الحرب عبر الوسطاء أداة للهيمنة بأقل الخسائر

شكل سقوط العراق تحت الاحتلال الأميركي في 9 أبريل 2003 بعد حصار غير مسبوق في التاريخ الحديث دام 12 سنة، زلزالا ضرب منطقة الشرق الأوسط الكبير وأدى إلى بداية سلسلة من التحولات ونسف موازين القوى التي كانت تتشكل في المنطقة. سقوط العراق كان أحد نتائج اختلال التوازنات العالمية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

الذين لم يقرءوا التاريخ يظنون ما صنعته أميركا بالعراق من احتلال وتقسيم أمرا مفاجئا جاء وليد الأحداث التي أنتجته، ولكن الحقيقة أنهم نسوا أن ما حدث ويحدث كان المرحلة الأولى لتنفيذ المخطط الاستعماري الذي وضعته وصاغته القوى التي تسعى لفرض النظام العالمي الأحادي القوة أو ما يسمى النظام الامبراطوري الأميركي، ومن ضمن متطلباته الأساسية تفتيت المنطقة العربية، وتجزئتها وتحويلها إلى "فسيفساء" يكون فيه الكيان الصهيوني والقوى المتحالفة معه المتحكم الأساسي. فمنطقة الشرق الأوسط الكبير تشكل المحور العالمي الأهم الذي ستقام على أساس من يتحكم فيه موازين القوى خلال القرن الحادي والعشرين.

خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين والحرب العراقية الإيرانية مستعرة صرح مستشار الأمن القومي الأميركي بريجنسكي: "إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى تستطيع أميركا من خلالها تصحيح حدود "سايكس بيكو". بريجنسكي وعدد من مخططي السياسة الأميركية حذروا مع نهاية سنة 1988 من أن العراق شكل قاعدة صناعية عسكرية وعلمية من شأنها تهديد إسرائيل بشكل خطير وتكوين قوة إقليمية قادرة على تحدي الإرادة الغربية في المنطقة العربية، وأنه إذا لم يتم وضع حد لهذا التطور فإن الولايات المتحدة ستواجه نتائج سلبية طويلة المدى، وعليها عدم تكرار خطأها خلال نهاية عقد الاربعينيات وبداية عقد الخمسينات من القون العشرين عندما لم تتدخل بشكل فعال ومباشر لمنع سيطرة الشيوعيين برئاسة ماوتسي تونغ على مقاليد السلطة في الصين.

خلال تلك الحقبة شكلت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" لجنة لبحث تطبيق مشروع تأمين السيطرة الكاملة على المنطقة العربية، وكان من بين الدراسات التي وضعت رهن إشارتها تلك التي وضعها المؤرخ "برنارد لويس" الذي أكد أن المنطقة لن تعرف الاستقرار ولن تتمكن من التقدم والاندماج في المجتمع الدولي سوى بإصلاح الأخطاء التي ارتكبها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى والتي تجاهلت معطيات كثيرة. ووضع لويس مشروعا لتفكيك الوحدة الترابية والدستورية لمجموعة من الدول العربية والإسلامية، ومنها العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وتركيا وأفغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الإفريقي، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية.

مآسي الإمبراطورية

كتب المؤرخ الأميركي في كتابه "مآسي الإمبراطورية ونهاية الجمهورية" أن القوة العسكرية والقواعد الأميركية المنتشرة أصبحت منذ حكم الرئيس ليندون جونسون الأساس الذي جعل أميركا قوة عسكرية مصممة على الهيمنة على العالم. ونتيجة الزهو بالانتصار، والإحساس المبالغ فيه بوجود تهديد، أصبحت تشدد قبضتها على العالم، وحلت وزارة الدفاع محل وزارة الخارجية، وأصبحت هى التي توجه السياسة الخارجية الأميركية.

وهذه الإمبراطورية العسكرية ستؤدى إلى إفساد الديمقراطية، وإفلاس الدولة، وإشعال المعارضة، وفى النهاية سوف تنتهي إلى الانهيار كما حدث في كل الإمبراطوريات السابقة.

