الجينوم البشري: مخاوف حقيقية وراء الاكتشاف المذهل

بقلم: السيد نجم
ماذا لو وصل عنصري متهور لحكم العالم؟

صدر كتاب "الجينوم البشرى..القضايا العلمية والاجتماعية" للكاتبين "دانييل كيفلس" " ليرى هود" ترجمة "د.أحمد مستجير"عن سلسلة "الأعمال العلمية" لمشروع "مكتبة الأسرة" وهو من أهم الكتب العلمية حاليا لأهمية الموضوع الذي يعد الثورة العلمية المنتظرة للقرن الجديد بل والقرون القادمة.
والمقصود بـ"الجينوم البشرى" هو تلك الخريطة التشريحية التى توضح توزيع "الجينات" أو حاملات الصفات الوراثية فى الإنسان داخل الخلايا البشرية، أي توزيع تلك الصفات وعوامل الاستعداد للأمراض المختلفة وغيرها وصولا إلى السلوك اليومي.
ويقول "والتر جيلبرت"، وهو صاحب تعبير "الكأس المقدسة لوراثة الإنسان: إن ما يجعلنا بشرا لا شمبانزى هو مجرد اختلاف قدره 1% بين طاقمنا الوراثي والطاقم الوراثي للشمبانزي، وقد قدرت أعداد الجينات ما بين 50.000 و100.000 جين.
ويعود بدء البحث في موضوع "الجينات" إلى عام 1900حين أعيد اكتشاف "قوانين مندل" للوراثة والتي اجراها قس على نبات بسلة الزهور، إلا أن العلماء بعده أثبتوا وجود عوامل حاملة لتلك الصفات التى تحدث عنها مندل، وهى "الجينات" التي تقوم بدور التوريث من جيل الى آخر، سواء في الإنسان أو النبات أو الحيوان.
وقد اتضح لهم أن تلك الجينات محمولة على "كروموزومات" داخل نواة الخلية، وتوالت البحوث لبيان علاقتها بالطب والأمراض فى الإنسان. اهم منجز علمي وقد تطور البحث الى البحث فى صفات جيدة فى الإنسان, وكانت الأفكار الخيالية عند رجال الفكر مثل "السوبر مان" أو "الرجل الأخضر" وغيرهما.
وفى كتاب"الأسس الوراثية فى الطب وعلم الاجتماع" للعالم "لانسوليت هوجبين" عام1931م ذكر أنه إذا أمكننا أن نعثر على مثل هذه الواسمات الصريحة بكل كروموزوم، فسيتوفر لدينا طاقم من دلائل غير متحيزة يمكن بواسطتها أن نفهرس الجينوم البشرى, أو نرسم خريطة وراثية للإنسان بتعبير علماء الوراثة المحدثين.
وهو ما يشير الى أنه حتى العقود القليلة السابقة بالقرن الماضي لم يكن الإنسان على علم تفصيلي لتوزيع الجينات داخل جسم الإنسان، ومن هنا كانت أهمية هذا المنجز العلمي الذي اعتبره البعض أهم وأخطر إنجاز علمي فى بداية القرن الميلادي الجديد.
وتعتمد خرطنة الجينات على تحليل الارتباط، وهي تقنية ابتدعها قبل الحرب العالمية الأولى, علماء وراثة ذبابة الفاكهة للصفات التى تظهر فى صور بديلة مميزة(مثل لون العين).
وفى الخمسينيات من القرن الماضى نشط البحث الوراثي على النبات والحيوان، ووصولا إلى عقد الستينيات كانت أعداد كبيرة من الجينات معروفة، وبدأ التفكير في دراسة الكروموزومات فى الإنسان. كبح أخلاقي أما مشروع "الجينوم البشرى" فقد بدأ فى الثمانينيات على يد "روبرت سينسهايمر"و"تشارلز ده ليزى"، وفى منتصف العقد كانت أعداد الجينات المرضية المكتشفة فاقت كل توقع.كما شاركت مراكز البحوث الطبية الأوروبية الجهود الأمريكية فى هذا المجال.وتوالت الأعمال والنتائج حتى أعلنت الخريطة مع بدايات القرن الـ21.
