الجيل القادم من قيادات اليمين الأميركي

في الخامس عشر من مايو رحل عن عالمنا جيري فاويل أحد أشهر قيادات الإنجليكيين الأميركيين التي لعبت دورا محوريا في صعود نجم اليمين المسيحي المتدين سياسيا في الولايات المتحدة وخارجها منذ سبعينات القرن الماضي، وقد تارك فالويل خلفه سيرة ذاتية طويلة مليئة بالإنجازات على الساحة الأمريكية والدولية والإساءات المختلفة بما في ذلك موقفه المصر على الإساءة للإسلام والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وبعد ذلك بيومين قدم بول ولفويتز استقالته من رئاسة البنك الدولي بعد فضيحة محاباته لصديقته الشخصية، والتي شغلت الرأي العام الدولي والذي عرف ولفويتز كنائب لوزير الدفاع الأميركي السابق وكأحد أهم المسئولين عن الغزو الأميركي للعراق.
وفاة فالويل واستقالة ولفويتز تفتحان ملف جديد متجدد، وهو قضية تغير قيادات اليمين الأميركي، والتي تمر حاليا بمرحلة مخاض صعبة بحثا عن شخصيات وأفكار وسياسات جديدة بعدما تحول الجيل الراهن من القيادات اليمينية الأميركية خلال السنوات الأخيرة لعبئ سياسي وإعلامي وجماهيري على اليمين الأميركي بصفة خاصة والأميركيين بصفة عامة لأسباب مختلفة القيادات الدينية فعلى المستوى الديني واجهت وتواجه القيادات الإنجليكية الكبرى من أمثال جيري فالويل وبات روبرتسون وويليام جرام انتقادات واسعة لأسباب مختلفة مثل مواقفها المتشددة تجاه الأديان الأخرى والأقليات، والثروات الهائلة التي كونتها خلال سنوات عملها الديني والإعلامي، هذا إضافة إلى انتماءها عمريا وفكريا لجيل قديم يختلف كثيرا عن الأجيال الجديدة التي ولدت منذ سبعينات القرن الماضي.
المثير هنا أن بعض أقرب رموز الجيل الثاني من قيادات اليمين المسيحي التي تربت على أيادي جيل فالويل وربرتسون يواجهون بدورهم صعوبات وهزائم مختلفة، ولعل رالف ريد يمثل نموذجا لتلك القيادات، فريد المولود في عام 1964، والذي مر في سنوات دراسته الجامعية بفترة تدين قربته من بات روبتسون، حيث عرض عليه الأخير العمل مع في قيادة منظمة التحالف المسيحي – أحدى أشهر منظمات اليمين الأميركي المتدين السياسية على الأطلاق، وكان ذلك في نهاية الثمانينات وريد مازال في العشرينات من عمره، مما جعله في ذلك الحين وجه اليمين الأميركي المتدين السياسي وصوته بالإعلام بشبابه وعنفوانه وبإصراره السياسي.
ولكن ريد خسر في العام الماضي في إنتخابات حاكم ولاية جورجيا الأميركية – وهي أحدى ولايات الجنوب التي حولها ريد ورفاقه من قيادات اليمين الأميركي المتدين لمعقل قوي للجمهوريين ولليمين الأميركي، ولم يخسر ريد الإنتخابات بسبب منافسة الديمقراطيين له فحسب، وإنما خسر بعدما انقلب الجمهوريون أنفسهم عليه، والذين رأوا فيه رمزا لجيل إنقضت صلاحيته السياسية والإعلامية على الرغم من شبابه، وذلك لما عرف عن ريد من شراسة مع خصومه، وانتهازية سياسية، ولارتباطه بفضائح جيل من القيادات اليمينية الأميركية الشابة من أمثال جاك إبراهوموف.
