الحرب ومفهوم الجهاد

بقلم: السيد نجم
الشعوب لديها مفاهيمها الخاصة عن الحرب والجهاد: الساموراي الياباني كمثال

خلصت الدراسات القانونية والسياسية والاجتماعية وحتى السيكولوجية إلى عدد من المفاهيم والتعريفات للحرب كمصطلح، التي هي ذروة التعبير عن الصراع بين البشر على الأرض.
منذ معركة هابيل وقابيل (أولى المعارك التي عرفتها البشرية) والصراع قائم. أمام أسرار ذاك الصراع، فهي عميقة وأزلية ومتعددة، إنها الحقيقة التي لا يمكن إغفالها حتى وان رفضها الجميع. ومنذ تلك الأيام البعيدة والإنسان يسعى لتسجيل صور وحالات صراعاته حتى قبل أن يعرف الكلمة المكتوبة والى أن عرف الورق وشرائح الكمبيوتر!

وقد انتهت تلك الدراسات إلى عدد من التعريفات لمصطلح الحرب:
..هي قانون أثبتت الأحداث التاريخية على أنها أزلية، والمعبرة عن الصراع بين البشر، وان الصراع وحده لا يكفى، لأن الحرب تتبع فكرة وارادة الحرب.
..هي البديل عن عدم وجود تشريع قانوني قوي وقادر على حل المنازعات بين الجماعات والدول.. أي أن الحرب بسبب التسيب القانوني. كما يمكن القول بأن الحرب مسعى لفرض قوانين بعض الجماعات أو الدول على الجماعات أو الدول الأخرى لفرض قوانين جديدة.
..هي العقد العنيف (غير المبرم) لتحويل بعض البلدان إلى سوق تجارية لبلدان أخرى..لأنها أغنى منها وأقوى. وأيضا لجعلها مصدرا للمواد الخام اللازم لها. (وهو التعريف الذي يفسر أغلب الحروب في بدايات عصر النهضة).
..هي النزوع إلى العنف السيكولوجي، فمن الممكن أن تتصف بعض البلدان والأمم بالعنف كما في الأفراد.
..هي صوت مرتفع لفض النزاعات بالقوة في مقابل صوت الحكمة والعقل.
وأخيرا تتحدد هوية تلك الحرب (مشروعة أو غير مشروعة) في ضوء هوية جملة الأفكار والقيم التي تعبر عنها السنة مشعليها!

أما الإسلام فقد استخدم مصطلحا آخر هو "الجهاد" بدلا عن "الحرب"، وجعله فريضة على المكلف..فرض كفاية (من يقوم بها يكفى عن الأمة كلها).
"الجهاد" من الجهد والمشقة في مقاتلة الأعداء. إلا أن الإسلام وضع ضوابطه وحدوده في مجال الجهاد..كأن جعل الجهاد في مجالين لا ثالث لهما:
المجال الأول..وضحته الآية:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" سورة البقرة آية110
انه مجال الفرد والوطن للدفاع عن النفس والعرض والمال.
أما المجال الثاني..وضحته الآية:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.." سورة البقرة آية 190
إذن لم يأذن الإسلام بالجهاد إلا دفعا للعدوان وحماية للدعوة الإسلامية.
ومع ذلك فقد حدد الإسلام القواعد المنظمة للجهاد، وهى في مجملها : قتال الذين يبدؤون بالعدوان والمعتدين.. لا يجوز مقاتلة من لا يبدؤون بالعدوان، لأن الله تعالى حرم الظلم.. في الجهاد حرب مشروعة وغاية تنتهي اليها.. أثناء المقاتلة، إن جنحوا للسلم على المسلم أن يجنح لها، مع عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ المقعدين.. الإكراه ليس وسيلة للدعوة في الدخول إلى الدين.. كما نهى الرسول (صلعم) قتل الرهبان مثلما نهى عن قتل النساء والأطفال.
وبذلك يكون الإسلام قد سبق كل المواثيق التي عرفتها البشرية وسعت اليها المجتمعات الحديثة في مجال التشريع والقانون الدولي.

