الحرب العراقية الإيرانية.. من كان البادئ لها؟

في أيام الثورة الأولى حُشد الشارع الإيراني ضد العراق كنوع من تصدير الثورة

جرت العادة بعد المواجع المريرة التي عاشها العراق بسبب المغامرة الكارثية لصدام حسين في أعقاب احتلاله للكويت أن تكون العودة إلى دراسة الحرب مع إيران مضغوطة بمرارة تلك المواجع الأمر الذي يجعل الحصول على إجابة دقيقة لسؤال من نوع من بدأ تلك الحرب أمرا صعبا وغير دقيق. وفي العادة فإن التاريخ غالبا ما يكتبه المنتصرون، لكن هذه الكتابة ستكون في مواجهة غربلة دائمة، وسيكون صعبا على المنتصر فيها أن يحافظ على إداعاءاته ما لم يحصنها بسلوكيات مستقبلية داعمة.

ويوم يعاد الاقتراب من السؤال نفسه بعد عدة سنين فإن العودة للإجابة عليه ستمتحن على ضوء الحقائق الجديدة على الأرض وخاصة تلك التي تصف مساحة التدخلات الإيرانية التي أساءت كثيرا للعراق وشعبه، وحينها سيكون ممكنا إعادة صياغة الإجابة بحيث تنأى عن ضغط كراهيات ما بعد الكويت لتدخل أيضا في مساحة ما بعد الإحتلال الأمريكي والتدخل الإيراني، وحينها لن يكون صعبا على الباحث الموضوعي غير مقارنة ما كان يقوله صدام حسين بشان التدخلات الإيرانية التي كانت سببا للحرب معها وبين ما حصل بعد الإحتلال الأمريكي لكي يضع يديه على الحقيقة التي تقول إن معظم الإتهامات التي كان قد وجهها صدام حسين ضد إيران كانت صحيحة بإطارها المبدئي، إن لم يكن بإطارها القانوني والسياسي ايضا.

ولإن كان من حق القانونيين تحديد البادئ بتلك الحرب من خلال معطيات فنية بحتة، وهنا تلك التي تنحصر في التعامل مع يوم الإجتياح العسكري العراقي للأراضي الإيرانية، فإن الباحث بالشأن السياسي والفكري لا بد وأن ياخذ بنظر الإعتبار حقيقة أن تجريد يوم الاجتياح من خلفيته التاريخية المعقدة سوف يجعل الأمر يبدو وكأن الحالة أخضعت للفحص المختبري لا للفحص الفكري الشامل الذي لوحده يملك حق وضع ختمه وتوقيعه على الإجابات الدقيقة والصحيحة، وذلك بعد أن يبني دخولا هادئا على هذه الموضوعة بعيد عن إرهاصات كراهية صدام حسين.

ونحن نستذكر المشاهد الأساسية لمرحلة البدايات سوف نلتقط مشهدا على غاية من الأهمية، وهو ان الظرف الداخلي لصدام كان أفضل حالا من ذلك الذي كان لمجموعة الملالي في إيران. ألأول كان قد انهى خصومه ومنافسيه حتى على مستوى الشك بالنوايا، اما خميني فقد كان اكثر حاجة إلى تشغيل نظرية العدو الخارجي التي من شأنها ان تكون عباءة لتصفيات واسعة وسريعة وحاسمة.

في تلك الأحيان كانت الثورة الإيرانية ما تزال طرية وناعمة وكانت إيران في مواجهة أن تدخل في صراع داخلي شاق ومرير، فالشاه لم تكن سطوته الحقيقية قد إنتهت ولم تكن الزعامة الإيرانية بحاجة إلى من يذكرها بتجربة مصدق وفشل الإنقلاب الذي قاده ضد الشاه الذي عاد بعده على حصان أمريكي، وكان النظام الجديد بحاجة إلى أن يلعبها ساخنة.

في البداية ألقت مجموعة الخميني القبض على 52 دبلوماسيا أمريكيا وإحتجزتها كرهائن في السفارة الإيرانية لفترة 444 يوما، وعملوا على نفخ النار في تنور قضية الرهائن لكي يحرقوا بلهيبها كل خصومهم في الداخل. ولما إشتعلت شرارة الحرب بين إيران والعراق سرعان ما إستبدل الحكام الإيرانيون تنور الرهائن بتنور الحرب الذي بدت ناره اكثر قدرة على حرق أكثرية الخصوم.

من ناحية ثانية ستجعلنا العودة إلى الأيام القليلة التي سبقت تلك الحرب أمام حقيقة أن (يزدي) وزير خارجية إيران حينها كان تمنى ان لا تقوم الحرب متمنيا في الوقت نفسه أن يقوم صدام من جانبه بدوره ايضا في التخفيف من حدة الصدامات البينية العسكرية والإعلامية التي كانت تتصاعد يوميا بإتجاه الإنفجار الكبير، وذلك بسبب انه، اي يزدي، كان على علم بأن تلك الحرب يوم تقوم ستخدم حقا مجموعة الملالي الذين سيجدونها فرصة للقضاء عليه، اي على يزدي، وعلى كل التيارات الإيرانية المعتدلة أو المتخاصمة مع حكمهم. وهذا يعني بكل تأكيد أن يزدي كان متيقنا من ان الملالي كانوا يتمنون تلك الحرب ويرحبون بها، وان ترحيبه بنوايا السيد صلاح عمر العلي ممثل العراق حينها في الأمم المتحدة عن تصفية المشاكل مع العراق والسعي لأن لا تقع الحرب قد جاء بحكم معرفته أن الحرب، لو أنها وقعت، فستصب حتما في صالح الملالي، ولم يأتِ بالضرورة من يقينه بوجود رغبة حقيقية لدى خميني ومجموعته بأن لا تقع تلك الحرب.

إن هذا سيضعنا امام الإستخلاص التالي، الملالي ربما لم يكونوا هم الذين بدأوا الحرب في اليوم الذي يعتبره بعض القانونيين البداية الفعلية للحرب، أي يوم 22 أيلول 1980، لكنهم وفق كلام بني صدر ( رئيس الجمهورية وقتها)، ووفق تمنيات يزدي ( وزير الخارجية حينها ) رأوا، اي الملالي، في تلك الحرب فرصة ثمينة لتصفية الوضع الداخلي لصالحهم، ولهذا، وكما يقول بني صدر، فقد ذهب عدد منهم إلى الخميني ( محمد بهشتي رئيس الحزب الجمهوري الإسلامي الذي إغتاله خصومه في حادثة تفجير مقر الحزب في 28/6/1981 والذي أدى إلى مقتل 72 من كوادر الحزب أيضا، أي ان الإرهاب من يومها لم يكن غريبا على واقع السياسيين الإيرانيين، أما الشخصين الآخرين فهما هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي) ولكي يحثه هؤلاء الثلاثة على رفض قبول قرار الأمم المتحدة لإيقاف القتال، ذلك الذي كان قبل به صدام بعد سنتين من بداية تلك الحرب، وقالوا للخميني بنص حديث بني صدر: "الوضع اليوم كالتالي. حتى وإن وقف كل رجال الدين ضد بني صدر، فإن الرأي العام سيقف إلى جانبه. وإذا وقع بني صدر غدا معاهدة لوقف إطلاق النار وأنهى الحرب، فسيعود إلى طهران منتصرا. يومها لن تستطيعوا أن تفعلوا أي شيء ضده، وسنفقد السلطة.

جعفر المظفر

كاتب وطبيب عراقي