هذه الإمبراطورية العسكرية تنشر خدعة مؤداها أنها توفر الحماية الدولية.. بمعاهدات دفاع مشترك مع الدول.. وبوجود مجموعات عسكرية استشارية فى عدة دول.. وقوات عسكرية متمركزة هنا وهناك بحجة الدفاع ضد تهديدات مبالغ فيها أو غير موجودة أصلا.. وفى ظل هذه الترتيبات أصبحت هناك دول مستقلة فى الظاهر استقلالا شكليا، بينما هي في الحقيقة تابعة للإمبراطورية الإمبريالية وتتحرك وفق إشارتها. الإمبراطورية الأميركية قائمة على تواجد عسكري لا ينتشر بالضرورة فى الدول، ولكنه يتمركز فى قواعد.. والنفوذ الأميركي مفروض على الدول بالقوة والإكراه والاستغلال. ونظام الأمن الأميركي قائم على التحالفات والقواعد ويعتمد على إثارة المخاوف من تهديدات ملفقة وراءها أهداف توسعية.. وفى الحروب الأخيرة لم تكن الولايات المتحدة تدافع عن نفسها، ولكنها كانت تستغل الفرص لبناء إمبراطورية.

حسب مجموعة من الموسوعات فإن مصطلح الإمبريالية الأميركية يستخدم للإشارة إلى سياسة حكومة الولايات المتحدة في ممارسة الهيمنة على دول أخرى من خلال القوة العسكرية، الاقتصادية والسياسية. البعض ينكر وجود إمبريالية، والبعض الآخر يعتقد أنها ذات طابع جيد حسنة النية، والبعض الآخر يرى فيها قهر وتدهور للدول والشعوب المستهدفة.

الحرب في العراق وأفغانستان أنهكت الولايات المتحدة على كل الأصعدة، وهددت بتدمير الحلم الامبراطوري، ولكن رغم ذلك لم يبدل البيت الأبيض سياسته، وبدل التدخل العسكري المباشر زاد من تركيزه على التعاون مع قوى محلية في الدول المستهدفة لتحقيق نفس الأهداف.

يوم السبت 17 مايو 2014 نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية نتائج استطلاع للرأي بشأن سياسة واشنطن للتدخل خارج حدودها تحت عنوان الأميركيون متحمسون للحروب طالما هناك من يقاتل عنهم جاء فيه:

أظهر استطلاع عالمي أن الشعب الأميركي لا يمانع خوض الحروب طالما يمكن استخدام آخرين غير أميركيين في القتال.

ووفقا لاستطلاع "مسح القيم العالمية"، الذي شمل 80 ألف مستطلع من 56 بلدا حول العالم، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأميركيين يقولون "إن الحرب ضرورة أحيانا "لتحقيق العدالة".

وتعلق الصحيفة الأميركية على نتائج الاستطلاع مشيرة إلى أن الدرس الذي يمكن للسياسيين فى الولايات المتحدة الاستفادة منه لإقناع الشعب الذي أنهكته الحرب، بخوض مغامرة عسكرية جديدة هو إبلاغهم أن هذا يجرى لخدمة العدالة.

ومع ذلك، فوفقا لنتائج الاستطلاع، الذي شمل مسائل اجتماعية واقتصادية وسياسية، فإن 58 في المئة من المشاركين الأميركيين، فقط، مستعدون للمشاركة فى القتال دفاعا عن بلدهم. مما يضع الولايات المتحدة في ترتيب متأخر بين الدول وهو ما يتفق مع المقولة الشهيرة للرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدى: "لا تسأل عما يمكن لبلدك أن تفعله لأجلك، أسأل عما يمكن لشخص آخر أن يقوم به لأجل بلدك".

إسقاط الدول

جاء في تقرير أعده اللواء حسن عبدالرحمن رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق في مصر سنة 2011، أن "ما تتعرض له الدول العربية من إضطرابات وأزمات منذ احتلال العراق، يتم بتنظيم وتنسيق من جانب أجهزة الولايات المتحدة الأميركية وخاصة المخابرات المركزية، وأن التوترات والصدامات التي تتكثف منذ بداية العشرية الثانية من القرن الحدادي والعشرين ليست من قبيل المصادفة أو العشوائية، حيث أنها جزء من مخطط واسع لتبديل التوازنات في المنطقة وإعادة تشكيل دولها".

ويضيف التقرير أن الأمر يتعلق بـ"سيناريو مخطط له بإحكام ودقة، يتم العمل على تنفيذه لإسقاط الدول العربية واحدة تلو الأخرى، وفي مقدمتها مصر، تحت ستار تحركات شعبية ومجموعة من المطالب المشروعة".

