الحزب القائد.. بالخديعة

بقلم: إبراهيم الزبيدي

يخبرنا التاريخ بأن الفائز باللذات، كان دائما ومنذ بدء الخليقة، هو الأكثر جسارة، والأقل حياء، والأسرع اقتحاما، والأشد مشاكسة ومكاسرة، والأعلى صوتا وقعقعة ً وصراخا وجلبة. والخاسر، في أحيان كثيرة، كان الأكثر تمهلا وتعقلا وعلما وتواضعا ودماثة، مع الأسف الشديد. وكثيرا ما سالت دماء، ونصبت مشانق، وبكت شعوب وأمم، وديست قيم ومباديء، بسبب علو أصوات المتهورين المغامرين، وضعف أصوات العقلاء والحكماء والقديسين. وسجلُّ حزب البعث العراقي، والسوري معا، مليء بالعبر والقصص والحكايات التي تجسد هذه الحقيقة المحزنة. فهو جاء بخديعة وعاش بخديعة ولا يمكن أن تعيش الخديعة طويلا، وهاهي الأيام تضيق على الكاذبين.

في يوم 5 نيسان 1962 كُلفت بأن أتوجه إلى مطار المثنى لأشارك زميلي المذيع المخضرم مال الله الخشاب في النقل الإذاعي والتلفزيوني الحي لوقائع استقبال القائد الجزائري أجمد بن بلله الذي سيصل بغداد بعد ظهر ذلك اليوم الربيعي المشمس الجميل. وقيل لي إن من المحتمل أن يفاجيء الزعيم جموع المستقبلين، على عادته، فيحضر دون سابق إنذار.

كل ما كنت أتوقعه هو استقبال رسمي اعتيادي بحضور عشرات من المستقبلين، منهم بعض المسؤولين الحكوميين وعدد من أعضاء الهيئات الديبلوماسية العربية والإسلامية وبعض رؤساء الطوائف الدينية والشعبية، وكان الله يحب المحسنين.

لكن المفاجأة كانت أكبر كثيرا جدا من جميع التوقعات. فأينما توجهت سيارة الإذاعة التي تقلني وزملائي المهندسين الإذاعيين كانت تتوقف أمام سيول من البشر لا عهد لنا بمثلها تسد علينا الطريق، فنتحول إلى جهة أخرى ثم أخرى وأخرى دون جدوى. فلم يعد أمامنا بد من الترجل والسير على الأقدام مسافات طويلة بين زحام الجماهير. ثم فهمت المعادلة. كانت الهتافات والشعارات واللافتات، كلها تقريبا، بعثية خالصة، رغم أن هذه الحشود ليست بعثية، بل كانت خليطا من أعداء نظام الزعيم والشيوعيين، وأكثرهم كانوا من القوميين والإسلاميين والإقطاعيين ورجال العهد الملكي وأنصار جمال عبدالناصر وموظفي شركات النفظ الأجنبية العاملة في العراق، ودون شك، جواسيس المخابرات البريطانية والأميركية والإسرائيلية ومصر والكويت والسعودية وإيران وتركيا، مع كثيرين من الانتهازيين العسكريين والمدنيين الطامعين بالجاه والسلطة. بعبارة أخرى لقد ضمت جميع المتضررين من حكم الزعيم ومن هيمنة الشيوعيين. مع جمهور واسع جدا من المواطنين العراقيين الأبرياء الذين جاءت بهم الشهامة لدعم ثورة الجزائر وقادتها الضيوف.

في تلك الأيام كان حزب البعث ما زال صغيرا وقليل الأهمية بين القوى المعادية للنظام القاسمي المتهم بأنه شعوبي شيوعي معاد ٍ للقومية العربية ووحدة مصر وسوريا. ورغم أن اسمه بدأ يُعرف في العراق على أثر فشل محاولته اغتيال الزعيم في العام 1959، خصوصا في محاكمات فاضل عباس المهداوي التي كانت تنقل إذاعيا وتلفزيونيا على الهواء، إلا أنه لم يكن يحلم بأن يصل إلى ما وصل إليه بعد تلك الزيارة.

فلأن جميع أعضاء قيادته القطرية، آنذاك، وأغلب أعضائه الآخرين، كانوا شبابا يافعين، تتراوح أعمارهم بين العشرين والخامسة والعشرين، وأغلبُهم تلاميذ جامعيون أو تلاميذ ثانوية، فقد كانوا الأكثر حيوية ونشاطا وعنادا وهتافا وصراخا في جبهة العداء لقاسم والشيوعيين. ثم جاءت الفرصة الذهبية لهؤلاء المراهقين ليركبوا موجة هذه التظاهرة الفريدة من نوعها، وقيادتها والاستحواذ عليها، وإظهارها وكأنها تظاهرة حزب البعث وحده لا شريك له، وتتحول إلى رسالة سياسية موجهة إلى الزعيم شخصيا، قبل كل شيء، وإلى جميع الدول والقوى المعادية للزعيم، والمتخوفة من احتمال هيمنة الحزب الشيوعي العراقي على الحكم، وبالتالي وصول الإتحاد السوفيتي إلى شواطيء الخليج الدافئة.

ذكرني بتلك الحكاية زميلٌ لي من أيام الإذاعة في الستينيات، ونحن نستعرض تاريخ حزب البعث، ونتساءل عن السر الذي جعل أميركا تلتقطه، على أثر تلك الزيارة، وترعاه، وتجعله قائد الجبهة العريضة المعارضة لنظام الزعيم، وتساعده، بالتالي، على إنجاح انقلابه الأول عام 1963، ليبدأ التاريخ الدموي في العراق والمنطقة، وصولا إلى صدام حسين، ثم حافظ الأسد، ثم بشار.

