الحرب على العراق تدفع بالاقتصاد العالمي نحو مصير مجهول

بقلم: خليل العناني

مع انطلاق الصواريخ الأمريكية صوب العاصمة العراقية بغداد، يبدو أن الاقتصاد العالمي هو الذي سيدفع ثمن انطلاقة هذه الصواريخ وغيرها من قاذفات الحمم الأمريكية. وفي هذا السياق نشرت مجلة الإيكونومست البريطانية المتخصصة مقالاً تحت عنوان "الاقتصاد العالمي يواجه قصص مرعبة" مشيرة الى الأضرار الفادحة التي ينتظرها الاقتصاد العالمي والذي بات مصيره معلق بنتائج الحرب الأمريكية على العراق.
وللتأكيد على مدى فداحة الخسائر التي قد يتحملها الاقتصاد العالمي يشير المقال الى أن الحرب على العراق تأتي في وقت يمر فيها الاقتصاد العالمي بمنعطفات صعبة، بدأت حتى من قبل وقوع الحرب ذاتها، وهو ما سيضخم من حجم خسائر الحرب وتداعياتها. فالأسواق العالمية تشهد أوضاعاً متردية، ومؤشرات أسواق المال تعاني من التذبذب الشديد، كما أن الاقتصاد الأمريكي والذي يعتبر مرآة للاقتصاد العالمي يشهد معدلات أداء ضعيفة. فعلى سبيل المثال تم اقتطاع نحو 308 ألف وظيفة خلال شهر شباط/ فبراير الماضي ووصل معدل البطالة الى نحو 5.8% عكس ما كان يتوقعه المحللون، ولعل السبب في ذلك يعود للارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والذي جاء كرد فعل للأزمة الأمريكية العراقية. كما انخفض مؤشر ثقة المستهلكين الى أدنى مستوى له منذ 10 سنوات، وهو ما أثار قلق المراقبين من احتمالات انزلاق الاقتصاد الأمريكي الى فترة ركود جديدة ستعد الثانية خلال ثلاث سنوات فقط. التشاؤم يخيم على نمو الاقتصادات العالمية يشير المقال الى أن هناك أجواء من التشاؤم تخيم على توقعات الكثير من المحللين حول نمو مختلف الاقتصادات العالمية، حيث يعتقد معظمهم أن الاقتصاد الأمريكي لن ينمو خلال النصف الأول من العام الحالي إلا بنسبة تتراوح ما بين 1-1.5% فقط، وهو ما دفعهم الى التنبؤ باحتمال أن يقوم البنك الفيدرالي الأمريكي بعمل تخفيض جديد لسعر الفائدة.
كذلك الأمر بالنسبة لاقتصادات منطقة اليورو، فبعدما أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مجلة الإيكونومست لمجموعة كبيرة من الاقتصاديين أن اقتصاد منطقة اليورو سيحقق معدل نمو قدره 2.8%، تغير الأمر الآن حيث يُتوقع ألا يزيد معدل النمو للعام الحالي عن 1.1% فقط خلال.
كذلك الأمر بالنسبة للاقتصاد الألماني والذي يمر بحالة اختناق منذ بداية الربع الحالي مما ينبئ باستمرار حالة الركود، فالقطاع الصناعي يشهد تباطؤاً واضحا وصل أقصاه خلال شهر ديسمبر الماضي حين انخفض بنحو 3.8%، وإن كان قد تحسن خلال يناير الماضي محققاً نمواً قدره 1.6%.
كما يوضح المقال أن معدلات البطالة تشهد حالياً قفزات غير مسبوقة حيث وصلت في ألمانيا الى نحو 10.5% وتم اقتطاع نحو 135 ألف وظيفة خلال شهري يناير وفبراير الماضين، وهو يعتبر أسرع معدل لانخفاض الوظائف خلال أكثر من عقد من الزمان. كذلك الأمر في فرنسا والتي يشهد معدل البطالة فيها أكبر انخفاضات له منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، كما انخفض مؤشر ثقة المستهلكين الى أدني مستوي له خلال ست سنوات.
أما بالنسبة لليابان فيشير المقال الى أنها استطاعت تحقيق تحسن ملحوظ أواخر العام الماضي وكان معدل النمو بها أعلي من نظيره في الدول الصناعية حيث وصل الى نحو 2.2%، وذلك نتيجة لزيادة الصادرات بسبب زيادة الطلب الصيني عليها، ولكن على الرغم من ذلك يري المحللون أن معدل نمو الاقتصاد الياباني لن يتعدى 0.5% خلال العامين الحالي والقادم، كما أن ارتفاع الين في مقابل الدولار أدي الى اقتطاع جزء كبير من عائدات قطاع التصدير خلال شهر يناير الماضي، فضلاً عن ذلك فقد شهدت بورصة طوكيو أدني مستوي لها منذ ما يقرب من عشرين عاماً وهو ما قد يؤدي الى استمرار فترة الانكماش الاقتصادي التي يرزح الاقتصاد الياباني تحت وطأتها منذ أكثر من عشر سنوات. الاقتصاد الأمريكي ما زال يعاني من انفجار فقاعة التكنولوجيا "نمو الاقتصادات العالمية رهن بنمو الاقتصاد الأمريكي" هكذا يرى كاتب المقال والذي ينطلق من حقيقة اقتصادية هامة وهي أن نمو الاقتصاد الأمريكي يعني نمو ثلثي الناتج العالمي، وهو ما يعني أنه مع استمرار حالة الاقتصاد الأمريكي على ما هي عليه الآن، فلن يستطيع اقتصاد منطقة اليورو ولا الاقتصاد الياباني تحقيق أي نمو على الإطلاق.