صرح الكاتب والمفكر الفرنسي ريشارد لابيفيير الذي يدير حاليا مجلة "الدفاع" التابعة للمعهد الفرنسي للشؤون العسكرية والإستراتيجية يوم 12 مايو 2014 لصحيفة العلم: منذ ثلاثة عقود أو يزيد والولايات المتحدة تبحث عن وسيلة لتمكين من سماهم الإسلاميين من السلطة في الوطن العربي ومن ثم إقامة تحالف أو تزاوج استراتيجي معهم يساعد من جهة على تليين مواقفهم بشأن القضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي بشكل عام، ويمكن من جهة أخرى، من تقويض فرص التعاون السياسي والاقتصادي الذي تقيمه الدول العربية مع الأنظمة ذات التوجه الشيوعي وحتى الاشتراكي مثل الصين وروسيا، على اعتبار أن الإسلاميين يضمرون كراهية موروثة ومطلقة لجميع التيارات المنضوية تحت يافطة الاشتراكية أو الشيوعية. ولأنهم أعداء تاريخيون لليسار ولمفهوم الدولة الوطن، فهم بذلك حلفاء موضوعيون للعولمة الاقتصادية والسياسية كما يفهمها الأميركيون والبريطانيون.

الباحث خليل علي حيدر، عضو جمعية الصحفيين الكويتية، ورابطة الأدباء، وعضو مجلس كلية الآداب في جامعة الكويت، تطرق خلال النصف الأول من شهر مايو 2014 خلال محاضرة إلى ملامح تنظيمات الإسلام السياسي في معظم الدول، كونها تعطي الأولوية لمسألة السلطة والوصول إليها، وتطبيق فكرها الخاص، كما أن تلك التنظيمات لا تعترف مبدئيا بالدولة الوطنية القطرية، وتطرح بدلا منها "دولة الخلافة"، بالإضافة إلى أنها تولي الحزب والتنظيم اهتماما خاصا، وتقوم بعض أحزاب الإسلام السياسي على تشكيلات منظمة دقيقة ولجان متخصصة، وأيديولوجيا عبارة عن تحليل حزبي للدين الإسلامي ونهج خاص في فهم تاريخه وتعاليمه ونصوصه وتشريعاته.

وأكد بأن على العرب حسم خياراتهم في حلم بناء دولتهم بين "الدولة الوطنية" و"الوطن العربي الموحد" أو "الخلافة الإسلامية"، مؤكدا أن مشروع الإسلام السياسي تلقى ضربة استراتيجية موجِعة في مصر بعد أن انتظر الفرصة لأكثر من 80 عاما، ولكن لا تزال للإسلام السياسي عناصر قوة داخل العالمين العربي والإسلامي وخارجهما، ولن ينتهي مشروع الإسلام السياسي بهذه السهولة طبعا، ولكنه تلقى بلا شك ضربة استراتيجية.

وفيما يتعلق بجماعة "الإخوان" قال إن هذا التنظيم "الأخطبوطي" لن ينتهي بهذه السهولة، ولكن نهايته مرهونة بنجاح السلطة الحالية في تأسيس ديمقراطية حقيقية في مصر، وتحقيق طموحات المصريين.

وفيما طالب حيدر كل المصريين بالتحرك السريع لتنمية بلدهم، أكد في السياق نفسه أن مصر لا يمكن أن ترى حلاً لمشكلاتها في ظل الإسلام السياسي وجماعة "الإخوان"، ولا بد للشعب المصري أن يدرك أن مصير ثورته يعتمد على إنعاش الاقتصاد وعودة الإنتاج، لأن مصر الدولة الغنية لا يمكن أن تستمر على المعونات. وتناول الباحث جوانب من سياسات جماعة "الإخوان المسلمين" وبعض الجماعات المنافسة أو المكملة لها، كالجماعات السلفية، و"حزب التحرير"، وأحزاب التشيع السياسي، وغيرها. وكشف على حيدر عن ملامح أخرى لأحزاب الإسلام السياسي كالتماثل الفكري، والتكتل، والسرية، والتركيز على المناورة، وتعدد الخطاب، والتعامل مع الإسلام كأيديولوجيا.

