الحرب بين شطري السودان: مخططات التقسيم والصراع على الثروات

بقلم: عمر نجيب

كان فصل جنوب السودان عن شماله أحد أكبر وأهم إنجازات مخططات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والحركة الصهيونية العالمية. عملية التقسيم هذه لم تكن إلا بداية لتمزيق السودان أكثر إضافة إلى أنها كانت خطوة على طريق تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دولة متنازعة.

مراحل التقسيم

في يناير 2011 كتب مؤرخ عربي "السودان بلد إسلامي عريق، إذ دخله الإسلام في وقت مبكر سنة 31 للهجرة على يد عبد الله بن أبي السرح عامل عثمان بن عفان في مصر، وأصبح السودان ومصر التي دخلها الإسلام من قبل، أصبحا معا ولاية واحدة. هذه العملية الوحدوية لم تكن الأولى فقبل الإسلام شكل القطران كيانا موحدا لفترات زمنية طويلة. والسودان بلد يحتل موقعاً استراتيجياً هاماً، فهو يطل مع مصر على الجزء الأعظم من الساحل الغربي للبحر الأحمر ويجاور تسع دول أفريقية، وهو غني بثرواته الزراعية وأرضه الخصبة ومياهه وبالمعادن والنفط الذي اكتشف مؤخراً مع نهاية القرن العشرين".

غزت بريطانيا السودان عام 1898، حيث كان لا يزال جزءاً من مصر، وبسطت سلطتها عليه هو ومصر.

وقد قام الإنكليز بفصل السودان عن مصر قبل أن ينسحبوا عسكريا منه، وذلك في عام 1956.

وكما فعل الاستعمار في مناطق عديدة من منطقة الشرق الأوسط وضعت بريطانيا الخطوط التمهيدية لفصل جنوب السودان عن شماله حيث قسمت البلاد إلى قسمين، وكان النظام الإداري مختلفا في الشمال عن الجنوب. وحرصت عبر هذا التقسيم على منع انتشار الإسلام جنوبا بين القبائل الرحل الذين كانوا وثنيين في حين فتحت الباب على مصراعيه أمام البعثات التبشيرية المسيحية.

وحرصت السياسات الاستعمارية على اظهار الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية والدينية، وفرقت المملكة المتحدة في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا أهمها التعليم، فبدأت تظهر الاختلافات الثقافية وعملت لندن على أن تصور للسودانيين الجنوبيين إخوانهم في الشمال على أنهم تجار رقيق.

ودعمت بريطانيا الارساليات المسيحية التي بدأت عملها في الجنوب عام 1848 حتى قبل الاحتلال العسكري، وساندت زيادة نشاطها وتنظيمه ليتسع في كل إتجاه جغرافي بعد الغزو في عام 1899. وقد سمح لكل من الإرسالية الكاثوليكية والإرسالية البروتستانية بالعمل التبشيري في جنوب السودان، وقدمت لها إعانات مالية سخية من جانب الحكومة البريطانية بدءاً من عام 1927.

وبعد جلاء القوات البريطانية وانفصال السودان عن مصر طالب بعض القادة الجنوبيين الذين كانت لهم روابط مع لندن والذين كشفت الوثائق السرية البريطانية لاحقا وبعد عقود أنهم كانوا يتعاملون مع الأجهزة الاستخبارية البريطانية، أن يكون لهم نظام خاص داخل الدولة السودانية الموحدة، وهو الأخذ بنظام الفدرالية، ولكن حكومة الخرطوم رفضت الاقتراح معللة إنه سيؤدي إلى انفصال الجنوب.

في أغسطس 1955 تمرد بعض أعضاء الفرقة الجنوبية من الجيش السوداني بإيعاز من بريطانيا ضد الشمال.

في الأشهر اللاحقة دخلت على خط التدخل بثقل كبير كل من الولايات المتحدة الأميركية وتنظيمات كنائسية عديدة وإسرائيل وأطراف أخرى. وبدأت حرب الإثنين وعشرين عاماً.

