجة الحفريات التي اجروها في هذه المستوطنات "اتضح ان كل طرق الحياة لم تتغير عما كانت عليه قبلا وان الناس كانوا هم الناس انفسهم دون ان يجري اي انقطاع حضاري بل جاءت الامور تكملة لما كانت عليه في السابق. الحياة المدنية توقفت لمدة قرنين وازدهرت بدلا منها المستوطنات الريفية. الا ان اهل المستوطنات كانوا يعرفون الزراعة اي ان اغلبهم لم يكونوا بدوا بل من سكان تلك الارض. وقيل ان المستوطنات جمعت شرائح اجتماعية متعددة.. قسما من البدو او شبه البدو وقسما من الحضر.. سكنت فيها وتعايشت في فترة من انعدام الاستقرار".

والاستنتاج الذي خرج به هؤلاء العلماء هنا هو ان هذا الشعب نفسه اكمل حياته ولم يدخل عليه اناس من الخارج حاملين معهم حضارة جديدة. بعد ذلك عاد الاستقرار الى هذه المستوطنات وتدريجيا اخذت تنشأ مدن بدلا منها واحدة تلو اخرى.

وتتحدث التوراة عن وجود الاسرائيليين في مصر لعدة اجيال. "اما تاريخيا فليس هناك نص مصري يذكر وجود الاسرائيليين. هناك نص واحد هو نصب ملكي للفرعون "ميرنبتاح" الذي عاش في القرن 12-13 وقد جاء فيه انه تغلب على "اسرائيل" لكن كلمة اسرائيل هنا تتضارب فيها التفسيرات فالبعض يعتبرها إشارة الى شعب ويعتبرها البعض الاخر منطقة. بقية النصوص المصرية لا تذكر بني اسرائيل. ومع ان العلاقات بين فلسطين ومصر قامت من الاف السنين فليس هناك ما يدل على وجود الاسرائيليين في مصر.

العلماء الاسرائيليون -خاصة علماء جامعة تل ابيب- على اساس ابحاثهم الاثرية ونتائجها توصلوا الى نتيجة هي انه لم يكن هناك غزو لفلسطين كما جاء في التوراة وليس هناك من دلائل سوى تلك التي تشير الى استمرارية الحضارة في فلسطين لكن في اوضاع اقتصادية واجتماعية مختلفة. وبعد هذه الفترة الانتقالية نشأت مملكتان -هما يهودا واسرائيل- لاشك في تاريخيتهما إذ ذكرتا في نصوص غير توراتية منها نصوص آشورية وبابلية وغيرها. واهلهما ساميون عبدوا آلهة متعددة. اما التوحيد فقد توصلوا اليه في فترة متأخرة.

ويستمد من نصوص مختلفة ان فكرة اله خاص بالجماعة انتشرت في الجنوب في مملكة يهودا فتكونت ديانة التوحيد في القرن السادس وتأصلت بعد السبي الى بابل حيث صار العائدون يكتبون قصص التوراة. والان هناك فريقان من العلماء.. فريق يأخذ بهذه النظرية وفريق آخر يرفضها ويقاومها ويبقى متمسكا بالنظرة التقليدية في هذا المجال.