كتب الزميل على الصراف: هل الإسلام السياسي "ديمقراطي" أصلا؟ وهل، يا لطيف، تتفشى الديمقراطية في قطر الى ذلك الحد الذي يجعلها تنفق الأموال من أجل نشر الديمقراطية أو الدفاع عنها في العالم العربي؟

عندما ينشر المرء رسالة الصدق، أفلا يحتاج أن يكون هو نفسه صادقا؟ وعندما يطلب المرء من الناس أن يلتزموا بمعايير سياسية أو دينية أو أخلاقية، أفليس من الأولى به أن يلتزم بها أولا؟

ما من دليل واحد، في مرجعيات وأفكار وسياسات كل حركات الإسلام السياسي، يمكنه أن يثبت أن هذه الحركات تنتهجُ الديمقراطيةَ أو تقبلها.

في الواقع، فان كل مبرر وجود "الإسلام السياسي" يقوم في الأصل، على مناهضة الديمقراطية بوصفها منهجا "ليبراليا غربيا" يتناقض، في تصورهم، مع الإسلام.

ودع عنك الكتب والمحاضرات والمجادلات الكثيرة التي خاضها ممثلو هذا "الإسلام السياسي" عن الديمقراطية بوصفها كفرا، فإن أكثر خطاباتهم اعتدالا، في ظل الحملات الانتخابية نفسها، تقول إن الديمقراطية ليست سوى وسيلة، يمكن استخدامها مرة، لكي لا يتم استخدامها في أي مرة بعد ذلك، حيث يجب أن تعود الحاكمية الى الله وشريعته.

وهؤلاء الناس لا يخفون شيئا من نواياهم المناهضة للديمقراطية.

فإذا كان الأساس الأول للديمقراطية يقتضي مبدأ القبول بالتداول السلمي للسلطة، فان هؤلاء الناس إذا تسلموا سلطة فانهم لا يعتزمون تركها، لأنهم يعتقدون أن سلطتهم هي سلطة الله، وأن الله لا يجوز أن يسلم سلطته، أو أن يعترف بحق غيره أن يتسلمها منه (أي منهم، باعتبارهم وكلاء الله على الأرض).

والديمقراطيةُ في نظرهم صنوٌ للعلمانية، والعلمانيةُ كفر.

وإذا كانت الديمقراطية تعني قبولا بتعددية الفكر والرأي، فكلُّ فكرٍ غير فكرهم كافر، وكلُّ رأيٍ غير رأيهم في النار.

وإذا كان "الإخواني لا يتزوج إلا من إخوانية" حسب شريعة عصام العريان، فمحمد (صلى الله عليه وسلم)، لم يكن إلا كافرا عندما تزوج من قبطية!

هذا هو "الإسلام السياسي". إنه شريعةُ تكفير وتجريم للآخر. كما إنه شريعة نفاقٍ صريحٍ، وفصيح.

وهذا ما لا علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، بأي ديمقراطية، ولا بأي قيمة من قيمها.

محاور التدخل

بعد تعثر المشروع الأميركي لنشر ما يسمى بالفوضى الخلاقة في المنطقة العربية وخاصة بعد إسقاط الشعب المصري لحكم محمد مرسي ولنظام حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان، ركزت الأجهزة الأميركية جهودها في محاولة لتصحيح الوضع على عدة محاور أهمها مصر ليبيا والسودان، على ساحة الشمال الشرقي لأفريقيا، ودول مجلس التعاون الخليجي على ساحة جنوب غربي آسيا.

يوم 16 مايو وتحت عنوان "الإخوان يضخون 150 مليون دولار لإفشال رئاسية مصر،" كتبت صحيفة الشروق التونسية: "كشفت تقارير إعلامية وسياسية متطابقة أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين تمكن من ضخ أكثر من مائة وخمسين مليون دولار أميركي للعمل على إفشال انتخابات الرئاسة المصرية".

وأشارت إلى أن المرشح الرئاسي، المشير عبد الفتاح السيسي، كان قد أدلى بتصريحات سابقة اعتبر فيها أنه لن يكون هناك شيء اسمه الإخوان إذا فاز برئاسة مصر.

وقد اعتبر هذا التصريح رفضا مصريا مطلقا مع أي حوار أو تهدئة مع جماعة الاخوان المصرية ومن ورائها التنظيم الدولي، الذي تتوزع فروعه على أكثر من ثمانين دولة في العالم. وهذه القطيعة المعلنة من جانب السيسي الأوفر حظا للفوز برئاسة مصر، وحديثه الأخير بأن الجيش المصري لن يحمي الأمن القومي لمصر فقط، بل الأمن القومي العربي كاملا، كثفت من القلق الأميركي والاسرائيلي.