إلا أن العلماء والمفكرين يرون أنه من الحكمة، بل من الواجب ضرورة أن يسير المشروع جنبا الى جنب مع نوع من التقييم والكبح الأخلاقي.
فقد علقت الكاتبة "مونيت فاكين" عن خوفها بقولها: يا للتناقض الجيل الذي أعقب النازي يقدم للعالم أدوات لليوجينيا (التحكم بالجينات) تتجاوز أكثر الأحلام الهتلرية همجية.
ان التغيرات كثيرة فى رؤية الإنسان, فأحالته ثورة كوبرنيق الى قاطن على ظهر واحد من كواكب عديدة, وحددت ثورة داروين مكانه بين ملايين من أنواع أخرى, أما "هومو سابينس" فقد تغلب على كل القيود وبسرعة هائلة قد تجعلة يخرج عن مجال الجاذبية.
أما وقد حاول البعض تحديد أهداف هذه الثورة الجديدة.بتحسين الخصائص الوراثية التى تؤدى الى الصحة..الذكاء..الطباع المزاجية التى تؤدى الى الشعور بالآخر والسلوك الاجتماعي.أى إعادة صياغة طبيعة وصحة الإنسان. تصبح المشكلة هو كيف يصبح الحال والناس كلهم على نفس الدرجة من الصحة والذكاء ..الخ.
وقد هون البعض من بعض المشاكل المتوقعة بموافقتهم على تدخل الحكومة (أى حكومة) فى البحث أو خطة العلاج أو حتى أهداف العمل بتقنيات العلم الجديد. إلا أن الأمر لا يزال ليس على هذه الدرجة من البساطة فقد يظهر "هتلر" آخر أو أى قائد عنصري جديد. تمرد، وسخرية لقد حدد العلماء هدفهم فى البداية البحثية من أجل المزيد من الفائدة التطبيقية لهذه الخريطة الجينية، أولا برسم خريطة جينية جيدة بالتعرف الدقيق على موقع الجينات على الكروموزومات.
ثانيا بإنتاج قدر مناسب من تلك الشظية التى تحمل عددا مناسبا من الجينات، ثم ثالثا هو المزيد من سيطرة العلماء على تلك الجينات المقيدة الى حد ضم مليون منها فى جزء ما يمكن توظيفه بسهولة وفى أى وقت.
لكن المشكلة أن تلك "السلسلة" أو التقييد للجينات وهو ما ينتج ذات الصفات وذات النتائج, جعل البعض يتمرد ويصفون أن تلك التقنية العلمية سوف ينتج عنها ما يشبه السخرية.
كما أن فكرة الكائن النموذج أو الكائن المتكامل فكرة تضر اكثر مما تنفع لما سيستتبعها من تماثل ومشاكل فى حاجة الى خيال فنان قبل رجل السياسة والاجتماع للبحث عن طبيعتها وحلولها المتوقعة.
نحن ومنذ الآن فى حاجة الى قوانين منع التفرقة الوراثية ولحماية الحقوق التى لا يجوز التنازل عنها.
إن فكرة بصمة الدي أن ايه الذي توضح التركيب الجينى للأفراد على قدر أهميتها، في حاجة الى وقفة قانونية و أخلاقية قبل قبولها للتعميم.
أخير لقد أدرك العلماء الحاجة الى واسمات وراثية ذات قدرة متميزة، ألا أن الجانب الخفى فى تجاهل المشاعر للأفراد، وهيمنة العقلية التجارية واستغلال الأفراد، والخوف من التماثل الإنساني، وغيرها، من المخاوف الحقيقية للتقدم الهائل فى هذا الفرع العلمي الجديد.