'الجوبة' تتساءل: هل يعود زمن الشعر؟

كتب ـ عبدالحق ميفراني
القديس والساحر يتكاملان في الشاعر

ضمن برنامج النشر ودعم الأبحاث بمؤسسة عبدالرحمن الخيرية بمنطقة الجوف بالمملكة العربية السعودية صدر العدد 17 لصيف 2007، من مجلة "الجوبة" الثقافية حاملا العديد من المواد الثقافية والأدبية والإبداعية.
ويتساءل المشرف العام على مجلة الجوبة إبراهيم الحميد في افتتاحيتها عن عودة زمن الشعر قائلا "هل يعود زمن الشعر؟"، ليؤكد أنه "على الرغم من سيل الروايات والقصص القصيرة والقصص القصيرة جداً وأشكال الفنون الإبداعية كلها، والأجناس الأدبية على تنوعها يبقى للشعر سحره، وتظل للقصيدة دهشتها التي تأتي من شاعريتها، التي تجعل منها أيقونة تعلق في سماوات لانهاية لها.
وعلى الرغم من أنف عنترة الذي حاول وقف تدفق الشعر منذ ألف وخمسمائة سنة، عندما قرر في لحظة شعر "هل غادر الشعراء من متردم؟"، متناسياً أن القصيدة لا يمكن لها إلا أن تخرج إلى الضوء لأنها لا يمكن أن تعيش في العتمة، وأن التجارب الشعرية لا تنتهي عند تجربة شاعر أو حتى قبيلة من الشعراء.
ويؤكد الحميد أنه في السنوات الماضية برزت ظواهر عديدة في الشعر والشعرية العربية، ومدارس اختلاف واتفاق، كما شهدت صعود أشكال لم يعهدها متلقي القصيدة العربية، الذي اعتاد على قالب جاهز للقصيدة، يتميز بالتقليدية والجرس الموسيقي، ما كاد يفتك بمستقبل الشعر العربي، على الرغم من وجود نماذج شعرية رائعة لا يمكن لأي أن يقلل من شأنها، وهي تجارب تبقى حية على الرغم من مرور الزمن، وتبقى أكثر حداثة وإدهاشاً مع تقادم الأيام.
ويقول إنه وفي الغياب الثاني للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة رائدة الشعر العربي الحديث التي أقعدها المرض وغيبها للمرة الأولى قبل رحيلها الأزلي، يتجدد الحديث عن الشعر، إذ كانت الشاعرة الملائكة وعدد من رواد الشعر العربي الحديث هم من أخرجوا القصيدة العربية من عنق الزجاجة الذي قيدها طويلاً للانعتاق إلى عوالم جديدة، لتبرز أشكال القصيدة الحديثة التي أعطت زخما جديدا للقصيدة، ومكنت ديوان العرب وبحور القصيدة، أن تتسع لكل المراكب، لولا بعض العلل التي صاحبت هذا الانعتاق، مثل تبسيط كتابة القصيدة ولجوء الكثير إلى استسهال كتابتها، معتقدين أنهم سيصبحون شعراء بين ليلة وضحاها، إضافة إلى الغموض وهي التهمة التي ظلت تلاحق القصيدة الحديثة، وكادت أن تكون لعنة تلاحقها، مع أهمية الغموض أحيانا إذا أتى شفافاً، لمنح اللغة عمقا أكثر.
ويشير الحميد إلى أنه وعلى الرغم من بروز القصيدة الحديثة بأشكالها، كقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر؛ إلا أنه ظل للقصيدة العربية القديمة روادها الذين استطاعوا الارتقاء بها فنياً، والبعد بها عن الإغراق في السطحية.
ويقول الحميد إلى أنه وبين شعراء الحداثة، وشعراء القصيدة التقليدية تظل القصيدة هي الهدف الذي يطمح للوصول إليه الشعراء والمبدعون.
ولكن على الرغم من سيل القصائد التي تأتينا عبر مختلف أوعية النشر المعاصرة، إلا إنه قلما تصل بنا قصيدة منها إلى درجة ما تسميه الدكتورة فوزية أبو خالد بـ "تنميل الأطراف، وارتعاش المشاعر".