وإبراهوموف – وهو يهودي الديانة – كان أحد أبرز القيادات اليمينية الشابة التي أنتجها اليمين الأميركي في سنوات صعوده في أوائل الثمانينات بعد الخسائر الواسعة التي مني بها ذلك التيار في الستينات، فقد تولى إبراهموف قيادة إتحاد الطلاب الجمهوريين في أوائل الثمانينات واكتشف ريد وعينه معه ثم ترك له قيادة إتحاد الطلاب، وبرمور الوقت تحول إبراهوموف لناشط سياسي معروف، وفتح شركة علاقات عامة ولوبي إمتلكت علاقات واسعة بقيادات الجمهوريين بما في ذلك قيادات الإدارة الأميركية الراهنة، وفي العام الماضي ملئت فضائح إبراهوموف السياسية الفضاء الأميركي بعدما أدين في قضايا فساد سياسي ارتبطت بأسماء سياسيين وأعضاء كونجرس جمهوريين كبار وأثرت على مستقبل وسمعة عدد كبير منهم. القيادات السياسية والمحافظين الجدد مصير قيادات اليمين الأميريكي المتدينة من أمثال رالف ريد لم يختلف كثيرا عن مصير عدد كبير من قيادات المحافظين السياسية والتي مكنت الجمهوريين من السيطرة على الكونجرس بداية من عام 1994، وعلى رأس تلك القيادات الثلاثي المعروف نوت جينجريتش وتوم ديلاي ورتشارد آرمي، وقد تولى ثلاثتهم قيادة الجمهوريين بمجلس النواب الأميركي على فترات مختلفة منذ عام 1994، وعرف عن كل منهم نفوذه الشخصي الواسع وشراسته في التعامل مع المعارضين لهم بالكونجرس بغض النظر عن انتمائهم الحزبي حتى أخضعوا النواب الجمهوريين والديمقراطيين لسلطتهم على حد سواء.
كما تمكن الثلاثة من تدشين سيطرة الجمهوريين على الكونجرس وتوطيد علاقته بقوي اليمين المسيحي المتدينة والمتصهينة، كما أحكموا قبضة اليمين الأميركي الحديدية على الجنوب وعلى ولايات الغرب والوسط، وساهموا في صعود نجم الجمهوريين وسيطرتهم على الكونجرس بمجلسية وكذلك البيت الأبيض، ومع ذلك خسر الثلاثة مناصبهم القيادية تباعا، وبات ينظر إليهم اليوم كمسئولين عن حالة التشدد التي نالت اليمين الأميركي وأدت إلى خسارته في إنتخابات نوفمبر 2006 التشريعية الأخيرة، وكسياسيين غرتهم السلطة ودفعتهم للتخلي عن مبادئهم.
ولا يختلف ذلك عن تركة عدد لايستهان به من قيادات إدارة بوش من أمثال دونالد رامسفيلد الذي أصبح ينظر إليه كرمز لتعثر أميركا في العراق، وكارل روف الذي فشلت ماكينته الإنتخابية في مساعدة الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، وكذلك قيادات المحافظين الجدد من أمثال دوجلاس فيث وريتشارد بيرل وجون بولتون وبول ولفويتز، هذا إضافة إلى تراجع شعبية بوش ونائبه تشيني لمستويات غير مسبوقة. الهزيمة بداية الصعود الواضح هنا أن الهزائم الواسعة للجيل الراهن من قيادات اليمين الأميركي تعني أن اليمين الأميركي في حاجة لجيل جديد من القيادات القادرة على إعادة صياغة أجندته في السنوات المقبلة، وهو ما يثير التساؤل حول طبيعة تلك القيادات الجديدة وهل يمكن التنبؤ بها وبأجندتها.
ويرى بعض المعنيين بتاريخ اليمين الأميركي أن صعوده الكبير في أوائل التسعينات يعود إلى هزيمته الواسعة في الستينات وخاصة في عام 1964، وهو العام الذي شهد خسارة السيناتور باري جولدواتر مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية بفارق كبير أمام المرشح الديمقراطي ليندون جونسون، ويقول هؤلاء أن السينات لم تكن عقد الجمهوريين فهي عقد صعود قوي اليسار الأميركي الجديد بأجندته المنادية بالحقوق المدنية وبحقوق الأقليات والمستضعفين وبتدخل الحكومة من خلال تشريع القوانين وبرامج الرفاهية لمساعدة تلك الجماعات المستضعفة تاريخيا، ويرى هؤلاء أن الأجندة السابقة والتي طغت على عقد الستينات لم تخف جولدواتر، والذي فضل عدم مهادنتها وخاض الإنتخابات بأجندة يمينية أصولية متشددة رافضة لأجندة اليسار الأميركي الجديد مما أدى إلى هزيمته هزيمة ساحقة، ولكن هزيمته هذه – كما يرى عدد لا يستهان به من المتابعين - كانت شرارة انطلاق قوى اليمين الأميركي الجديد، والتي تمكنت السيطرة في أوائل التسعينات معتمدة إلى حد كبير على أفكار جولدواتر.
