الحاكمية وولاية الفقيه: الأمة لا الدولة

الحلم النهائي الشرعي

توصلت السلفية إلى إنتاج خطاب مثلث الأبعاد يقوم على كفر النظم، وجاهلية المجتمعات، والجهاد القتالي سبيلاً للتغيير، وقد تم تشغيل المباحث الكلامية كافة وتوظيفها، واستثمار المرجعيات كافة، من نصيّة وغيرها، لإقامة الدليل النقلي على ذلك وفق آليات التأصيل الإسلامي السلفية المعروفة. وكانت أكثر الآيات حضوراً لديهم في هذا المجال، الآيات العشر من سورة المائدة (41-50) التي وصفت من لم يحكموا بما أنزل الله بالكافرين، والظالمين، والجاهلين، بحيث تم التعامل معها واستثمارها وفق قراءة نصوصية ظاهرية في الغالب، مركزين على التركيب اللفظي والمدلول اللغوي خارج دائرة أسباب النزول، وخارج سياق التجربة التاريخية الإسلامية في تعاملها مع النصوص عامة.

على المستوى الشيعي كانت المشكلة، التي تحتاج إلى حل على المستوى الفقهي، هي الموقف من الحكم الإسلامي في عصر "الغيبة الكبرى" للإمام الثاني عشر. فمركز الإمامة أو الخلافة ليس شاغراً بوجود الإمام الثاني عشر في "الغيبة"، لذلك تنتفي شرعية قيام دولة إسلامية في عصر الغيبة، وهذا هو الرأي الفقهي الشيعي الذي ذهب إليه أغلب الفقهاء قديماً وحديثاً، خاصة وأنهم يشترطون في الحاكم "الإمام" أن يكون من آل البيت، معصوماً من الخطأ والزلل في علمه وعمله.

عند الشيعة السياسية

هذه الإشكالية بلورت اتجاهين عند الفقهاء الشيعة: الأول يذهب أصحابه إلى عدم مشروعية إقامة حكم إسلامي في عصر الغيبة الكبرى. الثاني يذهب إلى القول بمشروعية إقامة حكم إسلامي في عصر الغيبة مستنداً بذلك إلى ما اصطلح عليه بـ"ولاية الفقيه العامة". ولهم في ذلك مباحث فقهية.

تحولت فكرة "ولاية الفقيه العامة" إلى مفهوم متكامل في صيغتها الأخيرة الراهنة، بحيث تم تجاوز الفصل الذي كان قائماً بين الولاية الدينية والولاية السياسية للفقيه. وهو فصل أجازه أغلب الفقهاء طوال القرون الأربعة الأولى من عصر الغيبة. ولم يجرؤ أي فقيه طوال تلك الفترة على ادعاء ولاية الفقيه العامة أو "نيابة الإمام" إلى أن قامت الدولة الصفوية الإيرانية (905 هـ/1501م) في ظل ظروف مشابهة لقيام كثير من سلطنات التغلب والأمر الواقع التي نشأت بعد ضعف الدولة العباسية وتفككها.

استمر عدد كبير من فقهاء الشيعة على معارضتهم لفكرة ولاية الفقيه العامة، إلى أن تحولت راهناً مع الإمام الخميني من مجرد فكرة إلى خطاب تم من خلاله توسيع صلاحيات الفقيه، لتشمل القيادة السياسية وأمور الحكم. وبالرغم من التبني الرسمي الإيراني بعد ثورة الخميني، لم يحظ الخطاب "الولايتي" بالإجماع في الوسط الشيعي. فما زالت المواقف المخالفة تحتل مكانها البارز. بل إن الحراك السياسي الذي عرفته إيران منذ بداية القرن العشرين يؤكد هذه التوجهات وخاصة ما طرح من فقه سياسي في خضم الحركة الدستورية أو ما عرف بالثورة المشروطة عام 1906.

مع الإمام الخميني تم تصعيد مبحث "ولاية الفقيه" ونقل البحث فيها من حيّز الفقه ومسائله إلى حيّز علم الكلام ومسائله الاعتقادية، بما يعني أنها أصبحت جزءاً من أصول الدين لا من فروعه. فمعه أصبحت ولاية الفقيه "بديلاً لإمامة الإمام المعصوم نفسها في عصر الغيبة. فجميع الأدلة القائمة عقلاً حول النبوة العامة والإمامة العامة هي قائمة أيضاً في زمن الغيبة حول ولاية الفقيه". ويتابع الإمام الخميني: "اذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه".