التقسيم السكاني

تختلف التقديرات بشأن التكوين الديني في جنوب السودان، الذي يقدر عدد سكانه حسب الأمم المتحدة بحوالي 8 ملايين نسمة، الكتاب السنوي الذي يصدره مجلس الكنائس العالمي أفاد في آخر نشرة إحصائية له وكانت في عام 1981 "أن سكان جنوب السودان يتوزعون بين أتباع الديانتين المسيحية والإسلام وأتباع الديانات الأفريقية التقليدية والوثنيون. ومعظم المسيحيين هم كاثوليك وأنجليكانيون، وقدر الكتاب أن 2 قي المائة من أهالي الجنوب وثنيون، و 18 في المائة مسلمون و80 في المائة مسيحيون.

تقديرات أخرى تعتبر محايدة، تفيد أن 50 في المائة من السكان هم أتباع الديانات الأفريقية التقليدية والوثنيون، بينما يشكل المسيحيون 28 في المائة والمسلمون 22 في المائة.

دولة جديدة

نجحت قوى الانفصال بمساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية في إنجاز عملية فصل جنوب السودان عبر استفتاء أجري في الجنوب وحده رغم أن كثيراً من الحقوقيين أكدوا أنه كان يجب استفتاء كل الشعب البالغ تعداده ما يزيد عن 46 مليون نسمة وليس سكان عدد محدود من ولايات الجنوب.

محللون غربيون ذهبوا حتى إلى التشكيك في نزاهة الاستفتاء ونبهوا إلى التصريحات الأممية والغربية التي اعترفت على استحياء أن العملية لم تف بالمعايير الدولية، فقد صرح المبعوث الأميركي الخاص للسودان "سكوت غرايشن" في 3 أبريل 2010 عقب لقائه المفوضية القومية للانتخابات: "أحاطوني بمعلومات جعلتني واثقا من أن الانتخابات ستبدأ في موعدها المقرر، وأنها ستكون حرة ونزيهة بأكبر قدر ممكن"، وهو نفس ما عبر عنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر "مدير مركز كارتر" في 9 أبريل 2010 حيث قال "إنه اطمأن على قيام الانتخابات بالسودان بنحو مرضٍ ومقبول"، وذهب كارتر أبعد من ذلك، بوصفه للسودان كأنه مستعمرة أميركية كما هو الشأن بالنسبة للعراق عندما قال "أميركا تدير الانتخابات في السودان كما أدارتها في العراق سابقاً".

حتى قبل أن يعلن سلفا كير قيام دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 غرق الجنوب في صراعات دموية بين مختلف القبائل والقوات المتمردة السابقة. ووصل تأزم الوضع إلى درجة دفعت حتى بعض مهندسي عملية الانفصال إلى التشكك في إمكانية استمرار الدولة الجديدة.

يوم 2 فبراير 2012 أعربت المسؤولة عن المساعدات الانسانية في الأمم المتحدة فاليري اموس عن الأسف ازاء "العواقب الانسانية الوخيمة" التي تنجم عن النزاعات والفقر في جنوب السودان. وقدرت الأمم المتحدة أن عدد الأشخاص المتضررين من النزاعات القبلية الأخيرة في ولاية جونقلي وحدها في جنوب السودان بحوالي 120 ألف شخص. وينقسم جنوب السودان إلى عشر ولايات.

واعربت اموس عن "قلقها ازاء حجم ومدى العنف الذي تلحقه المجموعات بعضها بالبعض الاخر في جونغلي"، وازاء "النزاعات بين ميليشيات متمردة والجيش والتي تقتل وتجرح وتدفع إلى نزوح الكثير من الناس".

وقالت مصادر إنقاذ غربية أنه مثلاً وخلال يناير 2012، زحف حوالي ثمانية الاف شاب مسلح على بلدات تقطنها قبيلة منافسة. وتحدث عاملون انسانيون عن مشاهد تثير الرعب وعن اطفال القي بهم من أعلى أشجار ونساء تعرضن للتقطيع بالسواطير.

وحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن حوالي ثلاثة ملايين شخص في هذه الدولة يحتاجون إلى الغذاء.