ويؤكد الحميد أن العرب بقيت أمة تحتفي بالشعر، وظل الشعر هويتها التي تجتمع حولها وتحتفي بها، على الرغم من ظهور فنون الأدب الأخرى الحديثة وتطورها، وتكريسها واقعاً في سماء الثقافة العربية، حتى وصل الأمر إلى أن يطلق بعض الأدباء والنقاد على الرواية ديوان العرب الجديد، متأثرين بسيل الروايات العربية الجديدة، أو كما يقول الناقد الدكتور سعد البازعي "إن القارئ اليوم يفتش عن رواية أكثر منه عن ديوان شعر."
إلا أن الشعر يبقى هو الصورة الفنية الأبرز للغتنا العربية، على الرغم من بروز الفنون الأخرى التي لا يمكن لها أن تكون بديلا عن القصيدة.
ويقول إن أي متابع للمشهد الثقافي، لا بد وأن يلحظ أن القصيدة تبقى هي السحر الذي ظل يغذي الوجدان العربي، وعلى الرغم من سنوات الانكسار التي نعيشها، وبعد تراجع الشعر والشعرية العربية لسنوات، وبروز الرواية إلى واجهة اهتمامات الدواوين الثقافية؛ يمكننا أن نلحظ حالة من التعايش بين الأجناس الأدبية والثقافية جنباً إلى جنب، إذ بدأت الواقعية تسيطر على الأجواء الثقافية، وتكرس مشهداً لا تتفرد فيه القصيدة على باقي الأجناس الأدبية الأخرى، إلا أنها تظل في صدارة الدواوين الثقافية؛ وهذا ما تؤكده المؤشرات التي نعيشها اليوم.
وختم الحميد افتتاحيته بفاصلة من أقوال الشاعر الكبير سعدي يوسف "يدخل الناس إلى بيت الشاعر ليروا القديس، فإذا بهم أمام الساحر، وليس من مقابلة هنا؛ فالاثنان يتكاملان على نحو أو آخر، وقد يثيران لدينا الدهشة ذاتها التي نستشعرها حين نرى لقلقاً طائراً نحو عشه المرتجى وهو يحمل في منقاره صحيفة أو علماً أو غصناً عجيباً."
وفي باب القصص القصيرة نقرأ نصوصا سردية لكل من خليل الفزيع وجمعان الكرت وسعيد الدوسري وأحلام بشارات وربى عنبتاوي وفهد الخليوي ومحمد سعيد الريحاني، كما نقرأ فصلا من رواية للكاتب والشاعر عصام أبو زيد عنوانها ناقل أسرار.
وفي باب النقد يكتب الدكتور خالد فهمي قراءة في البداوة لديوان الشاعر محمد الثبيتي "تهجيت حلما تهجيت وهما"، كما يكتب حسن برطال عن مجموعة قصصية بعنوان "حذاء بثلاثة أرجل".
ويكتب الدكتور جميل حمداوي عن رواية التوثيق التاريخي من خلال رواية عبدالهادي بو طالب "غرناطة"، باستهلال يحدد فيه الإطار التوثيقي والموضوعي على غرار كتاب الرواية التاريخية، وذلك بتصوير الفضاء التاريخي بأحداثه المرجعية ووقائعه الحقيقية وشخوصه الإنسانية الحاضرة بقسماتها التاريخية. وينقلنا بعد ذلك مباشرة إلى مدينة غرناطة عاصمة ملوك بني الأحمر ليسمعنا ما ينتظر سكان هذه المدينة من مصائب، وما يبيته أعداء الإسلام لهم.
كما تكتب هيا صالح عن رواية "سمر الكلمات"، ويكتب سمير أحمد الشريف عن البناء الفني في الرواية السعودية، كما يكتب سعيد بوكرامي عن المنجز الروائي ليوسف المحيميد.
وتنشر الجوبة قصائد للشعراء عبدالعزيز الشريف، وأمينة المريني، ووائل السمري، وأحمد الملا، وعلي العلوي، وطارق فراج، وعمار الجنيدي، ومحمود عبدالله الرمحي.