حاكمية النص وإكراهات الواقع

أدى التطابق إلى نوع من الدمج، وبالتالي إلى تهميش فكرة "الدولة" في التنظير السياسي الإسلامي السني والشيعي، لصالح مفهوم "الأمة". ففي النص السياسي والأيديولوجي عند الإسلاميين (سنة وشيعة) نجد أن الدولة هي الترجمة السياسية للأمة كما يراها أو يتصورها كل منهما. وبالتالي للأمة الإسلامية الحق في أن تتبلور وفق مكوناتها التاريخية أو الثقافية أو الدينية والفقهية في "دولة". قد تأخذ شكل دولة "الولي الفقيه" في النص الشيعي الخميني، أو "الدولة الإسلامية" في النص الإخواني، أو العودة إلى الخلافة في بعض خطابات النص السلفي.

لهذه الأسباب لم يتم التركيز على بناء نظرية في الدولة والمواطنة والمؤسسات وفصل السلطات وتداول السلطة والحريات؛ بقدر ما تم الاهتمام بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والانتماء والأمة والجماعة والوحدة والشريعة والأصالة والتراث والحاكمية والإمامة والولاية. ولم يتم التعامل مع الدولة الحديثة القائمة إلا باعتبارها وليداً غير شرعي، "لقيطاً" ومؤقتاً، أو كياناً تاريخيا "غصبياً" حسب فقهاء الشيعة. اعتبرت الدولة على الدوام مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية الأبعد وهي "وحدة الأمة". فالدولة التي يعيش فيها حاملو هذا الفكر لا تمثل الغاية النهائية لحلمهم الإسلامي "الشرعي". لذلك كانت خطابات كل منهم، على اختلاف مدارسهم وعلى مراحل تاريخية متفاوتة "ضد الدولة" كمفهوم سياسي وككيان موضوعي قائم عملياً، وضد الولاء للأوطان باعتبارها "عصبيات" مما عطل إمكانية بناء هويات وطنية حقيقية، نرى اليوم نذر تفكك ما بقي من بعض هذه الأوطان يقود إلى تبلور هويات طائفية ومذهبية وإثنية متصارعة، أكثر مما يقود إلى هوية إسلامية توحيدية جامعة.

التقاطع مع مفهوم الدولة

يمكن للمتابع والدارس اليوم، أن يجد في صفوف الإسلاميين من يذهب إلى تبني منهج التجديد والإصلاح ناهلاً من تراث الإصلاحيين الأوائل، كما يجد بينهم السلفيين الجهاديين. وبالتالي ليس في وسعنا أن نغامر ونستنتج نموذجاً واضحاً ومحدداً للدولة الإسلامية قد تبلور بصيغة ما، فثمة أكثر من صيغة معاصرة اليوم للمشروع الإسلامي في علاقته بالدولة، فالنسخة السلفية الجهادية تقطع مع مفهوم الدولة بصيغته المعاصرة وتضع أولوية "الجهاد" على رأس مهامها لإقامة "حكم الله". أما الصيغة الإيرانية لمشروع الدولة الإسلامية فتقطع مع "الأمة" وولايتها لتؤسس نظرتها للدولة على منظومة "ولاية الفقيه العامة" التي تقيم سلطة دينية تتمتع بالهيمنة الكاملة وصلاحية "التكليف الشرعي" الذي يمتد إلى خارج حدود الدولة حيثما وُجِد الشيعة المتصلون وجوباً بالمرشد "الولي الفقيه".

في الواقع أسقط النص الحركي الإسلامي العربي ولفترة طويلة الماهية السياسية للدولة، وألبسها ماهية عقدية، وحولها إلى مجرد أداة قابلة للتملك والاستعمال في مشروع سياسي أيديولوجي مسيّس. وهكذا لم تعد الدولة في هذا الخطاب كياناً يمثل الاجتماع الوطني السياسي والمدني في المقام الأول، ويعبر عن مصالحه ويرعاها، ولعل أبرز ما تضمنته الشريعة الإسلامية أنها قامت على أسس موضوعية للدفاع عن المصالح العامة، التي أطلق عليها الفقهاء قديماً الكليات الخمس: الدين، والحياة، والعرض، والعقل، والمال، وكل اجتهاداتهم قامت أساساً على جلب المنفعة ودفع المضرة، وهي المجالات العملية للدولة والتي تتعلق بالمصالح العمومية والتي كان نتاج النص الحركي فيها فقيراً، محوّلاً طاقته نحو الدولة في حدود إشكالية علاقتها بالدين.