كما أن الإسلام وضع للجهاد شروطه التي يجب على المسلم المجاهد أن يتسلح بها وهى: الإيمان الكامل في قلب المسلم المجاهد.. إعداد العدة الواجبة والاستعداد المناسب للجهاد.. آخذ باب الحذر عند ملاقاة العدو ثم الثبات عند بدأ المعركة.
وهو عبرت عنه الكثير من الآيات القرآنية ومنها: "وجاهدوا في الله حق جهاده" سورة الحج، آية 78... "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم" سورة الأنفال آية60... "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا" سورة النساء آية 71...
وغيرها الكثير من الآيات التي تناولت موضوع الجهاد: تعريفا وتصنيفا وتحديدا للمهام والوظيفة.

ومع تلك الوقفة السريعة مع الفهم المصطلحي بين "الحرب" و"الجهاد" ننتهي إلى عدد من الحقائق والواجب أن يعلمها المسلم وغير المسلم..
أن الحرب والجهاد معا يعبران صورة الصراع البشري قبل الإسلام وبعده..
مرت "الحرب" بتعديلات وتبديلات وتبدت على صور مختلفة في الأمم بل والديانات المختلفة.. فعرف في أمم الإغريق والرومان كصورة مطلوبة لأمم القوية وأن الفارس (المقاتل) هو رأس سلم الشرائح الاجتماعية بعد الحاكم.. وفى أمة اليابان التي لم تخرج للعدوان على جيرانها إلا في أواخر القرن التاسع عشر على روسيا وفى الثلاثينيات من القرن العشرين على الصين. كما لم تتعرض لعدوان خارجي إلا على يد المغول مرة ثم في القرن العشرين، جعلت هدفها هو رسم البطل الأسطوري وخلق المعارك الأسطورية (وهو ما تبدى جليا في آدابها، حتى أن مسرح الكابوكى أنشأ في القرن السادس عشر معتمدا على الأسطورة الحربية لمعارك لم تخضها البلاد والتي ظلت طوال القرنين الرابع عشر والخامس عشر بلا معارك (داخلية أو خارجية)!.. وفى أمة المسلمين خرجوا للجهاد (وليس للحرب) مع رفع السيف في حالة مسالمة الشعوب الأخرى وتحت مظلة الضوابط المحددة قبلا، مع فهم لمعنى الآية الكريمة "كتب عليكم الجهاد وهو كره لكم".. ثم كانت الحرب الحديثة والمعاصرة في النموذج الإنجليزي والأمريكي والتي اتسمت في مجملها ومنذ قرنين بالبعد الاقتصادي كدافع وسببا لها. وترصد الإحصاءات أن الإنجليز شيدوا الإمبراطورية العظمى لهم بـ270الفا من الجنود وحصلوا على أموال طائلة وثروات حقيقية، كما أن الحروب الأهلية الأمريكية على ما فقد فيها من أعداد أنجزت أكبر الأمم البشرية وأقواها على الأرض. ولا يغفل المتابع أن اشتراك القوتان معا في الحروب بدا لصالحيهما منذ القرن العشرين وآخرها على أرض البلقان وأفغانستان والعراق.
ونخلص فيما سبق ليس لبيان الفارق بين الحرب والجهاد، ولكن للتأكيد على أن مفهوم "الحرب"اصطلاحيا تبدل حتى عندما أعلن مفكروا القرون الوسطى بضرورة الحرب العادلة اختلفوا في تحديد..متى تصبح الحرب عادلة؟! وان انتهوا أحيانا إلى أنها الحرب التي تقرها الصفوة!!..أما مصطلح "الجهاد" فبقى طوال الزمن ومنذ القرن السادس الميلادي على هدف الدفاع عن الفرد والمجتمع والدين (ولا نغفل سؤ الفهم عند البعض التي تتبدى في حالات الحراك الاجتماعي ولأسباب غير دينية وان تعلقت بها كما في الجماعات المتمردة أثناء حكم الأمويين والعباسيين والقرن العشرين.. حيث خرج بعض المسلمين على الجماعة الإسلامية وهددوا النفس والوطن باسم الجهاد). د. السيد نجم