'الجوبة' تحاور أول سعودية متخصصة في المسرح ونقده

أنجزت 53 نصا مسرحيا وعشرين كتابا نقديا

الجوف (السعودية) ـ قدمت مجلة الجوبة الثقافية التي تصدر في السعودية بعددها الأخير حوارا مع الناقدة الرائدة والمسرحية وصاحبة موسوعة "نقد النقد" والفائزة بجائزة اليونسكو الدكتورة ملحة عبدالله التقاها مندوب المجلة أحمد الطراونة، وأكدت أن علاقة الناقد بالمبدع علاقة تصادمية على الدوام. وأن كتابتها عن العادات والتقاليد لم تكن صرخة ضد السائد، وإنما للتصالح معه. والدكتورة ملحة أنجزت 53 نصا مسرحيا وعشرين كتابا نقديا، والنقد والمسرح لديها وجهان لعملة واحدة، وكتابة المسرح أصعب بكثير من كتابة الرواية!

في البدء كانت دهشة الاطفال تقسو عليها، وترمي بشرر الاسئلة التي لا يقوى عليها ذهنها الغض، لكنها تصرع الدهشة بسؤالها البريء والكبير، لماذا لا يوجد نساء على خشبة الحياة؟

اقتفت خطى والدها، لتكتشف الحلم الذي يراوده - عشق المسرح - وهي لا تزال في السادسة من العمر. نامت خلف الكواليس وتعلّمت صناعة الوعي على خشبة المسرح. اجبرتها أغلال الوعي على عالم الفضاءات الرحبة ان تسلك طريقا آخر غير كل النساء، حلمت بما يحلم به الرجال في لحظة غابت فيها المرأة عن المشهد الابداعي، فكانت تخط بأحلامها طريق الابداع وتفتح بقوة عزيمتها كوة امل لأن تقدم المرأة السعودية والعربية اسهاما في المشهد الابداعي عموما والمسرحي تحديدا.

تخصصت في البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه في "الدراما والنقد" وهو تخصص نادر، وهي الوحيدة التى حصلت على هذا التخصص في المملكة العربية السعودية بدرجة الدكتوراه.

قدمت العشرات من النصوص المسرحية والدرامية والقصصية وتوجت اعمالها المسرحية بفوز مسرحية "العازفة" في المسابقة العالمية لنصوص المونودراما في الفجيرة، تتبعت الانساب في الجزيرة العربية وناقشت العادات والتقاليد، الا انها ترسخت كناقدة لها مكانتها الخاصة ونظرياتها المعترف بها عالميا حين اصدرت موسوعة "نقد النقد" التي تعد من اهم الكتب التي تعالج المسألة النقدية العربية.

عن بدايتها مع الكتابة والمسرح، وعن دور الأهل في ذلك، ومن شجعها على اقتراف جريمة حب النقد وعشق المسرح قالت ملحة عبدالله: لم تكن تعلم تلك الطفلة الصغيرة التى لم يتجاوز عمرها ست سنوات وهي تحضر وتتابع وتشاهد وتقلد فن المسرح، حينما كانت ترافق والدها الذي كان يعمل في وزارة المعارف آنذاك وأحيانا تنام في كواليسه وخلف ستائره حتى الصباح - بأنها ستعتلي صهوة هذا الحصان الجامح وتمسك باللجام كي لا يفلت منها إوار الجماح، وما أشد وحشية هذا الفرس الجامح (المسرح). ولم يكن بالأمر اليسير، فقد كان زائرا عزيزا لبلدتنا، إلا أن والدي كان يحب المسرح ويفرح عندما أقوم بتقليد ما أراه من عروض حينما أعود لوالدتي لكي يتسنى لها رؤية ما كنت أشاهده، وحينما ذهبت إلى أكاديمية الفنون، لكى يتسنى لى سبر أغوار هذا العالم التي كانت بلادنا تحتاج إليه من وجهة نظري - أحجمت الملحقية السعودية بالقاهرة عن تيسير ذلك لي بدعوى أن المسرح كان مصنفا ضمن قائمة الفنون اللا أخلاقية، وكدت أفقد هذا الأمل لولا أنه تم استثنائي من قبل رئاسة الجمهوية تبعا لقول عميد المعهد العالي للفنون المسرحية: نحن نحتاج إلى كوادر مسرحية هناك وكنت أنا أول طالبة تدرس المسرح وفنونه وكانت أول شهادة تعتمد من السفارة السعودية بالقاهرة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف.