قاعدة متقدمة للتدخل

محللون في مراكز رصد أوروبية قدروا أن دولة جنوب السودان الجديدة لا تملك مقومات الاستمرار لإنها نتاج صراع إقليمي ودولي وخاصة أميركي إسرائيلي، محذرين من تحويل جنوب السودان إلى قاعدة لإشاعة عدم الاستقرار في جزء كبير من أفريقيا، وذلك في نطاق الصراع الدولي على مصادر الثروات الطبيعية وخاصة النفط والمعادن الاستراتيجية.

البصمة الإسرائيلية في عملية تمزيق وحدة السودان، رسختها تصريحات رئيس جنوب السودان سالفا كير خلال اجتماعاته مع نظيره الإسرائيلي شيمون بيريز في القدس يوم 20 ديسمبر 2011 ثم مع كل من وزير الدفاع إيهود باراك ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان إضافة إلى نتنياهو، حيث أكد أن الانفصال لم يكن لينجح لولا الدعم الإسرائيلي.

من جانبه اعتبر بيريز، زيارة كير "مؤثرة وتاريخية"، وكشف أن "العلاقات بين إسرائيل والقيادة الوطنية في جنوب السودان بدأت في زمن حكومة ليفي أشكول أي خلال النصف الثاني من الستينات، عندما كان شيمون بيريز نائبا لوزير الدفاع، وأضاف عقدت أول لقاء بالسودانيين في باريس وقدمنا لكم مساعدات كبيرة في مجالي البنى التحتية والزراعة". وقال بيريز إن إسرائيل ما زالت تقدم المساعدات لجنوب السودان في شتى المجالات "في سبيل تقويتكم (. . . ) فنحن نعرف كيف ناضلتم بشجاعة وحكمة وتغلبتم على الصعاب وأقمتم دولتكم المستقلة".

ورد كير شاكرا الاستقبال الحار والمؤثر، قائلاً إن زيارته إلى أرض الميعاد تعتبر تاريخية أيضا بالنسبة له ولشعبه. وقال: "فعلاً إنكم وقفتم إلى جانبنا على طول الطريق ولولا هذا الدعم لما قامت لنا قائمة".

وأضاف كير أن بلاده ترى في إسرائيل نموذجا يحتذى ويسعدها أن تتعلم من تجربتها وأن تقيم معها علاقات صداقة استراتيجية.

مصادر إسرائيلية ذكرت أن اللقاء بين كير وباراك تركز على تعزيز التعاون العسكري بين الطرفين، والقائم منذ سنوات، وأضافت أن تل أبيب ستقوم ببناء قاعدة جوية في جنوب السودان بالقرب من الحدود مع اثيوبيا ومراكز تصنت في المنطقة لتضمن تغطية على البحر الأحمر وحتى أجزاء متقدمة من وسط أفريقيا.

في الفترة ما بين انفصال جنوب السودان وحتى الثلث الأول من شهر أبريل الذي هاجمت خلاله قوات حكومة جوبا منطقة هجليج النفطية الغنية واحتلتها قبل أن تطردها منها قوات الخرطوم بعد ذلك بأيام، تم الكشف عن تكثيف التدخل الإسرائيلي الأميركي لدعم الحركة الإنفصالية في منطقة دارفور، وهو ما اعتبره محللون انتقالا للمرحلة الثانية من معركة تفتيت وحدة السودان.

مرحلة التفتيت الثانية

نشرت الجريدة الإلكترونية الدولية المتوسط اون لاين تقريرا بني على معلومات من مصادر عديدة منها جريدة الأهرام، وكالة أنباء أميركا إن أربك والعرب اليوم جاء فيه:

يجب أن نعي مدى خطورة المؤامرة على وحدة السودان أرضا وشعبا، ومدى التدخل الأجنبي وهو أساسا من جانب أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، وايطاليا، وكينيا، وخصوصا الدور التخريبي المميز لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وتحديدا في إقليم دار فور ومنطقة الجنوب، حيث اتضحت معالم مخطط تآمري إسرائيلي دولي لتقسيم السودان، وما يشكله ذلك من خطر حقيقي على أمن واستقرار ومستقبل دول المنطقة وخصوصا جمهورية مصر العربية. حيث أن تمزيق السودان لدويلات عديدة سيكون بداية السيطرة الكاملة لإسرائيل على مياه نهر النيل وبالتالي التمكن من خنق مصر.

