الحراك الشعبي العربي يهدد توازنات الغرب في المنطقة

لندن ـ من بيتر ايبس
الغرب 'في ورطة'

مع تصاعد الاحتجاجات في مصر وفي أماكن أخرى أصبحت الحكومات الغربية تواجه موقفاً حرجاً في الاختيار بين تحالفاتها الاستراتيجية وبين خطابها عن الديمقراطية والحقوق والتعاطف السياسي في الداخل مع المتظاهرين.

وخاضت الشرطة والمحتجون معارك في شوارع القاهرة الجمعة في رابع يوم لاحتجاجات لم تشهد مصر مثيلاً لها يطالب خلالها عشرات آلاف المحتجين بانهاء ثلاثة عقود من حكم الرئيس حسني مبارك.

واعتقل المئات بعد المظاهرات الحاشدة التي أشعلتها الاحداث في تونس حيث فر الرئيس زين العابدين بن علي في وقت سابق هذا الشهر بعد أن أطاحت به احتجاجات عززتها وسائط الاعلام الاجتماعية.

ويواجه اليمن وهو حليف اقليمي رئيسي اخر للولايات المتحدة احتجاجات متصاعدة حيث يستلهم نشطاء في الشرق الاوسط وأماكن أخرى من بعضهم البعض.

وتعتمد واشنطن وآخرون منذ فترة طويلة في صمت على حكام اقليميين قمعيين أحيانا ينظر اليهم على أنهم متراس ضد التطرف الاسلامي.

والآن أمامهم القليل من الخيارات الجيدة.

وقالت روزماري هوليس استاذ دراسات سياسة الشرق الاوسط في جامعة سيتي بلندن "لم يديروا هذا التوازن بشكل جيد تماماً والان أصبحوا في ورطة".

ومضت تقول "استمروا في هذه الحيلة المهذبة باظهار أنهم يؤيدون الديمقراطية والانفتاح ولكنهم في الحقيقة كانوا سعداء للسماح للانظمة بأن تتجنب الاصلاحات".

وتقول هوليس ان الاداء القوي لحركة المقاومة الاسلامية "حماس" في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006 أرعبت كثيراً من صناع السياسة وردعتهم عن المضي قدما في اصلاح ديمقراطي حقيقي في أماكن أخرى في المنطقة.

ودعا مسؤولون أميركيون من بينهم الرئيس باراك أوباما الى ضبط النفس بينما حثت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون القاهرة على اشراك الشعب المصري في الاصلاحات واغتنام الفرصة لتلبية تطلعاته.

وقال وزير الخارجية البريطاني وليام هيج انه لا ينبغي للسلطات في مصر أن "تقمع حق الشعب في حرية التعبير" ولكنه مرة أخرى يتراجع عن الانحياز لاي من الجانبين.

واذا أبدت العواصم الغربية تأييداً صريحاً للمتظاهرين كما فعلوا أثناء الاحتجاجات في ايران في عام 2009 فانهم يخاطرون بعزل أصدقاء قدامى ويشجعون المحتجين في الشوارع.

واذا قمعت قوات الامن المحتجين بوحشية فان الزعماء الغربيون سيخشون الاتهام بالتواطؤ في انتهاكات الحقوق.

وقال ايان بريمر رئيس مجموعة يوراسيا لتحليل المخاطر السياسية "سيكون من الصعب للغاية على الولايات المتحدة أن تتخلى عن دعم مبارك..حتى لو حرصوا على عدم تقديم الدعم للقمع".

وينظر الى مصر كذلك على أنها حليف رئيسي ضد ايران وتلعب دوراً رئيسيا في الحد من تهريب الاسلحة لنشطاء حماس في قطاع غزة. ولا تزال قناة السويس حيوية بالنسبة للواردات الاوروبية من النفط والسلع الاسيوية الرخيصة.

وقال نايجل انكستر وهو نائب سابق لرئيس جهاز المخابرات البريطاني (ام.اي 6) وهو الان رئيس التهديدات عبر القومية والمخاطر السياسية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن "قد يكون الخيار الاقل سوءاً هو الضرب برأفة خوفاً من أن يكتشفوا شيئاً ما أسوأ ولكن في الوقت نفسه محاولة دفعه في اتجاه الاصلاح السياسي والاقتصادي".

وتابع "في النهاية لا يمكن للولايات المتحدة والقوى الاوروبية عمل أكثر من انتظار الاحداث ومحاولة ضمان ألا تستعدي على نحو غير مبرر من سيكون في الجانب المنتصر".

وسيراقب الزعماء الغربيون بعناية الرأي العام في دولهم.وتراقب المنظمات الاخبارية وعدد متزايد من الشبان النشطين سياسيا الاحتجاجات في مصر وتونس عن كثب من خلال مواقع مثل تويتر وسيلعبون دوراً حاسماً للغاية في الرضوخ الغربي المتصور لاراقة الدماء.

وقال مارك هانسون وهو واضع خطط استراتيجية سابق للاعلام الجديد مع حزب العمال البريطاني ومستشار في الاعلام الاجتماعي مقيم في لندن "جانب من الاستراتيجية السياسية في حوادث كهذه كان دائماً يتعلق بالتأثير في الرأي العام ووسائل الاعلام الغربيين ومن ثم التأثير في حجم السياسة الحكومية".

وأضاف "المحتجون يفعلون ذلك بشكل جيد للغاية".

وأظهرت برقيات دبلوماسية أميركية سرية سربها موقع ويكيليكس الجمعة أن الدبلوماسيين مستمرون في الضغط على مبارك وحكومته لتحقيق اصلاح ديمقراطي وتقليص الرقابة وتخفيف حالة الطوارئ.

ولكنهم يوضحون أيضاً أن المساعدات الاميركية لحكومة مبارك وخصوصا للجيش الذي سيثبت أنه عامل حاسم اذا استمرت الاحتجاجات في التصاعد شرط مسبق للعلاقات الطيبة.

وتقول برقية يرجع تاريخها الى فبراير/شباط 2010 أعدت كافادة موجزة قبل زيارة للاميرال مايك مولن رئيس هيئة الاركان المشتركة "يرى الرئيس مبارك وقادة الجيش برنامج مساعداتنا العسكرية كحجر الزاوية في علاقاتنا العسكرية وينظرون الى مبلغ 1.3 مليار دولار في التمويل العسكري الاجنبي سنويا على أنه تعويض لا يمكن المساس به لتحقيق السلام مع اسرائيل".

والجيش المصري قد يقرر مصير مبارك وأن يكون بمثابة صانع الملوك اذا قرروا عدم تأييده وأن يقرروا اياً من القوى السياسية قد تحصل على نفوذ.

وينظر الى جمال مبارك (47 عاماً) على أن لديه حلفاء في الحكومة ورجال الاعمال وفي الغرب ولكن نفوذه أقل في الجيش.

وينفي كل من جمال ووالده أنه يجري اعداده لخلافته.

وقالت هوليس "جمال شخص قد يحبونه في مكان ما مثل دافوس" في اشارة الى المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يضم رجال الاعمال والزعماء السياسيين ويعقد في سويسرا.

ومضت تقول "لكن اسمه يحمل لقب مبارك وهذا يجعله ملعونا في الشوارع. حقاً ان الجيش هو الذي سيقرر. وصفوة الجيش قريبة جداً من واشنطن ولكن يتعين عليكم أن تسألوا عند مدى المشاعر المعادية لاميركا واسرائيل في الرتب الادنى".