ثم بدأت احتراف الكتابة بعد التخرج لأنني كنت أعلم مدى خطورة الكتابة المسرحية بدون تخصص وبدون علم بآليات الكتابة حسب مدارسها ومناهجها وحرفيتها واتجاهاتها الفكرية، وكنت على علم بأنني أول كاتبة محترفة للمسرح في وطني ومدى حساسية الأمر، وبناء عليه فلا يجب أن أقود صهوة فكر وعلم إلا عن تخصص وفهم، لأنني أعلم أن كتاباتي ستتحول إلى تاريخ لهذا المجال، وعليه أرجأت الكتابة إلى بعد التخرج، ثم كتبت أول مسرحية وهي (أم الفأس) ثم مسرحية (المسخ) في ذات الوقت حينها عرضت مسرحية المسخ بالقاهرة وحققت نجاحا باهرا ولفتت الأنظار لميلاد كاتبة مسرحية وفي نفس الوقت قدمت (أم الفأس) في جامعة اليرموك من إخراج مخلد الزيودي وحصلت على المركز الأول وفي الوقت ذاته حصلت على جائزة (أبها) الثقافية وهي جائزة عربية كبيرة، حينها أدركت أنني لا بد أن أكمل مشروعي في تأسيس كتابة مسرحية سعودية عربية وعالمية وقد تحقق ذلك بفضل الله بعد إنجاز 53 نصا مسرحيا عبر مدارس مختلفة وعشرين كتابا نقديا توج هذا المشروع بفضل الله بحصولى على المركز الأول عالميا في المسرح من اليونسكو "جائزة الفجيرة للمونودراما" بالإضافة إلى ست جوائز عربية.

أما من شجعنى على ذلك، فهم أساتذتى بأكاديمية الفنون (بالقاهرة) حيث تنبئوا لي بالريادة ومنهم الدكتور مصطفى يوسف استاذ ورئس قسم النقد والدراما إلى جانب جل الأساتذة آنذاك.

وترى الكاتبة المسرحية السعودية أن النقد والمسرح وجهان لعملة واحدة، فإذا لم يتأتى للكاتب المسرحي سبر أغوار النقد لن يستطع قيادة صهوة القلم، فالنقد علم والمسرح علم مع كونه فن إلا أنه يرتكز على النقد والنقد أصبح علما حسب النظريات الحديثة لارتباطه بكل العلوم ومن هنا أصبح الكاتب المسرحي الحذق هو من يمتلك فهم ووعي العلوم الأخرى لأنها والمسرح تصب في بوتقة واحدة. وتخصصي في البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه كان في الدراما والنقد وهو تخصص نادر حيث أنني الوحيدة التى حصلت على هذا التخصص في المملكة بدرجة الدكتوراه.

أما لماذا المسرح؟ فلأن وطني يحتاج إلى هذا الرافد عن فهم وعلم ولم يتسن لغيرى أن يتخصص فيه، فالمسرح في المملكة قديم قدم المسرح في الوطن العربي، إلا أن أحدا لم يتخصص فيه كدراسة وكنقد من قبل، وهو ما يستحق منا هذا الجهد ثم أن المسرح هو أبو الفنون وكهف مسحور يقضي على من اقترب منه بدون دراية ولكنني قبلت التحدي.