في مطلع الستينيات من القرن الماضي أدركتْ المخابرات الأميركية شيخوخة حليفتها العجوز بريطانيا وعجزها عن الإطاحة بنظام الزعيم، فقررت أن تتصدى هي لمليء الفراغ.

كانت الجبهة المعادية لنظام الزعيم غير متناسقة ولا موحدة، لا في الفكر ولا في الأهداف، وبدون قيادة موحدة مؤهلة لإنجاح الانقلاب المطلوب.

في تلك التظاهرة أثبت البعثيون (الشباب) أنهم شطار، ومتمرسون في الانتهازية والخبث. فقد سرقوا التظاهرة من أصحابها الحقيقيين، بمهارة، وكانوا الأعلى صوتا من الجميع. فلم يعد لدى جميع المراقبين الخارجيين أدنى شك في أنها بعثية وأن الحزب الذي استطاع حشد كل هذه الجماهير لهو حزب قائد ومهم وخطير كذلك.

وبعد تلك المسيرة الصاخبة الصارخة بأقل من عام، حدث الانقلاب في 8 شباط/فبراير 1963، وسقط الزعيم، وذاق الشيوعيون الأمريْن، وصار مراهق في العشرين من عمره وزير خارجية لأول مرة في العراق.

وقد اعترف أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث علي صالح السعدي، بعد سنين، بأنهم جاؤوا إلى السلطة بقطار أميركي.

وبعد انقلاب البعث العراقي بشهر واحد، بالتمام والكمال، نجح البعث السوري في انقلابه يوم 8 آذار/مارس 1963 وابتدأ مسلسل التصفيات الدموية بين أجنحة الحزب وقادته الكبار، إلى أن تمكن حافظ الأسد من السطو على الحزب والسلطة فيما أسماه بالحركة التصحيحية عام 1970.

الخلاصة من كل هذه الحكاية المملة الطويلة أن حزب البعث أعلن في بيانه الأول الذي أذاعه حازم جواد في الساعة التاسعة والدقيقة العشرين من يوم 8 شباط/فبراير 1963 ما يلي: "إن هذه الانتفاضة التي قام بها الشعب (يعني الحرس القومي) والجيش (يعني أحمد حسن البكر التكريتي وطاهر يحيى التكريتي وحردان التكريتي ورشيد مصلح التكريتي وحماد شهاب التكريتي وذياب العلكاوي التكريتي) من أجل مواصلة المسيرة الظافرة لثورة تموز المجيدة لابد لها من إنجاز هدفين، الأول: تحقيق وحدة الشعب الوطنية. والثاني: تحقيق المشاركة الجماهيرية في توجيه الحكم وإدارته. ولابد لإنجاز هذين الهدفين الإثنين من إطلاق الحريات وتعزيز مبدأ سيادة القانون". ومن عاش تلك الأيام الدامية السوداء، وشاهد ما فعله الحزب (القائد) وحرسه القومي بالناس وبالدولة وبالجيش وبالقوى السياسية الأخرى، ومنها تنظيمات وأحزابٌ قومية عربية أخرى شقيقةٌ لحزب البعث وشريكة معه في الانقلاب، بالإضافة إلى أحزاب ٍ وطنية عراقية عريقة، يبصم بالعشرة على أن حزب البعث داس على بيانه الأول بأحذية مراهقيه المتهورين، ومارس كل ما استطاع من قتل واختطاف واعتقال وتعذيب وتغييب. ثم توالت المصائب والمذابح في العراق وسوريا والمنطقة، وتلاحقت المؤامرات والانقلابات والحركات التصحيحية الكاذبة، ولم تتوقف أبدا إلى يومنا هذا، والعياذ بالله.

وما يجري في سوريا هذه الأيام صورة منقولة بحذافيرها مما حدث في العراق، من عام 1963 وإلى يوم سقوط الحزب، في نيسان 2003.

نفس الدموية، ونفس الغش والكاذب والتلفيق. نفس المجازر. نفس المزاعم والشعارات الوطنية والقومية الكبرى. بشار كصدام. يلغي قانون الطواري ليلا ويضاعف نهارا حملات قمعه للجماهير. أزلامُه يرقصون على جثث قتلاهم كما كان أزلام علي كيمياوي يرقصون عالى جثث المنتفضين، في أعقاب هزيمته في الكويت. يقتل العسكريين السوريين الشرفاء الذين يرفضون المشاركة في قتل المدنيين ويزعم أن المتظاهرين قتلوهم، وأن حملات جيشه وأفراد مخابراته ورجال أمنه فقط لملاحقة هؤلاء القتلة الإرهابيين المتسللين إلى التظاهرات. يدعو للحوار ثم يرسل دباباته ومدافعه إلى داخل الأسواق والمدارس والمساجد. يعلن العفو العام ويطلق سراح عشرات المخطوفين، ثم يأخذ، بدلا عنهم، مئات ومئات. وما يسمى بـ "الشبيحة" هم نفس "شلاتية" الحرس القومي العراقي أيام 1963، ونفس "فدائيي صدام". ومخابرات بشار هي نفس مخابرات صدام. وماهر الأسد نفس قصي وعدي. ورامي مخلوف نفس عبد حمود وعلي كيمياوي وبرزان ووطبان وسبعاوي.

لا أمل لهذه الأمة في عيش كريم يليق بالبشر إلا برحيل هذه البقية الفاسدة من هذا الحزب الفاسد الذي لا يجيد غير الخديعة والكذب وإراقة الدماء، باسم الصمود والتصدي، وهي خديعته الكبرى التي عاش عليها كل هذه السنين.

إبراهيم الزبيدي