الحراك الجزئي إلى أين يمضي؟

مازال الحراك الشعبي في العراق ولغاية كتابة هذه السطور حبيس بضعة محافظات، هي بالتحديد الأنبار والموصل (ليس كلها)، وصلاح الدين (ليس كلها)، وديالى (ليس كلها أيضاُ)، مع بعض البؤر في بغداد، هي بالتحديد المناطق ذات الأغلبية السنيّة، فإذا عرفنا أن عدد محافظات القطر 18 محافظة، إتضح لنا جزئية هذا الحراك. ولا يسع المراقب إلا أن يقر بأن هذا التحرك الذي هو "جزئي" على نطاق الوطن كله، يكاد يكون "شاملاً" بالنسبة لهذه المناطق، فأغلبية أبناء هذه المحافظات عبرت عن تأييدها لهذا الحراك، بشكل لا تخطئه العين المراقبة الحيادية.

هل هو تحرّك سني؟

الجواب نعم، مقرونة بـ "وما الضير في هذا؟"

ثورة العشرين إنطلقت من قرية جنوبية، تدعى الرميثة، ثم إمتدت للعراق كله، شماله وجنوبة ووسطة، بعربه وكرده وبقية أقلياته.

ثورة العشرين إنطلقت من بيئة شيعية لكنها، لم تظل حبيسة هذه البيئة، ولو ظلت هكذا لما تيسر لها إحداث أي تغيير في الواقع العراقي، ربما ستجهض، وفي أحسن الأحوال سيكون أقصى ما ستحصل عليه هو إمارة في كربلاء وبضعة مدن عراقية، ستكون مرتهنة من دونما شك بالغير، والغير هنا هو الآخر، والآخر وفق معطيات ذاك الزمن، هو المستعمر البريطاني.

هل هو تحرك عشائري؟

الجواب نعم أيضاً، مقرونة بـ "وأي تحرّك في عراق اليوم لا يتصدره رؤساء العشائر؟"

عراق اليوم يتصدر حكمه والتحدث باسمه رجال الدين ورؤساء العشائر، ومن يشك في هذا عليه بمتابعة التظاهرات والتظاهرات المضادة، وسيتيقن بأن المحرك "عِمامة" هنا وأخرى هناك، وشيخ عشيرة هنا وشيخ عشيرة هناك.

ومرة أخرى نعود لثورة العشرين التي إنطلقت من إعتقال شيخ عشيرة الظوالم شعلان أبو الجون، ثم إلتحقت بها كل عشائر العراق فيما بعد، مبتدئة بعشائر الوسط والجنوب.

نرجع مضطرين بالعراق إلى ما قبل قرن، ونستلهم أفعال وأقوال رؤساء العشائر، ورجال الدين يومذاك، ونسأل: هل تحدث شيخ العشيرة في الوسط والجنوب أو في الرمادي عن مظلومية عشيرته، وهل دعى رجل الدين الشيعي أو رجل الدين السني إلى الدفاع عن حقوق الطائفة أم عن حق العراق والعراقيين، مسلمين وغير مسلمين، عرب وغير عرب، فإلى أين يمضي بنا اليوم رجال دين ورؤساء عشائر هذا الزمن؟

من يستمع إلى الخطب والخطب المضادة على لسان هذا المعمم أو ذاك، يتصور أننا نستمع إلى حديث ديني بنكهة طائفية، والرجل معذور فهذه بضاعته، وهذا ما تعلمه وأريد منه أن يعلمه، ومن يستمع إلى رأي أو خطاب هذا الشيخ أو ذاك، يظن أننا في مضيف عشائري، وأن حكمة الشيخ هي التي ستحل المشاكل، أو تطفيء النيران، أو تستحصل الحقوق، ووفق القانون العشائري أو العرف، ناسين أننا بإزاء شيء إسمه الدولة، والقانون، والمؤسسات، ومطابخ صنع المواقف والقرارات، وموازين قوى داخلية وإقليمية ودولية، وأمام علم يدعى علم السياسة، وإذا كان علماء الدين ورؤساء العشائر في الربع الأول من القرن المنصرم، قد سلموا حكم الدولة التي صنعوها هم إلى الساسة والسياسين، فإن رجال السياسة اليوم يستدعون مشايخ الدين، وشيوخ العشائر، لحل ما يخلقونه من إشكالات، فهل سيكتفي المشايخ والشيوخ بحل المشاكل فقط، أم سيطالبون بما هو أكثر وهذا من حقهم، طالما أنيطت المسؤولية بهم؟

شيوخ العشائر ورجالها، وعلماء الدين في الربع الأول من قرننا هذا صنعوا العراق، ورغم هذا لم يحكموه ليقينهم أن هذه ليست مهمتهم، فكيف يكون الأمر اليوم، في زمن التخصص، خصوصاً وأن لا رجل الدين، ولا رئيس العشيرة، لهم يد في صنع العراق الذي قيل أنه جديد، بل أن من صنع هذا الواقع هو المحتل الأجنبي، وكان رؤساء العشائر في مضايفهم، ورجال الدين في جوامعهم.

