الحرب تحرّف أحلام طلاب سوريين

'الإعلام كشف جرائم الاسد للعالم كلّه'

دمشق - كان عشرات الآلاف من التلاميذ السوريين يحلمون بأن يصبحوا مهندسين أو مدرّسين أو روّاد مهن واختصاصات أخرى، لكن الحرب المدمّرة التي عصفت ببلدهم بدّدت الكثير من أحلامهم.

وإذا كان الكثيرون من السوريين قد تمكّنوا من تأسيس مستقبل لهم في الخارج، أو انتهى بهم الأمر في مخيّمات لجوء بائسة، إلا أن آخرين اختاروا أن يبقوا في بلدهم مقاتلين أو عاملين في مجال الإعلام.

ومن هؤلاء دلبرين صادق البالغة من العمر اليوم 26 عاما، وقد دفعتها ظروف منطقتها في سوريا إلى ترك دراسة الكيمياء لتصبح مقاتلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

في العام 2013، قبل عام على سيطرة التنظيم المتطرّف على مدينة الرقة، كانت دلبرين طالبة في السنة الجامعية الثالثة، لكن الأمور انقلبت في المدينة رأسا على عقب، فقد أُلزمت النساء بارتداء لباس أسود لا يُظهر منهن أي شيء، وصار السكان تحت حكم مفرط في التشدد.

إزاء ذلك خرجت الشابة من مدينتها وانضمت إلى وحدات حماية المرأة، الفرع النسائي لوحدات حماية الشعب الكردية.

وتقول "لم أعد إلى الرقّة إلا لتحريرها"، وقد سيطرت قوات التحالف الكردي العربي عليها بالكامل في الأيام القليلة الماضية.

وبعيد طرد المقاتلين المتشددين من محيط المبنى الجامعي، ذهبت دلبرين إلى هناك لتستعيد شيئا من ذكرياتها الجامعية وسط الدمار.

وتقول "حين أتجوّل في الجامعة، أتذكّر زملائي، أتمنى أن يكونوا بخير".

وتضيف هذه الشابة الي تعود أصولها إلى مدينة رأس العين في محافظة الحسكة المجاورة "أشعر بألم لكل ما فقدته".

لكنها رغم ذلك لا تشعر بأسى على ما آلت إليه حياتها الشخصية.

وتقول "لقد أحببت الحياة العسكرية، لن أترك هذه الحياة ما دامت الحرب قائمة، وإن تمكنت من الدراسة وأنا عسكرية فسأفعل ذلك".

وتضيف "الحياة تستمر، والتعليم يستمر".

يبلغ أحمد الخطيب من العمر 28 عاما، وهو كان طالبا في كلية الهندسة المدنية في جامعة تشرين في اللاذقية حين اندلعت الاحتجاجات ضد نظام الرئيس بشار الأسد في آذار/مارس 2011.

ويقول "خالي هو شجعني، وهو مهندس لكنه كان ينصحني بدراسة الإعلام، قلت له لا يمكن ذلك لأن الإعلام في سوريا مقيّد، فاخترت الهندسة المدنية".

إلا أن الحرب هي التي دفعته إلى ما كان خاله ينصحه به، فوجد نفسه في ساحات القتال وتحت القصف مراسلا صحافيا.

شارك أحمد في التظاهرات الاحتجاجية الأولى، ولذا ورد اسمه في تقرير أمني.

وفي أحد أيام تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2011، كان في طريقه مع صديق له إلى إدلب، فأوقفه حاجز أمني نظامي.

قبع أحمد 22 يوما في أحد سجون إدلب، ثم أحيل إلى محكمة في دمشق وحوكم بتهمتي التظاهر و"المس بهيبة الدولة".

ويروي أنه تعرّض للتعذيب ليقول إنه يحمل السلاح، "لكنني لم أعترف بذلك، فأنا لم أكن أحمل السلاح".

بعد ذلك خرج من السجن، ومعه تصريح بأنه لم بعد مطلوبا للأجهزة الأمنية، لكن هذا التصريح لم يكن كافيا ليجعله يكمل دراسته.

ويقول "في اليوم الأول لعودتي إلى الجامعة، وصلت إلى حاجز في مدخل اللاذقية، الورقة التي معي تقول إنه لا يجب اعتقالي على أي حاجز، لكن الرجل الواقف على الحاجز أخذ الورقة ووضعها في جيبي وقال لي "إن رأيتك هنا مجدداً كسرت عنقك".

ويضيف "كنت من المتفوقين في المدرسة وحتى في الجامعة كنت من المتفوقين..كان أصعب شعور أن أترك كل شيء".

إثر ذلك، أدرك أحمد أن أحلامه الدراسة تبدّدت، لكنه ظلّ على رفض حمل السلاح، فانطلق في مهمة توثيق الاحتجاجات ومن ثمّ النزاع المسلّح والتداعيات الإنسانية للحرب.

ويقول "صرت أدخل موقع يوتيوب لاتعلم التصوير، وكنا نصوّر حينها بهواتفنا".

ويرى أحمد أن "مجال الإعلام هو أروع مجال في الثورة، هو من كشف جرائم الاسد للعالم كلّه".

يأمل أحمد أن تضع الحرب أوزارها في بلده، بعد ذلك "سأدخل إلى كليّة للإعلام"، لأن "الإعلام يبني الدولة".