منذ اندلاع أزمة دارفور والتي أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار السودان، ومدخلا قويا للتدخلات الخارجية، كانت هناك العديد من المؤشرات الواضحة على وجود دور استخباراتي إسرائيلي يعمل على توسيع الأزمة وتكريسها، حيث عملت إسرائيل على توفير كل ما يلزم من التمويل والدعم في العديد من المجالات، واستغلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الاختلافات في إيقاد نار الفتنة ألإثنية والقبلية، لتحويل مجرى هذه الاختلافات إلى أزمة سياسية مركبة ومعقدة ذات طبيعة أثنية، تعمل على إضعاف السودان وتمزيقه من الداخل وصولا إلى تفكيكه وتحويله إلى دويلات صغيرة متصارعة.

إن محاولة تفكيك السودان وإضعافه ليست وليدة سياسات إسرائيلية جديدة، بل هي جزء من الإستراتيجية الإسرائيلية منذ أكثر من نصف قرن، فمنذ خمسينات القرن الماضي شكل مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن غوريون فريق عمل إسرائيليا لوضع الاستراتيجيات اللازمة لاختراق الدول العربية، وخاصة دول الطوق ودول المحيط ومن ابرز هذه الدول السودان. قبل عشرات السنين قال ديفيد بن غوريون: أن الجهد الإسرائيلي لإضعاف الدول العربية لا يجب أن يحشد على خطوط دول المواجهة فقط، بل في الجماعات غير العربية التي تعيش على التخوم في شمال العراق وجنوب وغرب السودان وفي جبال لبنان وليبيا وبقية شمال أفريقيا.

وفي سنة 1990 ذكر مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية في محاضرة بمركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب، أن الدور الإسرائيلي تجاه حركة التمرد في السودان كان حاسما، وان دوافعه الأخلاقية كانت بمثابة الجسد للإستراتيجية التي وضع أساسها القادة الإسرائيليون الأوائل منذ عهد ديفيد بن غوريون وغولدا مائير وحتى الوقت الراهن.

وفي حديث لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق أفي ديختر قال أن صانعي القرار في إسرائيل كانوا قد وضعوا خطة للتدخل في إقليم دارفور، وأردف قائلا: كنا سنواجه مصاعب في الوصول إلى دارفور لممارسة "أدوارنا المتعددة" بعيدا عن الدعم الأميركي والأوروبي، وتدخلنا في دارفور أمر حتمي حتى لا يجد السودان الوقت لتركيز جهوده باتجاه تعظيم قدراته لصالح القوة العربية، حيث أن السودان بموارده المتعددة كان بإمكانه أن يصبح دولة إقليمية قوية، إلا أن الأزمات الداخلية التي يواجهها حالت دون ذلك، وقال: إن رئيسة الوزراء الإسرائيلية سابقاً غولدا مائير ذكرت أن إسرائيل مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض الأوضاع من الداخل بالسودان، نظرا لوجود الفجوات والثغرات في البنية الاجتماعية والسكانية للسودان.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في كلية التربية بجامعة المنصورة وخبير الشؤون السودانية الدكتور زكي البحيري يؤكد، أن إسرائيل تدعم الخلاف السوداني وتضع عينها على مياه النيل.

دارفور

كشفت ورقة قدمها باحث عربي عن الدور الإسرائيلي في دارفور، في مؤتمر نظمه مركز دراسات المجتمع والرصد للدراسات الإستراتيجية، عن تورط منظمات أجنبية وسودانية غير حكومية تعمل كواجهة لدول وتنظيمات أجنبية، في أنشطة استخباراتية بإقليم دارفور لمصلحة إسرائيل، وإلى الدور الذي لعبته الوكالة اليهودية الأميركية العالمية، التي دخلت إلى الإقليم عن طريق لجنة الإنقاذ الدولية واجهة النشاط الإسرائيلي، وعرض مقدم الورقة صورا فوتوغرافية ووثائق تثبت قيام تلك المنظمات بأعمال مخابراتية في دارفور لمصلحة إسرائيل ودول أجنبية أخرى، كاشفا عن مخطط صهيوني لزعزعة الأمن بدارفور، تمهيدا لفصل الإقليم.