فيما يشبه الرد على من يراهنون على سقوط فرص الاخوان في العودة إلى السلطة، قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية يوم 15 مايو "إن احتشاد أنصار جماعة الإخوان، يوم الأربعاء 14 مايو، فى منطقة رابعة العدوية، قبيل أسبوعين من الانتخابات الرئاسية، هو إشارة إلى أن المعارضة الإسلامية ليست على استعداد للرحيل بهدوء عن هذه المرحلة".

وأشارت الصحيفة إلى أن استمرار جماعة الإخوان المسلمين في تحديها يعنى أن هناك حركة معارضة جاهزة فى مصر لتكون بمثابة حافز لتنظيم احتجاجات أكبر إذا تعثر النظام الجديد.

وتضيف أنه بينما من المتوقع أن يفوز المرشح الرئاسي المشير عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع السابق الذي قاد عملية عزل الرئيس السابق محمد مرسي من السلطة، بسهولة بمنصب الرئيس، فإن عملية حكم مصر قد تكون تحديا ضخما آخر.

مرآة الإعلام الغربي

ليس هناك بين الملاحظين الدوليين إختلاف بأن وسائل الاعلام في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة تعكس تطلعات إدارة البيت الأبيض والطبقة السياسية المؤثرة خاصة وأن جل هذه الوسائل هي في ملكية رؤوس الأموال الكبيرة وجماعات الضغط الرئيسية، ولهذا فإن متابعتها تمكن من الحصول على تصور للتوجه السياسي والتقديرات للأوضاع حاليا ومستقبلا في دوائر القرار.

يوم الجمعة 16 مايو قالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، إن أنصار المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسى يتوقون إلى استعادة الأمن في مصر، ورصدت الصحيفة حالة التأييد التي يحظى بها وزير الدفاع السابق بين الطبقة العاملة وأصحاب الأعمال البسيطة.

ونقلت عن أحد هؤلاء ويدعى محمد كمال قوله، إن مصر تحتاج إلى رجل عسكري، فالمدني لا فائدة منه، وتابع كمال الذي فقد عمله كعامل بمصنع للأثاث بعد التدهور الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة، إن مصر لم تشهد ثورة بل شهدت انتكاسة لم يستفد منها سوى اللصوص والبلطجية. وتقول فاينانشيال تايمز، إن كمال مثله مثل العديد من أصحاب الأعمال أو المشروعات الصغيرة يخطط لتأييد السيسي في الانتخابات.

وأشارت الصحيفة إلى أنه من المتوقع أن يحقق السيسي فوزا سهلا في الانتخابات في ظل ما يقوله أنصاره بأنه قادر على استعادة الأمن ووقف التراجع الاقتصادي، فى حين أن منافسه السياسي اليساري والصحفي حمدين صباحي ليست لديه خبرة في الحكم.

وأشارت الصحيفة، إلى أن السيسي يتمتع أيضا بتأييد كبار رجال الأعمال ومؤسسات الدولة، وتعتمد حملة المرشح الرئاسي على خطاب وطني هدفه جذب قطاع واسع من المصريين الذين يسعون إلى الاستقرار بعد ثلاث سنوات من الاضطراب والتراجع الاقتصادى.

تحالفات جديدة

مخاوف الولايات المتحدة من التطورات المقبلة في مصر، تتركز على موقفها من الكيان الصهيوني والحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام والتحالفات الجديدة التي قد تنبثق مع دول الخليج العربي وتمتد حتى عبر شمال أفريقيا إلى سواحل المحيط الأطلسي.

صحيفة "يو إس إيه توداى" الأميركية حذرت يوم الخميس 15 مايو بشكل غير مباشر من تطور سلبي للعلاقات بين القاهرة وتل أبيب، وذكرت "إن الحكومة المصرية ستكون أكثر حذرا إزاء العلاقة مع إسرائيل التى يعتبرها كثير من المصريين وشعوب الدول العربية الأخرى عدوا".. فأي مؤشرات على تعاون بين القاهرة وتل أبيب يمكن أن يقوض السلطات فى مصر.

وقال شادي حميد، الخبير بمركز بروكنغز الأميركي، إن أحد الانتقادات إلي وجهت لمبارك كانت أنه أصبح مقربا للغاية من الولايات المتحدة. إن شعبية السيسى والجيش مرتبطة بمشاعر الوطنية المصرية، والعداء لإسرائيل جزء منها.

