الجهاديات المتجددة ... والأوضاع الاستراتيجية

أثرها في الصدامات السياسية الشيعية السنية

يوم الأربعاء الماضي حاول انتحاريان نسف السفارة الإيرانية في بيروت. وقد سقط نتيجة هذه الهجمة عشرات القتلى ومئات الجرحى والمُصابين. وهذه عملية انتحارية عُرفت مثائلها في كل موطن ظهر فيه أو تحرك متشددو «القاعدة»؛ وبخاصة في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة. والمُلاحَظُ حصول «تطور» في اتجاه هذه العمليات. فقد بدأت في تسعينيات القرن الماضي من جانب «حماس» والجهاديين الآخرين ضد القوات والمؤسسات الإسرائيلية. ثم صارت تجري ضد المؤسسات والجهات الأميركية والغربية في العالم. والتطور الثالث في العقد الماضي التفجير والانتحار ضدّ المؤسسات والجهات العربية والإسلامية. أمّا هذه الموجة التي أعتبرها رابعة الموجات أو العواصف فتتجه إلى المؤسسات والجهات الشيعية المعروفة بولائها لإيران، دون أن تختفي بالطبع المظاهر والظواهر السابقة كلياً. وفي هذه المرحلة بالذات يتفرد المشهد المصري في سيناء حيث لا عمل للجهاديين غير قتل رجالات الجيش والشرطة، ومن جانب منظمة تُسمّي نفسَها بيت المقدس أو ما شابه. ولستُ أدري كيف يُسهم قتل العسكريين المصريين في تحرير القدس. لكنها كما نعلم أفاعيل الظواهري الذي أصرّ دائماً على هدْم بلده، ولم يحوِّلْهُ عن هذه العزيمة هو وأخوه العائد من إيران حتّى وصول إخوانه من «الإخوان» للسلطة بالبلاد!

كيف تؤثّر الانتحاريات المتجددة على الوضع الاستراتيجي بالمنطقة العربية بعد الثورات؟ أول تلك الآثار الصراع الشيعي السني والذي يرتهن الآن بلداناً عربيةً، ويفتّت دولا ومجتمعات. وهو يتبلور في الشهور الأخيرة إلى جانب تعطيل بلدان الاضطراب في صورة صراعٍ إيراني سعودي، ظهر في تحريك الحوثيين باليمن ضد السلفيين، وتراجُع إمكانيات التفاهُم في البحرين واليمن ولبنان، وزيادة تدخل المالكي وجيوشه في الأزمة السورية، وتهديد البطّاط (صاحب ميليشيا موالية لإيران منشقّة عن الصدر) بضرب المملكة، وإصرار وسائل الإعلام الموالية لإيران على اتهام السعودية بالتفجيرات والانتحاريات! وثاني تلك الآثار جمود الأوضاع لغير صالح العرب على الساحات المحلية والإقليمية وفي المجال الدولي. وبالطبع فإن أوضاع سيناء وليبيا حيث يسود العنف بكافة أشكاله، لا يمكن نسبتُهُا إلى مشكلات السنة والشيعة؛ لكنها تشير إلى انسدادات يعبّر العنف الطليقُ عن تفاقُمها. وثالث تلك الآثار تعطُّل الدبلوماسية الإقليمية والدولية حول سوريا وفلسطين، بحيث يبدو العنف ليس بديلا لها؛ بل إشارة إلى تعب العرب من جهة، وعجز دبلوماسية العلاقات الدولية عن ترجيح مخارج أو فرضها. قال السفير الإيراني في بيروت إثر الهجوم على سفارة بلاده إن الانتحاريين لن يستطيعوا فرض حل على سوريا والمقاومة (أي إيران) لأن 70 بالمئة من الشعب السوري مع الأسد! إنما من جهة أُخرى فالملحوظ أن الرئيس الإيراني الجديد الذي سبق أن قال إنّ الأَولوية في سياسته الخارجية للتواصُل مع المملكة، ما عاد يقول شيئاً عن ذلك. وتقول وسائل الإعلام الموالية لإيران إن هذا السخط على المملكة سببُهُ عدمُ موافقتها على انعقاد جنيف-2 بالشروط الروسية والأميركية. ومن جهة ثالثة فإن العرب ما استطاعوا فرض حل بسوريا وفلسطين عبر الجامعة العربية ومبادراتها. ولكل ذلك دلالاتُهُ غير الإيجابية.

