الجيلاني طريبشان: يا إلهي قليلا من الراحة

بقلم: محمد الأصفر
أحاول صيد السحاب

يا إلهي قليلا من الراحة هي آخر جملة قالها الشاعر الليبي الراحل عام 2001 الجيلاني طريبشان الشاعر المعروف عربيا من خلال قصائده التي أبدعها وتواصله مع الشعراء العرب الكبار كعبدالوهاب البياتي وسعدي يوسف وغيرهما.

شاعر من مدينة الرجبان .. إحدى مدن الجبل الغربي التي انتزعت حريتها في الأيام الأولى من ثورة 17 فبراير الليبية 2011. مدينة جبلية كريمة تشتهر بزراعة الزيتون والكروم عامة قريبة من مدينة جادو والزنتان ولها تاريخ مشرف في الجهاد ضد الطليان الفاشيست حيث يشتهر فيها المجاهد الكبير محمد فكيني. كذلك نجد في الرجبان زاوية دينية عريقة نشرت العلم والمعرفة والصلاح وتتمتع بمكانة خاصة لدى أهل الرجبان وكل ليبيا أسسها الشيخ أبوالقاسم محمد العيساوي عام 1882.

رحل الجيلانى قبل عقد من الآن. رحل وترك في قلوبنا فجوة كبيرة. رحل لكنه ظل مطمئنا مؤمنا بالأمل. مراهنا على أن الأوضاع لن تدوم كما هي عليه وأن قصيدة الشعب الليبي الكبرى يتم الآن صياغتها وسيتم إنشادها في عكاظ الثورات العربية وتعليقها على أستار محاريب الشهداء.

لقد تألم كثيرا من حياته الضنكة وكان قلقا على مستقبل أبنائه وقدومهم في هذا العصر الدكتاتوري الذي سرق عمره. كان يناجيهم ويحاول أن يخفف عليهم صدمة الظلام كان مهتما بالشعر أكثر من الأسرة. القصيدة تلتهم منه كل شيء. نقوده أعصابه صحته. كانت هي مشروعه الأهم:

كيف أفهم هذا الصغير بأني حزين

وإني أحاول صيد السحاب

وإني أحب البلاد التي ليس منها

غير الخرافة؟

كيف أخفي دموعي عن الطفل

والمرأة الصابرة؟

كيف لي أن أنام؟

عرفنا هذا الشاعر مناضلا من أجل الحياة. يهمه الشعر بالدرجة الأولى. تغرب كثيرا وطارده نظام القذافي في غربته وضيق عليه أيضا. وفي آخر أيامه حاول أن يستميله بأن يعينه ملحقا ثقافيا في فنزويلا كي يستثمر علاقات وموهبة هذا الشاعر في الأدب لصالحه ولصالح الدعاية له. لكن وبحمد الله هذا التعيين المشبوه لم يتم. واختار الله أن ينقذ هذا الشاعر ويرفعه إلى عالمه العلوي منقذه من مكرمة القذافي المشينة.

الجيلاني طريبشان شخصية محبوبة من الجميع، جميع الكتاب الليبيين يختلفون فيما بينهم لكن يجتمعون على أن الجيلاني شاعر ومبدع وإنسان طيب، تعرفت عليه في طرابلس أمام مكتبة بشارع الوادي في يوليو 2000 ها أنا أتذكره. الوقت كان منتصف النهار وكنت أشتري من المكتبة بعض الكتب، الزبائن يدخلون ويخرجون، وفجأة دخل رجل أبيض في وجهه وذراعيه بعض البقع نتيجة مرض جلدي، متوسط الطول، نحيل، يرتدي قميص قماش وبنطلون قماش ومداس جلد، تحت إبطه ملف تظهر من جوانبه نتف لبعض الجرائد والأوراق، في جيب قميصه قلم أزرق جاف بيج. رحب به أبوبكر الكاتب الارتيري العامل بالمكتبة بحرارة وسكب له من قنينة بلاستيك كوب ماء بارد شربه على دفعات، وبعد أن ارتاح قليلا عرفني به فتصافحنا بقوة وشعرت بالسعادة وأنا أتحدث معه فقد كان إنسانا بسيطا لا يقول لي مصطلحات أجنبية حول الشعر ولا يتقعر أو يتفلسف كباقي من التقيت من مثقفين في بداية انخراطي في عالم الكتابة. تحدثنا عن الحرية وعن الثورة وعن الشعراء الليبيين والعرب والعالميين. كنا نتحدث وكان الظل الواقفين فيه يتناقص مع كل دقيقة تمضي. وكلما تناقص الظل تأخرنا قليلا إلى الوراء صوب جدار وباب المكتبة.