كما تنشر المجلة حوارات مع الدكتور ناصر الدين الأسد، والشاعر علوي الهاشمي، كما تنشر حوارا عن المسرح مع نقولا أبو رزينةـ وسامي متواسي، متحدثين عن مسرح الحارة الفلسطيني.
وفي حوار المجلة مع ناصر الدين الأسد، وهو عالِم وأكاديمي يرى أن مشروعه الفكري والثقافي يقوم على الإيمان بوحدة التراث والمعرفة الإنسانية. ويؤكد أنه حين يستسلم المرء للرضا فإنه يفقد التطلع إلى مزيد من الإتقان، ويشير إلى أن لغتنا تحتاج إلى من يدفع عنها الهجمات من استعمال الإنجليزية والعاميات المبتذلة.
وفي حواره مع مجلة "الجوبة" قال الدكتور علوي الهاشمي أن الإبداع عادة ما يتضمن الوعي النقدي فهو ليس عملية مفارقة لهذا الوعي لأن تحت جلد كل شاعر يوجد ناقد مشيرا إلى أن هناك فرقا بين الظواهر الإبداعية الحداثية أو الحداثوية المتقدمة في الخليج التي يكتبها أو ينتجها مبدعون يعيشون في بيئة الخليج وبين مبدعين يعيشون خارج بيئة الخليج.
وقال الهاشمي عميد كلية الآداب في جامعة البحرين والناقد والشاعر المعروف أن الحركة الشعرية في البحرين في أفقها الأخير دخلت خندق اللغة الشعرية وتحاول التركيز على هذا المكون الشعري وحده بكثافة واضحة ومركزة، وكأنما النص الشعري عبارة عن تجوهر لغوي أو تجوهر شعري في اللغة.
وأكد أن التميز الفردي هو أساس الإبداع وعلى الشاعر أن يعنى به ويركز عليه لا أن يشغل نفسه بلعبة الأجيال التي أنتجت على الصعيد العربي عموماً حالة من التشرذم والشللية.
وفي صفحات نوافذ يكتب حسام عبدالقادر عن المشاركة الشعبية والمجتمع المدني، ويكتب رامي شهاب عن السرقات الأدبية والتناص قائلا "إن الاستيعاب للنصوص الأخرى ذات السبق الزمني، كانت من أهم المحاور التي اعتمد عليها منظرو التناص في الدراسات النقدية المعاصرة، بالاتكاء على رؤية تنبثق من التأثر المدرك أو غير المدرك لسلطة تلك النصوص."
وتكتب آمال الراشد عن أدب الناشئة، كما يكتب محمد مستجاب (قبل رحيله) عن حرف الألف واستخداماته، ويكتب جلال فرحي عن التفكير والإبداع وضرورته في العالم العربي.
وفي صفحة التشكيل يناقش الروائي سعيد نوح تشكيل الفراغ في الفنون الإسلامية قائلا "دأب الغرب على اتهام الفنان المسلم بأنه يسعي دوما لشغل الفراغ في فنونه وزخرفته للخوف من الشياطين والأرواح الشريرة التي تسكن في الفراغات، وكأن شغل الفراغ رد فعل غير واعٍ لفكر جمعي يؤمن ويؤسس للخرافة، وفي هذا المجال يمكن أن نوضح لماذا حرص الفنان المسلم على شغل فراغاته بزخرفات ومنمنمات من أوراق الأشجار والزهور وأشكال الطيور والحيوانات، ودافعه في هذا أن الدين حرم عليه فكرة التجسيم للأشكال الحية، فاستعاض عن ذلك بتقطيع وتجزئ الأشكال الحية، وشغلها وزخرفة فراغاته بها."
وفي قراءات يستعرض محمد الحمامصي كتاب تاريخ الكتابة، كما تستعرض المجلة كتب المؤسسة الصادرة حديثا ومنها كتاب تقويم أداء مديري التدريب المهني لـ دخيل الله تركي الشمدين، وكتاب التنظيمات العسكرية النبطية لمؤلفه صالح الدغيم.
يشار إلى أن مجلة الجوبة مجلة ثقافية دورية تصدر كل ثلاثة أشهر، ويمكن التواصل معها على البريد الالكتروني على العنوان التالي: ALJOUBAH@GMAIL.COM