الحتمية الاجتماعية بين بدرية نعمة وجواد الحطاب

الفرح مدين لأمي

لا أعرف تنتابني لحظات تأمل لبعض معاني ومسميات الحياة، ومنها الحب ولا أقصد هنا فقط حب المرأة والرجل بل كمفردة عامة. وأطرح أسئلة حوارية مع نفسي وكما واسعا من التأويلات حتى أصل لمجموعة استنتاجات أهمها:

أن الحب مرتبط بقيم سماوية منحها الرب حتى تتطهر الارض من أدرانها الملوثة بسلوكيات مفروضة وقيم سلبية تفرزها الحاجات الآنية للانسان. فمن يحب لا يكذب ولا يتملق ولا يصطنع المشاعر والاحاسيس. وخاصة عندما يكون حبا اسطوريا مثل حب الأم.

الأم هذا الكائن الملائكي الذي نعتقد ونحن صغارا لا يخطئ ابدا, حتى وأن مارس الزجر والضغط علينا أو حتى لو حصلنا منها بعض القسوة. ونادرا ما نقرا على مدى التاريخ الاجتماعي للشعوب أن هناك فاجعة كره الام، ألا في بعض مسرحيات اليونانيين لأسباب شتى. لتكن على الدوام هي جدلية الحب رقم واحد. دائما هي الرمز الطيب الجميل. ويبدو هي ارادة السماء. ولهذا ليس غريبا أن تنشأ أو تتبلور قصة حب أمومية بين جواد الحطاب الانسان والشاعر, وأمه بدرية نعمه, فهو حزن كثيرا لأنها رحلت فقال:

أنا الآن من دون بدرية نعمه

للمرة الاولى يحدث هذا:

أن تتركني بدرية نعمه

وتذهب بزيارة مجهولة

فهو يعتقد أن هناك فراغا كونيا اسمه بدرية نعمه التي كانت الجدار الاخضر له. ويقول عنها:

حين أرتكبت الحماقات

وأباشر أهوائي باجتياز خطوط الرب الحمراء

أخرج للوعيد لساني

ههه .. معي بدرية نعمه

أعرف أن الله صديق شيلتها السوداء

وفي مسند الحطاب الروحي يخاطبها:

أن الرب وجدك نامية على ضفاف سومر

فأستخرجك من لحاء الطين

ومن منكَهات القرنفل والقصب

فهي ليست امراة عادية فكيف وهي ولدت ذلك الحطاب المبهر

والحطاب يعتقد أيضا أن حتى رقادها في مقبرة وادي السلام، هي حياة أخرى هنية:

أشتغل الفقاء برفع الرأي انك ميتة

أو أنك تعيشين ألان حياة سلبية

أو أنك.. ميتة بالكاد

ويترسل في أنشودة الرثاء، وفي وصف مذهل لهذه الام فيصفها أنها منبع الفرح والسعادة والبهجة:

الفرح مدين لأمي

فحين بكت

أجتمع حون العالم في عينيها

وهكذا حملنا الحطاب في أجواء الحزن، لكن برومانسيته العميقة جدا.