الحشد الشعبي.. أهداف إيرانية برعاية أميركية

حين يهدد الأميركان بنقل سفارتهم من بغداد إلى أربيل هو ما يمكن أن يؤدي إلى اسقاط حكومة الكاظمي الهشة وتسليم الحكم فعليا إلى الحشد الشعبي.


إيران والولايات المتحدة مستفيدتان من صناعة داعش والحشد الشعبي


الحكومة الأميركية تتعامل بخفة مع العراقيين حين تضع سفارتها تحت حماية الحشد الشعبي

"يكذب الأميركان في حربهم على الارهاب". هذا ما يمكن استنتاجه من عدد من رسائل هيلاري كلينتون التي تم رفع السرية عنها مؤخرا.

خرجت اللعبة هذه المرة عن حدود السياسة لتضرب الإنسانية في مقتل.   

لقد دُمرت مدينة الموصل بجزئها التاريخي بحجة القضاء على التنظيم الإرهابي داعش الذي اتضح أخيرا أنه كان صنيعة اتفاق أميركي إيراني من أجل اختراع حرس ثوري عراقي يُسمى الحشد الشعبي.

كُلف السيستاني في النجف بإطلاق فتوى دينية، ستكون بمثابة قاعدة لمرحلة ما بعد نوري المالكي، رئيس الحكومة العراقية الذي عمل لثمان سنوات على أن يشق المجتمع العراقي على أساس طائفي ويمزق نسيجه الاجتماعي من أجل أن تتحقق النبوءة الأميركية بدولة المكونات التي فشلت في أن تستضيف شعبا. 

ستكون تلك الدولة في ما بعد عبئا ثقلا ومحزنا على الأميركان أنفسهم، كما يدعون. فالأمور هناك، في ذلك البلد المنكوب قد خطط لها منذ البدء أن تقع خارج السيطرة تحت لافتة "الفوضى الخلاقة".

داعش ومرآته الحشد الشعبي. العكس صحيح أيضا. التنظيمان المسلحان ينفذان الخطة نفسها. كل واحد منهما يرفع من جهته راية الجهاد المقدس ليدمر ويقتل ويهدم ويسحق ويبيد ويحرق ويغتصب ويستلب ويستبيح وحين تحين لحظة صدامهما يبحثان عن مخرج، كانت القوى التي تقف وراءهما قد هيأته لهما لينبعثا مرة أخرى من رمادهما كطائر الفينيق الاسطوري.

وإذا كان تنظيم داعش قد تشرذم بطريقة منظمة بحيث تجد الولايات المتحدة في انبعاثاته المتكررة في أماكن غير متوقعة مسوغا لاستمرار قواتها في البقاء في العراق وسوريا فإن الحشد الشعبي الذي قُدر له أن لا يتعرض للضربات الأميركية (أو الإسرائيلية) إلا في أماكن محددة وفي مناسبات، كانت بمثابة تمارين للتصعيد بين إيران والولايات المتحدة لا يزال قابضا على الامور في العراق بحزم وقسوة.

للحشد الشعبي مهمة تختلف عن تلك التي كُلف بها تنظيم داعش.

ذلك التنظيم الإيراني عقيدة وسلوكا وأهدافا والذي كُلفت الحكومة العراقية بالإنفاق عليه يعمل اليوم في مهمة ذات شقين. الأول يمكن تلخيصه بوضع اليد والهيمنة على المحافظات ذات الغالبية السنية والإبقاء على نازحيها في إماكن نزوحهم ومنعهم من العودة. اما الشق الثاني فيظهر من خلال السيطرة على قلب العاصمة بغداد، حيث مركز الحكم والمنطقة التي تضم أكبر عدد من السفارات.

وفي الشقين من تلك المهمة ما من شيء يمت بصلة إلى الهدف المعلن الذي تم تأسيس الحشد من أجله. 

حين يهدد الأميركان بنقل سفارتهم من بغداد إلى أربيل وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اسقاط حكومة الكاظمي الهشة وتسليم الحكم فعليا إلى الحشد الشعبي فإنهم يعلنون عن ذلك رغبة منهم في أن يصدموا الرأي العام العراقي بعجزهم عن الاقتصاص من مطلقي الصواريخ على سفارتهم وقواتهم وهم بذلك انما يضفون هالة على الحشد الشعبي الذي يعرف الناس العاديون أن فصائله هي التي تمارس تلك الالعاب النارية.

إلى متى يستمر الأميركان في لعبهم المشترك مع إيران على حساب العراق وأهله ومصالحه ومستقبل أجياله؟

ذلك سؤال مرير وحائر يظل من غير إجابة.

لقد استبشر العراقيون خيرا بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران بهدف احتوائها وتقليم أظافرها فإذا بهم يدفعون جزءا من كلفة تلك العقوبات من أجل تعويض إيران خسائرها. لم يتم ذلك خفية بل جرى بعلم الاجهزة الحكومية الأميركية التي حرصت على أن تضع العراق في قائمة استثناء دائم.

تتعامل الحكومة الأميركية بخفة مع العراقيين حين تضع سفارتها تحت حماية الحشد الشعبي الذي يتواجد أكثر من عشرة الاف من مقاتليه في مناطق قريبة من تلك السفارة.

لو كانت الولايات المتحدة جادة في شعورها بالخطر الذي يهدد سفارتها لما سمحت أصلا بوجود ذلك الجسم الإيراني الغريب في منطقة الحكم.

ولكن اللعبة وإن انكشفت أسرارها فإن اللاعبين بسبب وقاحتهم ما زالوا مصرين على الاستمرار فيها على حساب مستقبل شعب بلد يعيش وجوده بطريقة افتراضية.