لا أدري لماذا قال هذه العبارة " يا إلهي قليلا من الراحة" وهو دافن رأسه بين صفحات مصحف شريف في إحدى مساجد الرجبان العتيقة. هل هو ألم المرض .. أم ألم الحياة .. أم ألم الديكتاتورية .. شيء ما في نفس الجيلاني لم يرض أن يبوح به. كانت إبان حكم القذافي حتى المساجد غير آمنة. قد تلتقط دعوتك إلى الله إحدى الآذان وتشي بك لتتم معاقبتك فورا ودون تحقيق. ما هي الراحة التي كان ينشدها الجيلاني؟ راحة جسدية أم روحية .. سيظل اللغز معلقا .. ولا أحد يمكنه أن يدخل بين الجيلاني وربه. لقد قال كلمته فأخذه الله فورا إليه. دون أن نسأله ما نوع الراحة التي تريد. هل تعني الحرية؟

قال هذه العبارة وأسلم الروح وتركنا في حسرة وحزن. لم ينسه أدباء ليبيا. بمجهود ذاتي وببعض التبرعات وعبر كرم أهل منطقة الرجبان تم تأسيس مهرجان باسمه. الجميع سعى للمشاركة فيه. بالقراءات أو إلقاء القصائد. وكان أهل الرجبان أناسا كرماء. مدينة صغيرة لا فنادق فيها. لكن بيوت أهل الرجبان هي الفنادق. يستقبلون المشاركين. يوزعون النساء المشاركات على بيوت العائلات والرجل إلى بيوت أو مدارس مجهزة كمنامات.

ويبدأ المهرجان. ونتعرف على شعر الجيلانى وعلى تاريخ هذه المنطقة منذ تأسسها. وها هي الرجبان تثور وتطرد الديكتاتورية من ترابها الطاهر. أشجار الزيتون واللوز والبرتقال والتين والعنب في مدينة الرجبان الآن حرة. الآن الجيلاني طريبشان سعيد، سعيد لأن قبره تحرر من سلطة أوقاف ومدافن القذافي. قبره صار حرا. يرفرف عليه علم الاستقلال. وتنبت على ظهره الورود دون أن تتعرض للاقتلاع من أجل وضعها في أكاليل تزيّن حفلات الديكتاتورية. ماذا لوعاد الجيلاني الآن من جديد؟ ماذا سيقول عن الثورة.. ماذا سيقول عن تدخل الناتو. ماذا يقول عن جرائم القذافي الشنيعة التي ارتكبها في حق ليبيا والعالم. حتما سيعيد قراءة قصيدته التي عنوانها "قصيدة لم تكتمل إلى سعدي يوسف" التي يقول فيها:

صار بيني وبينك تذكرة مرور

وجواز سفر

غير أني تذكرت في ردهات المطار

أن قلبي حجر

أن روحي ملطخة بالأسى

فمتى يا رفيق الضياع

تنبت الأجنحة

أنت يا صاحبي

صرت لي هاجسا مغربيا

فقرانا التي أينعت في العقول

أحرقتها رياح الجنون

إن سر تواجدنا العبقري يشبه الملحمة