في حين سلطت مجلة "المونيتور" الأميركية الضوء على سياسة مصر تجاه سوريا، وقالت "إن مصر تتبنى نهجا وصفته بالواقعية الباردة إزاءها". وقالت المونيتور "إن مصر لا تتوقع الكثير من مؤتمر أصدقاء سوريا الذي يعقد في لندن، وليس هناك ما يثير اهتمامها في الإدارة الغربية للقضية السورية".

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي مصري مطلع قوله "إن المسئولين الأميركيين قالوا لهم صراحة إنهم لا يمتلكون سياسة محددة بشأن سوريا، وهم ليسوا مضطرين لقول ذلك".. وهذا لا يعنى انتقادا ولكنها مجرد حقيقة أن أميركا ليست لديها سياسة.

وكان المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي قد أعرب عن موقفه من سوريا عندما قال في حواره مع شبكة سكاي نيوز العربية "إننا في حاجة إلى حل سلمى للخروج من الأزمة".

وبالنسبة للانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، تقول الصحيفة إن القاهرة لا تعتقد أن تلك الانتخابات يجب أن تكون حجة لوقف العملية الدبلوماسية.

وتتابع المونيتور قائلة إن بعض المسئولين في مصر حريصون على معرفة المزيد، بشأن المناقشات الروسية الإيرانية المشتركة حول إطار العمل الدولي بعد فشل محادثات جنيف. وتريد مصر المشاركة لكنها لا تستطيع البدء في إعادة تأكيد قيادتها الإقليمية في مجال السياسة الخارجية لحين إجراء الانتخابات الرئاسية.

غير أن الصحيفة نقلت عن مصادر مصرية قولها "إن القاهرة لم تؤمن أبدا بحل الإطاحة بالأسد، لكن من الوهم الآن الاعتقاد أن بإمكانه استعادة الوضع الذي كان قبل الحرب".

من ناحية أخرى، قال مصدر وصفته المونيتور بالمطلع "إنه لا يستبعد تعاونا عسكريا مع سوريا حول الجهاديين والقضايا الأمنية"، وأضاف قائلا "إن هناك بالتأكيد نوع من التعاون الاستخباراتي".

قبل ذلك استنكرت مصادر سياسية بتل أبيب تلميح السيسى بعدم استقبال أي رئيس وزراء إسرائيلي، إذا لم توافق إسرائيل أولاً على إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

واعتبرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوم 7 مايو، أن تصريح المشير حول اعتزامه زيارة إسرائيل، في حال اعترفت الأخيرة بدول فلسطين، أول إشارة للعلاقات مع إسرائيل حال فوزه بالرئاسة.

وكان السيسى قد أكد، خلال حوار تليفزيونى، أنه ليس أمام إسرائيل سوى الموافقة على قيام دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها، مضيفا أن هناك فرصة حقيقية للسلام إذا تم إعطاء الأمل للفلسطينيين.

وكانت صحيفة "إسرائيل هيوم"، قد أشارت من جانبها إنه طوال عام حكم الإخوان لم يكن هناك تهديد على اتفاقية السلام الموقعة بين تل أبيب والقاهرة، مضيفة أنه وبعد عزل الرئيس محمد مرسي بدأت تتعالى صيحات عدد من القيادات الليبرالية في مصر تنادي بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد.

وأوضحت الصحيفة الصهيونية أنه جرت عملية جمع توقيعات من الشعب المصري لإلغاء اتفاقية السلام، مشيرة إلى أن حركة "تمرد" التي دعت للتظاهرات التي انتهت بسقوط مرسي تقود هذه الحملة الهادفة لإلغاء اتفاقية كامب ديفيد.

وأكدت "إسرائيل هيوم" أن مطالب إلغاء اتفاق كامب ديفيد تزايدت مؤخرا في الشارع المصري خاصة عقب موقف واشنطن من الأحداث الجارية في مصر وتجميدها المساعدات العسكرية التي تتلقاها مصر من أميركا والتي تشكل صمام أمان لاتفاق السلام الموقع بين القاهرة وتل أبيب.

وأرجعت الصحيفة الصهيونية المطالب المصرية بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد إلى شعور المواطنين بتقييد الاتفاقية للقوات المسلحة المصرية وبالتالي حرمانها من استخدام كل قواتها لدحر الإرهاب في سيناء، وانتشار القوات على الحدود بين الطرفين، مضيفة أن دعوة إلغاء الاتفاقية تلقى ترحيبا واسعا بالشارع المصري.