للعنف المنتشر في كل مكان ظواهره ودلالاته. فالظواهر تتمثل في انطلاق موجة جديدة اعتبرتُها رابعة. ولهذه الموجة مُيثراتُها، وليس تعبيراً عن «طبيعة» خاصة بالعرب. فقد تعرقلت موجةُ التغيير الثانية بسبب هذا العنف الذي لم ينطلق من جديد لأن الجهاديين استجمعوا قوة من نوع ما. فالحرب على الإرهاب لم يخمد أوارُها لنقول إن «القاعدة» انطلقت من أوكارها مجدداً. بل لأن قوى إقليمية ودولية عارضت التغيير في العراق وسوريا ولبنان ومصر واليمن. وهذه القوى معروفة، وهي إيران وروسيا والولايات المتحدة. فقد وقفت أو وقف بعضها من جهة ضد استمرار التغيير وإلى جانب الأنظمة المتهالكة، كما أنها استخدمت اختراقاتها ضمن الجهاديين لتحريك الجبهات التي نسيَها الناس. وقد حدث ذلك في سوريا ولبنان والعراق .إذ المعروف أن الظواهري في إيران أو في متناولها. وتكاد تحركات «داعش» وانتحاريي العراق تشير إلى التدخل الإيراني للإثارة والإدارة. وماذا نقول عن تحركات مسلحي حزب أوجلان في سوريا، وقد أتوا كما أتت «داعش» من مواطن معروفة. ثم إن إطباق إيران على البلدان الثلاثة (العراق وسوريا ولبنان) كافية لإثارة بعض شبان تلك البلدان وجوارها. فلماذا يكون العنف القاعدي إرهاباً، ولا يكون تحرك «حزب الله» أو مقاتلي «أبي الفضل العباس» إرهاباً؟ّ وتُظهر روسيا سخطاً شديداً على الإرهاب السني وحسْب. وإذا قلنا إنّ لروسيا مصالح في هذا السخط الذي تُظهره، فماذا عن الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تقدمان مصارعة «الإرهاب»، ولو بواسطة إيران وتنظيماتها، على إمكانيات إنهاء العنف من النظام السوري وخصومه على حد سواء؟!

خلال سنتين، تدخل الخليجيون من خلال الجامعة العربية، ومن خلال التصرف في البحرين واليمن ومصر. كما بذلوا جهوداً دبلوماسية كبرى لإنهاء العنف في سوريا، وحفظ أمن الأردن ولبنان. وبينما وقفت إيران في مواجهة كل تلك الجهود لإنهاء العنف، سارعت الولايات المتحدة للسير وراء الروس (والإيرانيين عملياً)، بحيث استمر العنف وتعذرت الحلول والتسويات.

لقد قامت إيران إذن بهجمة في دول «الربيع العربي» وجوارها لمنْع التغيير، ولتثبيت الوضع الذي كان قائماً لصالحها. وبينما تُسارع إيران لعرض خدماتها على الولايات المتحدة من أجل مكافحة الإرهاب، يسارع الروس والأميركيون وبعض الغربيين إلى قبول التعاون مع إيران ضد الإرهاب، لكنّ هذه الجهات المعنية بالأمن الدولي، لا تحرك ساكناً لإنهاء العنف الذي تصرُّ إيران على تسعيره. لقد كان المأمولُ أن يسارع الدوليون لفرض تسوية توقفُ عنف النظام السوري، لكنهم بدلا من ذلك راحوا يطبطبون على أكتاف الأسد وإيران. وقد كان المنتظر أن يستطيع العرب التدخل للهدف نفسه؛ لكن الذي حصل أنهم ما تمكنوا من ذلك في سوريا وفلسطين، إما لسبب تخاذُل الدوليين، أو لأن العنف فرض نفسه تارة مع إيران، وتارةً في مواجهتها.

وهكذا يبدو المشهد اليوم على النحو التالي: انطلاق حركات التغيير، واختلاف مواقف الدوليين والإقليميين منها. ثم تقدم الإيرانيين الصفوف في المخاصمة، وما لبث الدوليون أن انضموا إليهم. وراح العرب بالتدخل وبالدبلوماسية يحاولون مواجهة إيران والعمل على تغيير توجهات الدوليين. وبذلك وبسبب الضغوط المتضادة؛ فإن الجمود خالط سائر الجبهات. ولتحريك الموقف لصالحهم فإن الإيرانيين ضغطوا على الجبهات كلها، وليس من جانب القوى التابعة لهم فقط؛ بل ومن جانب المعاديين لهم ظاهراً وهم الجهاديون. ومع الوقت ظهرت على السطح الصدامات الشيعية السنية، ولا تزال مستمرةً حتى الآن. وهكذا فبينما يبدو «الجهاديون» مشتبكين مع الإيرانيين (والدوليين)؛ فإنهم في الواقع يزيدون من الضعف والإضعاف، بحيث تبدو البلدان سائرةً نحو الفوضى. ولذا كان ظهور الجهاديين ولا يزال عامل ضعف تظهر تداعياتُهُ لدى العرب وعليهم، وسيتجاوز الأمر ذلك إلى المزيد من الخسائر بالمعنى الاستراتيجي. بيد أن الغنيَّ عن البيان أن حلول الأزمات يقود منطقها ضرورة خروج الإيرانيين منها، وكذلك خروج خصومهم من الجهاديين.

رضوان السيد

باحث لبناني