الدكتور البحيري أشار في نفس المناسبة إلى أن اللوبي الصهيوني وراء صناعة تحالف إنقاذ دارفور، وإلى ما تم الكشف عنه من تورط الإسرائيلي داني ياتوم في تهريب أسلحة إلى دارفور، مستشهدا بما ورد على لسان حاييم كوش رئيس جماعة اليهود الزنوج من أن دولا أفريقية مجاورة تحولت إلى مراكز إسرائيلية.

وأشار الباحث إلى علاقة التحالف بين إسرائيل وشريف حرير واحمد إبراهيم دريج القياديين في حركة التمرد في دار فور، حيث تلقى الأول الدعم المالي الإسرائيلي عبر إحدى السفارات الإسرائيلية في غرب أفريقيا وزار الأخير إسرائيل علنا، وكذلك حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور الذي لديه مكتب في إسرائيل، والذي يحصل كذلك على دعم من واشنطن.

وكالة مخابرات جديدة

خلال الثلث الأخير من شهر أبريل 2012 ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" ان وزارة الدفاع الأميركية تقوم بإنشاء وكالة استخبارات جديدة ستركز على عدد من الدول الأفريقية والصين.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه "الوكالة الجديدة ستستفيد من الوكالات الموجودة وتعمل بشكل وثيق مع الاستخبارات المركزية لكشف التهديدات الكامنة".

وأوضحت الصحيفة أن ضباطا من وكالة الاستخبارات يجمعون سراً معلومات خارج نطاق ساحات الحرب التقليدية، مشيرة إلى أن هذه الخطوة ترسخ التعاون بين البنتاغون والـ"سي آي ايه".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الدفاع قوله إنه يتوقع أن تتطور الوكالة الجديدة "من بضع أفراد إلى عدة مئات" من العملاء في السنوات المقبلة.

ويأتي الإعلان عن تشكيل هذه الوكالة الجديدة بعد أسبوع على تعيين البنتاغون الجنرال مايكل فلين رئيسا للاستخبارات العسكرية. ويعكس تعيين فلين، الذي انتقد بشدة الاستخبارات العسكرية عندما كان كبير ضباط الاستخبارات في أفغانستان في العام 2010، زيادة نفوذ القوات الخاصة في السنوات الماضية.

وكانت القيادة المشتركة للعمليات الخاصة مسؤولة عن مقتل عدد كبير من العراقيين والأفغان في السنوات الماضية، وقد نفذت أيضا العمليات التي أفضت إلى قتل عدد من خصوم الولايات المتحدة في عدة دول كاليمن وباكستان وغيرهما.

مصادر رصد غربية ذكرت أن التنظيم الجديد يستهدف تسريع تنفيذ المخططات الأميركية في عدة مناطق من العالم وخاصة أفريقيا التي تتكثف على أراضيها المنافسة الأميركية الصينية.

أسباب أخرى

بعيدا عن الدور الأجنبي في تأجيج الصراع بين جوبا والخرطوم يرى محللون أن هناك أسبابا أخرى جعلت كير يلعب بكرة النار مع شمال السودان، وأحدها هو حشد الدعم الشعبي خاصة بين أفراد جيش الجنوب الذي يقدر بعض المسؤولين أن عددهم يصل الى 200 ألف جندي والذين يشعر عدد كبير منهم أن كير يقود البلاد إلى كارثة. كما أن كير يمني أنصاره بنجاح حركة إنفصال دارفور مما سيضعف الخرطوم.

وقد تساعد المواجهة مع الشمال كير على تشتيت الغضب الشعبي من أزمة اقتصادية طاحنة سببها عجز الحكومة ووقف إنتاج النفط والذي يصل إلى 350 ألف برميل يوميا في إطار خلاف مع الخرطوم على مدفوعات النفط.

وقد ارتفعت أسعار الغذاء بشكل مهول كما أصبح الحصول على الوقود والاسمنت وبعض الأدوية أصعب لان الموردين يحصلون على الدولار بشق الانفس.