وفي إشارة لما يمكن أن تتركه الحرب الأمريكية على العراق بالنسبة للاقتصاد الأمريكي وبالتالي الاقتصاد العالمي، يشير المقال الى أن الارتفاع الحالي لأسعار النفط سيزيد من مشاكل الاقتصاد الأمريكي والذي يعاني بدوره من ضعف واضح. بل يرى كاتب المقال أن الاقتصاد الأمريكي حتى بدون وقوع الحرب فإنه لا يزال يعاني من آثار انفجار فقاعة التكنولوجيا والتي أضعفت من ثقة المستهلكين وأدت الى انخفاض كلاً من الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري.
ويتناول المقال طبيعة مشكلة انفجار فقاعة التكنولوجيا والتي نجم عنها انخفاض الإنفاق الفردي وإنفاق القطاع الخاص، وهنا يشير المقال الى أن دخل الأفراد والشركات على مدار أربعين عاماً وحتى عام 1997 كان يمثل نحو 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن مع انفجار فقاعة التكنولوجيا أواخر التسعينات واهتزاز ثقة المستهلكين أدي ذلك الى زيادة عجز القطاع الخاص والذي وصل الى نحو 5.2% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2000، ولا يزال الوضع كما هو عليه حتى الربع الثالث من هذا العام حيث ما زال القطاع الخاص يعاني من عجز واضح.
ويرى المقال أن معدلات البطالة الحالية تعود في جزء كبير منها الى أن معظم الشركات الأمريكية مازالت غير قادرة على تحقيق أرباح تناسب تكلفة الإنتاج، أي أنها تعاني من عجز كبير وهو ما يدفعها الى اقتطاع الوظائف باستمرار. كما أن معدل الادخار الفردي ارتفع بشكل ملحوظ من 2% عام 2000 كي يصل خلال الربع الأخير من العام الماضي الى نحو 4% وهو ما يعني في نفس الوقت انخفاض الإنفاق الاستهلاكي والذي يشكل نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالى في الولايات المتحدة، ويعود هذا الارتفاع- من وجهة نظر كاتب المقال- الى الانخفاض الكبير الذي شهدته-ولا زالت- أسواق المال الأمريكية والتي ترتب عليه خسارة كبيرة لمعظم المساهمين بنسب تتراوح ما بين 6-10% من قيمة الأسهم.
ويوضح المقال أن الاقتصاد الأمريكي يشهد حالياً مستويات عجز عالية في الميزانية العامة، وذلك نتيجة لارتفاع ميزانية الإنفاق العسكري والأمني فضلاً عن سلسلة الاقتطاعات الضريبية التي أقرها الرئيس بوش مؤخراً، وهو ما قد يدفع الفيدرالي الأمريكي الى العودة مجداً لسياسة خفض سعر الفائدة.
وفي إشارة لما يمكن أن تتركه الحرب على العراق على الاقتصاد الأمريكي يشير المقال الى أن أجواء الحرب قد أضرت بالفعل بالاقتصاد الأمريكي حيث انخفض سعر الدولار أمام اليورو لأول مرة منذ أربع سنوات حين حقق هذا الأخير نحو 1.11 دولار، وهو من شأنه أن يقلل من حصيلة الصادرات الأمريكية، فضلاً عن تأثيره الكبير على اقتصادات منطقة اليورو واليابان، فالبنك المركزي الياباني لن يستطيع خفض معدل الفائدة الذي هو منخفض بطبيعته "صفر"، كما اضطر المصرف المركزي الأوروبي الى خفض سعر الفائدة في السادس من مارس الحالي بنحو 0.25 نقطة حيث وصل الى 2.5%، وهي المرة الثانية خلال ثلاثة شهور منذ كانون الاول/ديسمبر الماضي والذي كان قد نجم عنه ارتفاع الميزان التجاري الأوروبي بنحو 6%.
وفي ظل هذا الوضع المتشائم للاقتصاد العالمي، فلنا أن نتخيل ما يمكن أن تحدثه الحرب على العراق من أضرار بالغة على مختلف الاقتصادات العالمية وذلك نتيجة لعاملين هما:
التذبذب المستمر لأسعار النفط العالمية، وهو ما يؤثر بشدة على اقتصادات الدول الصناعية.
سيطرة أجواء الحرب على مختلف مناطق العالم وهو ما يعني استمرار حالة الترقب والحذر في مختلف الأسواق العالمية وهو ما يؤثر بشدة على السلوك الفردي للمستهلكين والمستثمرين على حد سواء.
ولعل هذا ما يدفعنا للتساؤل: إذا كان الاقتصاد العالمي لن يجني من وراء مثل هذه الحرب إلا المزيد من التدهور والانكماش، فلماذا هي إذن؟ نأمل بأن نجد إجابة شافية لهذا التساؤل وغيره لدى السيد بوش وصقوره. * خبير اقتصادي مصري - السماعنة.