وقالت "إسرائيل هيوم" إن ما يعزز الاستجابة لهذه الدعوات هي بعض تصريحات القيادات السياسية المصرية والدولية بتورط إسرائيل في نشر الفوضى في مصر.

ضغوط أميركية على دول الخليج

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز إن وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل حث دول الخليج العربي، خلال زيارته للسعودية خلال شهر مايو 2014، على التوحد ضد التهديدات الأمنية، في إطار سعى الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها فى المنطقة المنشقة بشأن كيفية التعامل مع الاحتجاجات في مصر والصراع في سوريا والبرنامج النووي الإيراني.

وقالت الصحيفة الأميركية فى تقريرها، إن على ما يبدو استعان وزير الدفاع بكتاب الحكايات الشعبية "كليلة ودمنة" قائلا: "إن التعاون بين الأصدقاء أمر حيوي لبقائهم على قيد الحياة". ناظرا إلى المسئولين العرب الذين تجمعوا حول مائدة الحوار.

وأضاف هاغل فى كلمته: "يجب علينا أن نظهر وحدتنا في الأوقات الحرجة.. وعلينا أن نبعث برسالة قوة للخصوم". وترى الصحيفة أن تصريحات وزير الدفاع الأميركي سلطت الضوء على المشاحنات التي وقعت بين دول الخليج، خلال الأشهر الماضية. حيث غضبت السعودية والإمارات والبحرين من سياسات قطر الداعمة بقوة للإخوان، مما تطور إلى سحب البلدان الثلاث سفرائها من الدوحة وتهديدها بمزيد من العقوبات.

وتقول "على الرغم من أن قطر شاركت فى لقاء وزراء دول مجلس التعاون الخليجي مع هاغل، في جدة، فإنه لم يتضح بعد ما إذا كانت دول الخليج على استعداد للعفو عن الدولة الصغيرة". لكن على نحو غير علني، فإن المسئولين العرب أوضحوا إن الخلافات السياسية لا تزال قائمة، بما فى ذلك تلك التى تتعلق بالولايات المتحدة والتى جعلت كلا من إدارة أوباما وحلفائها العرب يبدون كما لو أنهم يعملون بخطط متعارضة.

وذكر مسئول عربي، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، إن الحكومات العربية لاتزال منزعجة حيال أسلوب تعامل الرئيس باراك أوباما مع الأزمة فى مصر ودعمه الأعمى لحكم الإخوان.

إذا كانت واشنطن تضغط من أجل إستمرار قطر في سياستها ولكن دون أن تتعرض لعقوبات من جيرانها فإنها لم تجد تجاوبا حتى الآن حسب غالبية الملاحظين، فخلال الإجتماع الذي حضره تشاك هيغل أكد ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، أن مسؤولية أمن الخليج ودوله مسؤولية مشتركة بين دول المجلس والمجتمع الدولي، ووصف ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط "من معاناة قاسية للشعوب، وهدم لمؤسسات الدول وتدمير لكياناتها"، بأنه "ستكون له تداعيات على المنطقة والمجتمع الدولي"، وقال: "وما ظاهرة الإرهاب إلا واحدة من هذه التداعيات"، مشددا على أن التردد والحذر في التعامل مع الأزمات الإقليمية "من شأنه أن يزيد من معاناة الشعوب ومن تدمير الدول".

وشدد ولي العهد السعودي في كلمته على أنه، في السنوات الأخيرة، ظهرت تحديات أمنية كثيرة وخطيرة طالت المنطقة العربية، "يأتي في مقدمتها الأزمات السياسية التي تعصف ببعض الدول العربية والسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وتدخل بعض الدول في شؤون دول المجلس، وتنامي ظاهرة الإرهاب، مما جعل أمن دولنا وشعوبنا في خطر"، وقال إن هذا "يفرض علينا مضاعفة الجهود وتنسيق المواقف لتحقيق متطلبات أمن دول المجلس واستقرار المنطقة".