أما لماذا التراث؟ فالمسرح لا ينفصل عن التراث، ثم أن من لديه ذرة من عروبة فليهتم بالتراث خاصة العربي منه لأننا أمام زحف هائل، فالإنصهار في بوتقة العولمة سيقضي على الشخصية العربية والتي هي الهدف الأسمي لمحو الهوية من قبل المنظرين للفكر العولمي، وقد شجعنى على دراسة التراث الأستاذ الكبير والخبير العالمي (صفوة كمال) الذي تتلمذت على يديه فكتبت كتابا بعونان (المملكة العربية السعودية .. عادات وتقاليد) وكتب هو المقدمة، ثم اننى اقترب الآن من إصدار موسوعة بعنوان (الجزيرة العربية أنساب وتقاليد) ومن أهم ما وجدته كنتيجة لهذه الموسوعة أن الجزيرة العربية هي من خرج منها النسل العالمي برمته حينما تتبعت علم الأنساب عبر مخطوطات نادرة، وقد وجدت خللا كبيرا فيما أورده المستشرقون ولم يتصد لذلك أحد فكما وجدت أن النظريات العربية هي منبع النظريات العالمية وأساسها في موسوعة نقد النقد وجدت أيضا أن ابن الجزيرة العربية هو أصل العالم، كل ذلك عن بحث أكاديمي موضوعي لا يوجد للذاتية فيه مكان، حسب سيل هائل من المراجع.

إن موسوعة "نقد النقد" تقع في ثلاثة مجلدات من القطع الكبير أي ما يقارب من ألف وخمسمائة صفحة وهي تتناول تطور النظريات النقدية المسرحية بالإتكاء على النظريات الفلسفية لأن المسرح كونه فلسفة فلا ينفصل عن ذلك منذ أول نظرية نقدية لدى اليونان مرورا بالآراء العربية القديمة في النقد ثم آراء الفلاسفة المسلمين إنتهاء بالنظريات الحديثة مثل ما بعد الحداثة والكوانتم والنانو وكيف تلفلف هذه الماده بثنايا هذه النظريات وكيف أن هذه النظريات تتسلل في عمق ووجدان المتلقى فتصبغ سلوكه وأفكاره دون أن يعلم وهو ما أسميته "الحقن تحت الجلد" ثم ما آل إليه حال الفرد العربي جراء تعاطى هذه الفلسفات عبر الإعلام والمسرح، كل ذلك من خلال سؤال واحد وهو إين يقف الفرد بين الأنس والإغتراب؟ فكان اسم الموسوعة (حكمة النقد بين الأنس والاغتراب) وهو ما تموج به ساحات الثقافة العربية.

إن أحدا لم يساعدنى في هذا الجهد إطلاقا، بل مكثت عليه عامين كامين متصلين وبدون توقف سوى للأكل أو النوم متأخرا وكل ما احتجت إليه هو ثلاثمائة مرجع فقط.

لقد أنجزت هذه الموسوعة لكل فرد عربي يبحث عن الأنس وأيضا للعالم فهي الآن تترجم إلى اللغة الإنجليزية، وفي النهاية أنجزتها للاهث والباحث عن المعرفة. وقد حصلت الموسوعة على إجازة واعتراف من جهة وزارة الثقافة السعودية دون كشط كلمة واحدة بفضل الله.

