الحاج حمد يهب لانقاذ مشاهدي قناة الجماهيرية من الملل

لندن
هي هكي

لا تحظى الفضائية الليبية أو قناة "الجماهيرية"، كما يطلق عليها الإعلام الرسمي، بحظ لدى جمهور المتفرجين والمشاهدين الليبيين، الذين أداروا ظهورهم لها منذ أن حطت أطباق "الدش" والصحون الهوائية فوق أسطح بيوتهم، وانغمروا في نعيم ملذات هذا المخلوق الجديد.
وبعد عقود من الاحتكار الإعلامي الرسمي، طلق الجمهور الليبي قناته، التي يعتقد غالبية الليبيين بأنها اختزلت مهمتها في التبشير بالكتاب الأخضر، وسخرت نفسها فقط لخدمة أطروحات الثورة الليبية، دون ملل أو كلل، وبث خطابات لساعات طويلة للعقيد معمر القذافي، ولقاءاته التي لا تنتهي بالأفريقيين، بل إنها وحسب تعبيرهم إذا أرادت أن تنفس على متفرجيها فإنها تسلم مسرحها لفنان الثورة المعروف "محمد حسن"، ليستلم عوده ويغني للشعب "يا قائد ثورتنا على دربك طوالي".
لكن درب الليبيين يبدو أنه كان مختلفا حتى قبل زمن الصحون الهوائية، إذ أنهم طالما لجؤوا إلى القناة التونسية أو المصرية أو حتى الإيطالية، من أجل متنفس يهبهم بعضا من الراحة، في وقت سيطرت فيه لغة الحرب والوعيد والحصار والتخوين والتهديد على إعلام محلي بجميع مكوناته المرئية والمسموعة، وأدار ظهره لهموم الشارع، ومشكلات الناس اليومية، عقودا متواصلة.
غير أنه وعلى الرغم من هذا الهجران لقناة يقول أغلب الليبيين إنهم لم يشاهدوها منذ شهور طويلة، فإنهم يحنون إليها حنينا خاصا في شهر رمضان، ولا يتذوقون الفطور إلا على مسامع ضربات مدفع الإفطار من فوق سرايا العثمانيين المنتصبة على سواحل طرابلس الغرب، معلنا نهاية يوم من أيام الصوم المبارك.
وعلى غير عادتها في الشهور كلها، تنشط القناة الليبية في شهر رمضان نشاطا خاصا، بعد بيات شتوي، يمتد أحد عشر شهرا، وتتنوع موادها التي تشبع -إلى حد ما- رغبات جمهورها المتفرج والصعب المزاج، بين برامج دينية، وأخرى اجتماعية ساخرة، ومسلسلات كوميدية قصيرة.
ويقول مشاهدون للقناة الليبية إن أهم ما يميز برامجها الرمضانية، بشكل عام، هو ثوب الحياء الذي يكتسي برامجها، فهي على حد قولهم القناة الوحيدة، التي يمكن أن يشاهدها أفراد العائلة مجتمعين على مائدة الفطور، عكس قنوات أخرى لا تصلح للمشاهدة لا زرافات ولا وحدانا..!! ومن النادر جدا أن تجد ضمن برامجها ما يخدش الحياء العام، أو لقطات لفنانات يتبارين بأجسادهن، ويتفنن في حركات الإثارة.
ولعل أهم ما يميز القناة الليبية في شهر رمضان تلك البرامج الدينية، وعلى رأسها "صلاة التراويح"، التي تنقل على الهواء مباشرة، ويتبارى فيها حفظة للقرآن بأصوات عذبة وصافية، يقودهم الشيخ الدوكالي العالم، وهو مقرئ أوتي هو الآخر مزمارا من مزامير داوود.
وبسبب نشاط حركة الكتاتيب والمدارس القرآنية داخل المساجد المنتشرة منذ عقود، فإن ليبيا تعد إحدى الدول القليلة، التي لا زال يحرص أهلها في رمضان على الوقوف لساعات طويلة من أجل ختم القرآن الكريم بأكمله.
ومن بين البرامج الكوميدية، التي يحرص الليبيون على مشاهدتها، على مختلف أعمارهم، مسلسل كوميدي لا تتجاوز مدته 5 دقائق، يقدم على شكل صور متحركة، وبطله شخصية تعرف بـ "الحاج حمد" في النصف الأول من رمضان. أما النصف الثاني فبطله الثنائي "الحاج مبروك وزوجته الحاجة مبروكة"، وهي كوميديا ناقدة بشدة للأوضاع الاجتماعية وتناقضات حياة المدينة وظواهرها السلبية.
واستطاع "الحاج حمد" صاحب مقولة: "صايم ما يكلمني حد"، في غضون سنوات قليلة، أن يتسلل إلى قلوب مشاهديه، وأحبه الليبيون حبا ممزوجا بنكهة رمضان الخاصة، بسبب براعته في تقمص شخصياتهم، وطريقة كلامهم وأكلهم وشربهم وأغانيهم وأعراسهم، وحتى طريقة نومهم. كما إنه يعكس في عدد من حلقاته حالة الانتكاسة، التي تمر بها الأمة، خصوصا في فلسطين والعراق.
ومن بين برامج الكوميديا، التي تلقى رواجا عند المشاهد الليبي في شهر رمضان حلقات من النقد الساخر، عرفت في مرحلة سابقة بـ "قالوها"، إشارة إلى حالة التعتيم، التي تحكم علاقات الدولة مع مواطنيها، وكيف تصبح "الإشاعة" هي مصدرهم الوحيد للمعلومات، في ظل التعتيم الواسع.
ولم يقتصر "قالوها"، الذي تحول بعدها إلى "هي هكي"، وهو تأليف ليبي وإخراج سوري، على النقد الاجتماعي، بل تعداه إلى النقد السياسي، وإظهار الفساد، الذي استشرى في قطاعات واسعة من أجهزة الدولة. كما ينتقد دور رجل الأمن، الذي لا يرى المجتمع إلا بمنظاره البوليسي، كما تعرض في أكثر من حلقات سابقة للفساد، الذي يمارسه مسؤولون كبار في النظام.
وقد تحسنت البرامج الرمضانية مؤخرا، بسبب تخفيف قبضة مقص الرقيب على البرامج، إلى حد ما، كما ارتفع سقف النقد إلى مستوى لم يشهده المتفرج الليبي من قبل، وهو ما يبشر بحراك إعلامي جيد، في حالة ما تم إلغاء قيود الرقابة، وسمح بتقديم أعمال خاصة في المرحلة القادمة. (قدس برس)