ويثير التحليل السابق سؤالا هاما حول ما إذا كانت هزيمة الجمهوريين الراهنة تحمل في طياتها أسباب صعود الجيل الجمهوري القادم، والذي قد لا يكون بعيد زمنيا عنا، وهنا يجب الإشارة إلى الملاحظات الهامة التالية:
أولا: أن هزيمة الجمهوريين في الفترة الحالية تعود إلى حد كبير إلى فساد قيادتهم أكثر منه إلى تمكن الحزب الديمقراطي من تقديم أجندة أو قيادات أو أفكار جديدة.
ثانيا: أن المجتمع الأميركي بصفة خاصة والمجتمعات الغربية بصفة عامة مرت في السنوات الأخيرة بمرحلة تحول واسعة نحو اليمين على المستويات الجماهيرية لأسباب ثقافية وإقتصادية وسياسية مختلفة يأتي على رأسها التحول في أساليب الإنتاج وقوي العولمة والهجرات، وصعود جيل جديد من القيادات اليمينية المتعصبة الديماغوغية، والتي لم تترد في إستغلال التحولات الصعبة التي تمر بها المجتمعات الغربية في تعبئة الجماهير الغربية ضد الأقليات والمهاجرين والأجانب.
ثالثا: يعقد بعض الجمهوريين الأميركيين آمالا واسعة في إستعادة السلطة على عدد من القيادات الجمهورية المعتدلة والتي تمكنت من البقاء في وجه عاصفة العراق وسلسلة فشل الجمهوريين الأخيرة، والتي توجت بهزيمتهم في انتخابات 2006، وعلى رأس تلك القيادات السيناتور الأميركي المعروف جون ماكين أحد أبرز المتنافسين على زعامة الحزب الجمهوري في إنتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة - نوفمبر 2008.
وهذا يعني أن اليمين الأميركي مازال يمتلك بعض القيادات الأقل تشددا، والتي ستخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة بعد عام ونصف، وهي فترة هامة سوف تعد مختبرا حقيقا للوقوف على حقيقة ومدى الهزيمة التي لحقت باليمين الأميركي وبالجيل الراهن من قياداته، والتي سوف تسعى لتضميد جراحها وإعادة تنظيم صفوفها إستعدادا للإنتخابات المقبلة على أمل إنقاذ ما يكمن إنقاذه. أين نحن من الجيل اليميني القادم هذا لا يقلل من الخسائر الكبيرة التي مني بها الجيل الراهن من القيادات اليمينية وحاجتها لدماء جديدة، بل لجيل جديد من القيادات، بعد أن استشرت هزائم الجيل الراهن لحد يصعب تداركه، والمقلق في كل ما سبق أمرين أولهما أن صعود اليمين في السنوات الأخيرة والظروف التي مرت بها الولايات المتحدة دفعا عدد لا يستهان به من الأميركيين إلى التحرك يمينا على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، وإلى تبني أجندات متشددة على تلك المستويات، وأن اليسار الأميركي مازال بفتقد للقوة وللعنفوان وللقيادات القادرة على إعادة الجماهير الأميركية للوسط في ظل موجة التحول لليمين التي تسيطر على المجتمعات الغربية، فقيادات اليسار الأميركي الحالية مازلت تفتقر لثورة يسارية قدرة على تغيير مسار المجتمع الأميركي على غرار ما حدث في الستينيات.
أما السبب الثاني للقلق فهو أن الجيل الراهن من القيادات اليمينية أضر بعلاقة الشعب الأميركي بالعالم الإسلامي وبالمسلمين بدرجة مقلقة في ظل تركيز المحافظين الجدد والإنجليكيين المتصهينين وبعض الجماعات اليمينية المتعصبة غير المسبوق على الإسلام وعلى العالم الإسلامي وسعيهم لتصويرهما على أنهما عدو أميركا والغرب الجديد، وهو أمر يجعلنا معنيين بدرجة كبيرة بتتبع ما يدور في أوساط المجتمع الأميركي من جدل بخصوص علاقته بالإسلام والمسلمين بصفة عامة، وبالمخاض الدائر باليمين الأميركي بصفة خاصة، والذي من شأنه أن يقود إلى ولادة الجيل القادم من القيادات الجمهورية، فتتبع هذه القيادات وموقفها من أميركا والعالم بات ضرورة ليس فقط للأميركيين ولكن للمسلمين والعرب وللعديد من شعوب العالم، فهل أعددننا أنفسنا للجيل القادم من قيادات اليمين الأميركي؟ علاء بيومي www.alaabayoumi.com