وقال دبلوماسي غربي في جوبا "الحكومة لا توصل أي شيء. . لكن سيكون هناك دعم لكير إذا ظل متشددا مع البشير في أي صدام عسكري متوقع". وأضاف تبقى أفضل فرصة لتجنب المزيد من الصراع ووقوع كارثة اقتصادية عبر محادثات تجرى بوساطة من الاتحاد الأفريقي لكن يبدو أن استئناف المحادثات غير مرجح لان كل طرف يراهن بشكل متزايد على سقوط الطرف الآخر.

انحياز واشنطن

تعثر هجوم جيش جنوب السودان على منطقة هجليج النفطية ثم المواقف الأميركية المنحازة لجوبا أشعل خلافاً علنياً جديداً بين الخرطوم وواشنطن.

وهكذا شكك النائب الأول لرئيس جمهورية السودان علي عثمان محمد طه في جدوى استمرار الحوار مع دولة جنوب السودان في أعقاب تعديها على ولاية جنوب كردفان واحتلال منطقة هجليج واعتبر تصريحات قادة الجنوب عن إمكانية العودة لمائدة التفاوض محاولة للقفز للخروج من مأزق الخسارة في هجليج، وأضاف "اي تفاوض واي مصلحة تبحث عنها جوبا وهي لا تحترم حتى مواطنها".

وكان الرئيس الاميركي باراك اوباما قد دعا السودان وجنوب السودان إلى العودة إلى طاولة المفاوضات لحسم القضايا العالقة بين البلدين مؤكدا أن المعارك لا تشكل بديلا للحوار السلمي. كما هددت مندوبة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة رئيسة مجلس الأمن لشهر ابريل بفرض عقوبات على الدولتين المتحاربتين في حال استمرار القتال بينهما.

وقال طه فى حوار تلفزيوني ان السودان جاهز لصد كل المؤامرات التي تكيلها دولة الجنوب مظهرا عدم مبالاته حيال التهديدات الدولية بفرض عقوبات على الخرطوم وجوبا وقال ان الجيش السوداني يمارس حقه الطبيعي في الدفاع عن أراضيه وسيادته الوطنية.

وأكد أن الولايات المتحدة الأميركية تنحاز إلى الجنوب بفعل اللوبي ومنظمات الضغط المرتبطة بالصهيونية منوها إلى أن الخرطوم لا تعول كثيرا على مواقف واشنطن بقدر تعويلها على حقها الواضح الذي تكفله القوانين والنظم والشرع والدين في أحقية الدفاع عن النفس.

وصرح نائب الرئيس السوداني بان لا مجال لوجود واستقبال قوات دولية في الحدود على اراضي السودان مهما كانت الاسباب وقال "لا نقبل بوجود قوات دولية علي حدودنا مع دولة الجنوب". وذلك رداً على مطالبة جوبا بدعم من البيت الأبيض نشر قوات دولية وعرض النزاع حول هجليج على القضاء الدولي.

وكانت الخارجية السودانية قد حددت في بيان لها اربعة شروط لاستئناف المفاوضات مع جنوب السودان حول المسائل العالقة. وقال بيان صادر عن الخارجية إن على جنوب السودان الالتزام بالاتفاقات الامنية المبرمة بين البلدين والاعتراف الصريح بحدود 1956 التي وضعت أثناء الحكم البريطاني لتقسيم البلاد، وسحب قواتها من جنوب كردفان والنيل الازرق في إشارة إلى مقاتلي الحركة الشعبية لشمال السودان بالإضافة إلى وقف دعم الحركات المتمردة في دارفور.

كما شن نائب الرئيس السوداني هجوما على الحركات الانفصالية وقال ان تلك المجموعات لا تملك القدرة علي الحرب وتستمد السند والدعم من جوبا وجهات خارجية بغية شن حرب اقتصادية علي السودان. مضيفاً أن الهجوم الأخير على الهجليج جاء في اطار محاولات تعويق الانتاج الزراعي في جنوب كردفان وتخريب المنشات النفطية في هجليج يهدف شل القدرة الاقتصادية للسودان ودفع الشارع للانتفاض والثورة على الحكومة نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

حصار أميركي عمره 15 سنة

يشير مراقبون أنه رغم أن الخرطوم تجاوبت مع الضغوط الأميركية التي أفضت إلى الاتفاقيات التي أسفرت عن إنفصال جنوب السودان، فإن الإدارة الأميركية تواصل خوض حروب على واجهات عديدة تصب كلها في هدف إضعاف السودان.