ويرى البعض أن هناك تغيرا في العادات والتقاليد في المملكة العربية السعودية وبالطبع هناك غلالة قد يبدو أنها تغيرت إلا أنها مسكونة بالإرث القبلي المجتمعي وهنا تكمن المفارقة، حيث أن التطور في المملكة من خلال النظام الإجتماعي وطفرة التعدين، والطفرة الزراعية أثرت بطبعها وعملت على طفح اجتماعي جديد فأصبح الفرد السعودي بين جيلين نظرا لسرعة انطلاق سهم التطور فهي بالأمس القريب كانت تحيا حياة القبيلة بكل تقاليدها والتى دونتها في موسوعتي والآن هي تتلامس مع الدول المتقدمة في التطور والتحديث، ولتقارب الزمن بين هاتين الحقبيتين – إذ لا يتجاوز المائة عاما، وهذه لمحة بصر في قياس الزمن التاريخي للشعوب - عمل على صراع المفاهيم بين جيلين متجاورين، وجيلي هو من تتجاذبه هاتان الحقبتان، لأننا همزة الوصل بينهما، غير أن الهوية الدينية قد عملت على التوازن في المملكة فلدينا هوية دينية عززها وجود الحرمين الشريفين في بلادنا فيجب أن نكون المثال أمام العالم الإسلامى دينا وعقيدة وتشريعا حفاظا على قدسية المكان وانطلاقا من تجذر الدين فينا، ومن هنا لم تتأثر العادات والتقاليد في المملكة كإرث قبلي في كنه الشخصة ذاتها، وأنما ظهر بعض التأثر في المعمار وفي الحفلات وغير ذلك لكن الإنسان السعودي مسكون بإرثه القبلي والإسلامي مهما لبس من ثوب العصر، بالرغم من أن هناك سبغة أسبغتها حياة المدن على ساكنيها وهي تلك الدوائر المتماسة وغير المتقاطعة وهو ما لم تورثه حياة القبيلة.

إن قناعتي من ليس له ماض فليس له حاضر، ولكن أزمة الحالة الإبداعية في الوطن العربي نتاج لتلك الهوة السحيقة بين الخطاب النخبوي وبين الخطاب الجمعي، مما نتج عنه ما أسميته بـ (ثقافة النزوح أو الإنسحاب) فآفة الثقافة العربية هي ثقافة النزوح الزمانى أو المكانى وساعد على ذلك نظرية العولة وعنصر الـ (هنا والـ هناك) حيث ان الفرد يحيا هنا على أرضه وهناك في كل أنحاء العالم في آن واحد وفي ذات اللحظة عبر تلاشي عنصر الزمن فأنت تحيا في طوكيو وترى وتسمع وتتحدث وقد تتلامس (حسب التقدم العلمى في علم التواصل وما أعلن عنه) مع الرباط او واشنطون او غير ذلك من بلاد العالم, هذا التلاشي في الزمن والذي نبه إليه دريدا وفوكو وإدوارد سعيد وغيرهم هو ما أفقد وأنتقص من ثقة الفرد في واقعه فيجتاحه الإغتراب، وبالتالي الإبداع العربي منغمس في حبر الإغتراب ويظهر لنا نوع من جلد الذات في إبداعاتنا ليس من منظور نقدي، وإنما من منظور نزوحي في عالم انكفأ فيه الخطاب النخبوي على ذاته وترك الهم الجمعي تتلاطمه الأمواج، فلم نعد نر سوى خطاب نخبوى يتثاقف فيه النخبة فيما بينهم في مباراة من يفهم أكثر عبر مصطلحات تحتاج إلى مصطلحات، فانفك الجسر الثقافي بين الطبقتين.

وعن المسرح في السعودية أكدت ملحة عبدالله أنه متقدم قياسا ببعض الدول العربية، وأنه في حالة وهج وتألق حاليا، وعليه إقبال كبير، وقالت: حينما عرضت مسرحية نسائية في الصيف الماضي إمتلأ المسرح ذو الثلاثة آلاف مقعد وقيل خمسة، وحدثت حالات إغماء وتدخلت النجدة نتيجة الزحام وافترش الجمهور الأرض لأن الجمهور بدأ يحب المسرح، وهناك رسائل جادة في هذه العروض، إلا ان عملية التأثير لا تزال نسبية، وعملية قياسها هو أن الجمهور لا يأتي للمسرح كونه أداة نقد وتغيير وطرح أفكار، وإنما يأتي للفرجة فقط وهنا تكمن الخطورة بين ما هو العرض وما هي الرسالة.