ليس من الصعب ملاحظة أن التحرك اليوم، وعلى الجانبين موسوم بالفقر، والفقر المدقع، فلا ساسة، ولا سياسين، ولا فكر، ولا قادة فكر، ولا فعاليات مدنية، فقط رجل عشيرة، ورجل دين، وإن وجد سياسي، هنا أم هناك فهو قد إرتضى لنفسه أن يكون صدى لشيخ العشيرة أو لرجل الدين.

هل هذا هو السبب يجعل الحراك جزئياً؟

من السهل الإجابة بنعم، فلكي يتحوّل الحراك من حراك جزئي (مناطقي)، إلى حراك شامل (وطني)، يشمل كل العراق، عليه أن يتخلص من عباءة رجل الدين (سنيّاً كان أم شيعياً)، وعباءة شيخ العشيرة، وعليه أن يبلور مطاليب تخدم المواطن والوطن، وهذا لن يتم إلا بإعادة النظر في أمور كثيرة، أولها الدستور الذي ينبغي تعديله، لا إلغاءه كما يدعو بعض الذين يرسلون الأقاويل على عواهنها، فإلغاء الدستور يعني الإنقلاب، وهذا غير ممكن، فقد إنتهى زمن الإنقلابات من دون رجعة.

الدستور بوضعه الحالي يقيد إرادة الناخبين إذا يمنع أي تعديل إذا رُفض من ثلاث محافظات، وهذا يعني أن أقلية "سدس الناخبين" تفرض إرادتها على الأغلبية، كما أن من الضروري إعادة النظر بالفقرات التي تتعلق بمهام وصلاحيات المركز، ومهام وصلاحيات الأقاليم، كما ينبغي أن يؤكد على وحدة البلد، وتُجرم الدعوات الطائفية والعنصرية، وإثارة الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، ويؤكد دونما لبس على ملكية الشعب لخيراته مافوق الأرض وتحتها، وإناطة المصالح ذات النفع العام بالدولة حصراُ، الموانيء، والسكك، والمطارات، والكهرباء، والإتصالات، والنفط والغاز، والري، وإسالة الماء إلخ.

ومن المهم أن تكون محاربة الطائفية، والتقاسم الطائفي في صلب المطالب، وأن تكون الوظيفة حق للمواطن العراقي، وإن يُعاد العمل بمجلس الخدمة الوطنية، وينتهي التوظيف العشوائي من قبل المتنفذين. ينبغي إناطة هذه المهمة بمجلس الخدمة حصراً، وبهذا يتم العدل والتوازن، إن تقسيم الوظائف بين الفرقاء لا يعني التوازن، وإنما هو شكل من أشكال الفساد والإستغلال، وهو أبعد ما يكون عن العدل.

وينبغي الإنتهاء من فترة العدالة الإنتقالية، والتي هي بطبيعتها مؤقتة، فالعدالة المؤقتة ليست هي العدالة المنشودة، ولو كانت كذلك لما كانت مؤقتة، ينبغي أن ينتقل البلد إلى العدالة الدائمة التي يكون فيها الجميع سواسية أمام القانون، ومتساوون بالحقوق، لا فرق بينهم بسبب الدين أو العراق، أو الرأي، ولهذا فإن قانون المساءلة والعدالة ينبغي تعديله بحيث لا يكون سيفاً مسلطاً على من يختلف مع الحكومة، وصولاً إلى الإنتهاء منه، وعشرة سنوات من تفعيل هذا القانون أكثر من كافية.

صحيح أن الحراك قد عزل، ولعله عاقب ساسة إنتخبهم لكنهم إهتموا بمصالحهم ومصالح تنظيماتهم، ولم يقدموا للمناطق التي إنتخبتهم شيئاً، بل إنشغلوا في صراعاتهم الجانبية التي لم يستفد منها الشعب شيئاً، إلا أنه يمكن القول إن بقاء الحراك على ما هو عليه، محصوراً بمحافظات معينه، ومقاداً من مشايخ دين، وشيوخ عشائر، سوف لن يحقق ما يطمح العراقيون إلى تحقيقه، وربما سيؤدي إلى التقسيم بإعتباره "شر لا بد منه".