يوم الأحد 11 مارس 2012 اعلنت الحكومة السودانية ارجاء مؤتمر مخصص لمساعدة السودان اقتصاديا كان من المقرر عقده في اسطنبول في الثالث والرابع والعشرين من مارس، بسبب خلافات مع الولايات المتحدة التي أصرت على إدراج الخلاف بين الخرطوم وجوبا والمشاكل في ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان على جدول أعمال هذا المؤتمر.

واعلنت اشراقة سيد محمود وزيرة التعاون الدولي السودانية في بيان تلته امام الصحافيين عقب اجتماع مع سفراء غربيين وممثلين لوكالات الامم المتحدة في الخرطوم "اتفقنا على تأجيل هذا المؤتمر حتى نضمن مشاركة فاعلة ونصل لحلول اقتصادية لقضايا الديون الخارجية والعقوبات الاقتصادية".

واتهمت الوزيرة السودانية الولايات المتحدة بعرقلة انعقاد المؤتمر.

وقالت "صدرت الدعوات للمؤتمر بتوقيعات الوزراء المعنيين في كل من السودان وتركيا والنرويج، غير أننا فوجئنا بطلب الولايات المتحدة سحب اسمها من ديباجة المؤتمر واشتراط اجندة اضافية.

واضافت ان الولايات المتحدة لم تكتف بذلك "بل اكدت انها ستسعى لتحريض الدول بعدم المشاركة في حال الاصرار على عقد المؤتمر".

واعتبرت الوزيرة ان الموقف الأميركي "هو هروب من التزام الولايات المتحدة بتعزيز قدرات الدولتين أي السودان وجنوب السودان وانجاحهما".

وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج قد تقدمت بفكرة عقد المؤتمر عقب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 بهدف مساعدة السودان في التغلب على مصاعبه الاقتصادية بعد ان فقد 75 في المائة من انتاج النفط البالغ 470 الف برميل في اليوم من جراء الانفصال.

وادى الانفصال كذلك إلى تدهور سعر العملة السودانية وارتفاع معدل التضخم، وذلك في وقت وصلت فيه ديون السودان الخارجية إلى 37 مليار دولار حسب وزارة المالية السودانية.

في 15 مارس 2012 جاء في تقرير لوكالة رويترز: الحصار والحظر الأميركي يضع الاقتصاد السوداني على شفير الهاوية. السودان يعجز عن استيراد التكنولوجيا وقطع الغيار من الخارج بعد ما قاطعته معظم الشركات الغربية بسبب ضغوط الإدارة الأميركية. وكتب مراسل الوكالة: في مركز التسوق الوحيد بالسودان والذي يقع في العاصمة الخرطوم يتعين على الزبناء صعود السلالم من ساحة ركن السيارات إلى المحال التجارية لأن السلالم الكهربائية لا تعمل. ولا يعلم أحد متى ستعمل.

وفي مدخل مركز عفراء التجاري الذي تأسس بأموال تركية توضح لافتة أن السلالم الكهربائية خارج الخدمة وأن المركز يحاول إيجاد قطع الغيار وهي غير متوفرة بالسوق المحلية.

وفي قاعة المغادرة الدولية بمطار الخرطوم الدولي الذي لا يبعد كثيراً هناك اثنان من شبكة السلالم الكهربائية خارج الخدمة أيضاً.

ويجد السودان صعوبات جمة في استيراد التكنولوجيا وقطع الغيار من الخارج بعد ما قاطعته معظم الشركات الغربية بسبب الحظر التجاري الأميركي المفروض عليه منذ 15 عاما تقريبا.

ويكافح بنك السودان المركزي لتدبير مصادر أخرى للدخل والعملة الصعبة ويسعى لوقف تهاوي قيمة الجنيه بالسوق السوداء حيث يتم تداوله بسعر أقل بنسبة 80 في المئة من سعره الرسمي أمام الدولار.

