الحرب على داعش... معركة أيديولوجية

اللغز المحير

يرغب تنظيم «داعش» الإرهابي في استعادة الخلافة في الشرق الأوسط أكثر من أي شيء آخر، ولفعل ذلك يحتاج إلى تعزيز قبضته على الأراضي التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، ويحجم خصومه الإقليميين، ويضاعف أعداد المؤيدين الطامحين إلى العيش في كنف دولته المتطرفة. وفي خطبته الأولى بصفته الخليفة في يوليو الماضي، حض أبوبكر البغدادي المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الهجرة إلى دولته المزعومة قائلاً: «من استطاع منكم الهجرة فليفعل». ومن أكثر الطرق فاعلية كي تعزز «داعش» مكاسبها هي تفادي الوحشية العلنية، خصوصاً تجاه المسلمين، وكذلك إزاء القوى الغربية.

فلا يتعين عليها قتل الغربيين، لا سيما الأميركيين والبريطانيين، ولا ينبغي عليها اقتراف جرائم ضد المنشآت الأميركية والبريطانية، أو القيام بعمليات إرهابية ضد أوروبا وأميركا الشمالية، وعلى المقاتلين الذين يتحدثون الإنجليزية ألا يهددوا الدول الغربية وقادتها؛ ذلك أن واشنطن ولندن وحلفائهما تكاد لا تكون لديها رغبة في خوض حرب مفتوحة ضد جماعة لم تهاجم أراضيها بصورة مباشرة بغض النظر عن مدى إرهابها وتعصبها. وربما يثير تهديد زعزعة الاستقرار الإقليمي، أو إعدام أقليات مثل الإيزيديين، بعض ردود الأفعال الغربية، لكن لو لم يحرض تنظيم «داعش» ضد الغرب مباشرة، فثمة فرصة قوية لعدم دفع الاهتمام الغربي إلى محاربة مثل ذلك التنظيم.

ورغم ذلك، يبدو أن «داعش» لا يستطيع مقاومة ميوله نحو الوحشية، فقد كان فيديو السادس عشر من نوفمبر الذي يظهر رأس موظف المساعدات الإنسانية الأميركي، «بيتر كاسيج»، مقطوعة إلى جانب جذ رؤوس أكثر من اثني عشر جندي سوري، تهديداً بربرياً. وبالطبع شعرت قوات الرئيس السوري بشار الأسد بالتهديد، عندما شاهد الجنود مقتل رفاقهم.

وربما أن الفيديو يساعد تنظيم «داعش» بصورة ما في عملية التجنيد، مثلما بدا أن فيديوهين يوثقان قتل أميركيين وبريطانيين قد فعلا، وفي هذه المرة، ثمة محاولة متعمدة لتوضيح الجاذبية الدولية للتنظيم، فقد ظهر مواطنون بريطانيون وفرنسيون بين مقاتلي «داعش» في الفيديو. ورغم ذلك، شعر جمهور أكبر بكثير بالرعب والخوف من مظاهر الوحشية العلنية والعرضية لـ«داعش»، فقد أدان زعماء مسلمون في كل أنحاء العالم التنظيم. وفي هذه الأثناء، بدلاً من ردع التدخل الخارجي، أدى تعطش «داعش» للدماء إلى تسليط الأضواء على أنشطته أكثر من أي جماعة جهادية أخرى، ما أجج معارضة قوية للتنظيم بين الشعبين الأميركي والبريطاني. وبعد وقت قصير من قطع رأس الأميركي «جيمس فولي» في أغسطس و«ستيفن سوتلوف» في سبتمبر، أيد 52 في المئة من الأميركيين توجيه ضربات جوية ضد التنظيم. وبحلول نهاية أكتوبر الماضي، ارتفعت نسبة التأييد إلى 76 في المئة.

ورغم أن استطلاع الـ «سي إن إن» وجد أن 45 في المئة من الأميركيين يؤيدون إرسال قوات برية إلى العراق أو سوريا، لكنه أشار إلى أنه لو هاجم التنظيم السفارة الأميركية في بغداد، فإن نسبة تأييد نشر قوات برية ستكون 72 في المئة. وبالمثل، أيد 37 في المئة من البريطانيين العمل العسكري ضد «داعش» في أغسطس، ولكن استطلاعاً للرأي أجري بعد بث مقطع الفيديو الذي يظهر مقتل المواطنين البريطانيين ديفيد هينز و«آلان هيننج»، أظهر أن 59 في المئة يؤيدون التدخل العسكري البريطاني ضد التنظيم.

ومهد ذلك التحول الجذري في الرأي العام الطريق أمام توجيه ضربات جوية، والتي جعلت في المقابل تحقيق مكاسب على الأرض أكثر صعوبة بالنسبة لـ «داعش». ولولا جهود التحالف، لكان الآن سدا الموصل والحديثة المهمان ومدينة كوباني السورية وعاصمة كردستان العراق أربيل، في أيدي التنظيم. إذن، لماذا لا يحمي «داعش» مصالحه ويتخلى استفزاز أعدائه بوحشية؟

إن السبب يبدو أيديولوجياً، فمثلما قال زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري في رسالته إلى أبومصعب الزرقاوي في عام 2005، التي طالبه فيها بالكف عن بث فيديوهات تظهر قطع الرؤوس: «ربما يكون ردك، وإن كان صحيحاً، لماذا لا نبث الرعب في قلوب الصليبيين ومساعديهم؟». ومثل الزرقاوي، يروج تنظيم داعش إلى «نبوءة تقول إنه ستكون هناك مواجهة أخيرة بين المسلمين والكافرين». وحارب التنظيم بقوة للسيطرة على مدينة «دابق» السورية، وأطلق اسمها على مجلته، اعتقاداً منه بأن المنطقة ستلعب دوراً تاريخياً في المعارك التي ستفضي إلى فتح القسطنطينية ثم روما. ونقل الفيديو، الذي نشره موقع «دابق»، «بيان الزرقاوي عام 2004 بأن الشرارة قد اندلعت هنا في العراق وستزيد حرارتها حتى تحرق بإذن الله الجيش الصليبي في دابق». وتبدو هذه التصريحات أكثر من مجرد حملة دعائية، ويبدو أنها تعكس المعتقدات الحقيقية للتنظيم.

آكي بيريتز