شروط المصالحة

تتحدث عدة وسائل إعلامية ودبلوماسية منذ أسابيع، عن أن الرياض وأبوظبي والمنامة حددتا عيد الفطر القادم والذي يصادف الايام الأخيرة من شهر يوليو 2014 كموعد للحكم على التزام قطر بإتفاقية الرياض المحددة في أربع نقاط، وهى طرد قطر 15 عضواً من الإخوان، من مواطني مجلس التعاون، ويقيمون في الدوحة، خمسة منهم إماراتيون، وبينهم سعوديان، والبقية من البحرين واليمن، وموافقة قطر على إنهاء هجوم محطة الجزيرة على السعودية والإمارات ومصر، وتجنب اعتبار ما حصل فى مصر انقلابا عسكريا، ووقف دعم الإخوان والعمل على منع المعارضين المصريين من اعتلاء المنابر القطرية، ووقف دعم قطر للإخوان وحيادها فى الأسابيع القليلة المقبلة إزاء ما يحصل في مصر، ووقف التحريض على السيسي في انتخابات الرئاسة.

سجل الملاحظون أنه خلال النصف الأول من شهر مايو 2014، صدرت من الدوحة تصريحات ومواقف يمكن إعتبارها خرقا لإتفاق الرياض.

فيوم الاحد 11 مايو شن الداعية المصري، يوسف القرضاوي، المرجع الديني لجماعة الإخوان، هجوما قاسيا على المرشح الرئاسي المصري، عبد الفتاح السيسي، وأعلن وقوفه إلى جانب قطر التي قال إنها مع الحق دائما وأن الحق "سينتصر إذا انتصرت".

ونقلت صحيفة "الراية" القطرية جانبا من كلمة القرضاوي بمؤتمر دعم القدس بالدوحة حيث وصف الوضع الحالي في مصر بأنه "مصيبة" قائلا: "لم نر في مصر منذ الانقلاب إلا القتل وسفك الدم وسجن الأبرياء.. مصر منذ الانقلاب تخسر كل شيء، ولا تكسب أبدا في أي مجال". وأفتى بضرورة مقاطعة المصريين للإنتخابات الرئاسية.

في نفس الوقت أشارت تقارير صحفية إلى بقاء عدة قيادات بجماعة الإخوان في قطر.

وسائل الاعلام القطرية واصلت حملة التضليل ضد اعضاء مجلس التعاون الخليجي ومصر، فمثلا يوم الخميس 15 مايو كتبت: الإمارات تعرض على فرنسا "غزو" ليبيا والسيطرة على مقاليد الحكم، وطرد القوى والفصائل الإسلامية المسيطرة على الحكم، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وذلك مقابل عشرات مليارات الدولارات.

وأضافت أن الإمارات تمارس ضغوطاً كبيرة على المسئولين الفرنسيين من أجل القبول بهذا العرض، خصوصاً بعد إدراك الإمارات أن القوى الإسلامية تمكنت من حسم المعركة لصالحها في مواجهة القوى العلمانية والليبرالية المدعومة إماراتياً، وأن لا أمل بالانقلاب على الإسلاميين، وتكرار التجربة المصرية، لأن إسلاميي ليبيا يملكون ميليشيات عسكرية مسلحة لا تستطيع أي قوة عسكرية محلية مجابهتها، مهما كان حجم دعمها الخارجي، وبالتالي لا حل إلا بالتدخل الخارجي، الذي سيكون غطاؤه محاربة الإرهاب والتطرف، كما حصل في مالي وأفريقيا الوسطى.

في نفس اليوم وتعليقا على حركة التعيينات في مناصب عسكرية بالسعودية كتبت: انقلاب في السعودية.. أبناء عبد الله يسيطرون على المراكز الامنية والعسكرية. وأضافت يواصل جناح الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز عملية السيطرة على أهم المواقع السلطوية في شبه الجزيرة العربية. وفي خطوة بدت إبعادا كاملا لجناح أبناء سلطان، وتحديا لأبناء ولي العهد الحالي سلمان وولي العهد الراحل نايف، صدر قرار ملكي قضى بتغييرات واسعة في إمارة الرياض ووزارة الدفاع.

فبعد تعيينه ابنه مشعل أميرا لمنطقة مكة، العاصمة الدينية للمملكة، عين عبدالله ابنه تركي أميرا لمنطقة الرياض العاصمة السياسية والمالية للبلاد، في خطوة عززت مكانة أبناء الملك في أقوى مناطق المملكة. وترافق القرار مع استكمال الانقلاب على أبناء سلطان، من خلال إعفاء سلمان بن سلطان من منصب نائب وزير الدفاع، لمصلحة خالد بن بندر بن عبدالعزيز، بدل محمد ابن ولي العهد سلمان.