ويقول رجال أعمال محليون إن الحكومة قيدت استيراد قطع الغيار لكثير من الآلات والمعدات الأساسية خشية نفاد احتياطي النقد الأجنبي المطلوب لشراء المواد الغذائية الأساسية من الخارج.

ولا تتضح على وجه الدقة خطورة وضع الاحتياطي النقدي لأن المركزي السوداني لا ينشر بيانات الاحتياطيات الأجنبية.

وفي أكتوبر 2011 أبلغ بدر الدين عباس نائب محافظ بنك السودان المركزي الصحافة المحلية أن السودان لديه احتياطيات تكفي لتغطية ثلاثة أشهر من الواردات الأساسية. ولم يصدر أي تصريح منذ ذلك الحين.

وفي عدد من البلاد يعتبر تهاوي غطاء الاستيراد إلى ثلاثة أشهر وقوفا على شفا الخطر.

تحالف إقليمي ضد الخرطوم

بعض الصحف الأميركية تناولت الحديث عن الصراع، وتطرق بعضها إلى المخاطر المتوقعة جراء استمرار النزاع، وأشارت أخرى إلى أن الحرب بين شطري السودان قد تتحول إلى حرب إقليمية وتترك آثارها المدمرة على المنطقة برمتها. غير أن المهم في كل هذه التعليقات إشارتها إلى تحالف إقليمي تحركه الإدارة الأميركية ضد السودان بعد أن اتضح أن قوات حكومة جوبا ليست كافية وحدها لإنجاز المهمة، كما تلمح إلى الأضرار التي ستصيب الصين.

صحيفة كريستيان ساينس مونيتر ذكرت أن من شأن اندلاع حرب واسعة بين السودانيين رفع السعر الذي يدفعه الأميركيون ثمناً لوقود سياراتهم، وأن تترك تداعيات سلبية على دوام النمو الاقتصادي في الصين، وأن تتسبب أيضاً في زعزعة استقرار المنطقة برمتها.

وقالت إن التوترات التي تشهدها البلدان المنتجة للنفط من شأنها أن تترك تداعياتها السلبية على المستهلك الأميركي، مشيرة إلى أن أسعار الوقود في الولايات المتحدة ارتفعت بمقدار 34 سنتا في الربع الأول من عام 2012، مضيفة أن أي نزاعات أخرى في الدول النفطية ستنعكس على أسعاره عالميا.

أهمية النزاع بين السودان وجنوب السودان بالنسبة للصين فتتمثل في أن بكين تستورد ما قدره 60 في المائة من الإنتاج النفطي الكلي للسودان، إضافة إلى أن للصين شركات استثمارية في مجال النفط في كلا البلدين.

وقالت الصحيفة إن الصين تعمل من وراء الكواليس على إيجاد حل للصراع بين السودان وجنوب السودان، مشيرة إلى أن رئيس جنوب السودان سلفاكير زار بكين يوم 22 أبريل.

من جانبها قالت صحيفة واشنطن تايمز إن الصراع في السودان ربما يهز استقرار المنطقة بمجملها ويهدد بجر دول في المنطقة إلى الحرب، ويعرض المصالح الأمنية والاقتصادية للمنطقة برمتها للخطر.

ونسبت الصحيفة إلى قائد الجيش الأوغندي الجنرال أروندا نياكاريما قوله إن بلاده سوف لن تتردد في التدخل في حال تصاعد القتال بين السودان وجنوب السودان، كما أنه حث نظراءه في كينيا وإثيوبيا على اتخاذ مواقف في الصراع لمساندة جوبا ضد الخرطوم.

وأشارت واشنطن تايمز إلى أن أوغندا وكينيا وإثيوبيا وطدت علاقاتها مع جنوب السودان إثر استقلال الأخير، وإلى أن جنوب السودان يعتبر السوق الأوسع أمام الصادرات الأوغندية، وأن كينيا وإثيوبيا وقعتا حديثا اتفاقا لمشروع ضخم لإنشاء البنية التحتية في هذه الدولة الجديدة.

عمر نجيب

omar_najib2003@yahoo.fr