الجنيه، بين التعويم وتقطيف الملوخية!

على حد فهمي البسيط، ولست إقتصادياً متخصصاً، فأن أحد الأسباب الرئيسية لإنهيار الجنيه في مواجهة الدولار هو إنعدام الإنتاج والإعتماد على موارد متذبذبة لجلب النقد الأجنبي ليس للنظام يد فيها ولا جاءت نتاج تخطيط أو تنمية، كالجلوس في إنتظار عوائد السياحة مثلاً أو قناة السويس أو تحويلات العاملين بالخارج، ذلك إلى جانب إنفاق الإحتياطي من العملة الأجنبية على مشاريع غير إنتاجية أو في مشتروات ليست ذات قيمة عملية في نطاق تفاعلات البيئة المصرية، رغم أن كونه "إحتياطي" معناه أنه يجب ألا يُمَسّْ تحت أية حال، اللهم إلا في حالات الضرورة القصوى، كالحفاظ على الأمن القومي مثلا داخلياً أو خارجياً.

فالفكرة، كما أفهمها، أشبه بنظرية الأواني المستطرقة، يتساوى فيها سعر الدولار في مواجهة الجنيه، نسبياً، وترتفع فيها قيمة الجنيه وقوَّته حسب حجم إرتفاع الإحتياطي الدولاري في البنك المركزي، شرط أن يكون إرتفاعاً جاء نتيجة تراكم تدفقات عوائد إنتاجية، وليس نتاج قروض أو ودائع أجنبية.

أما نقص الإحتياطي من العملة الأجنبية فيعني، على حد فهمي، التناسب العكسي بين مناسيب السائل داخل الأواني المستطرقة، أي الخلل الجسيم في تطبيق النظرية، إلى جانب تحوُّل العملة الأجنبية من عملة إلى سلعة في مواجهة العملة المحلية، وذلك أخطر ما يمكن أن يواجه إقتصاد أية دولة.

إذاً، فإستهلاك الإحتياطي الأجنبي في أوجه إنفاق غير رشيدة، إلى جانب إنعدام تنميته بجلب العملة الأجنبية عن طريق تصدير أي منتج محلي، إضافة إلى عدم إعتراف المسئول بالخطأ في شيء من ذلك، تمثل جميعها بعض أسباب الأزمة التي لن يكون حلّْها فقط في تعويم الجنيه، كما يروِّج البعض واعداً بالفردوس المصري كذباً وتضليلاً، ببساطة لأن الجنيه لا يمتلك ظهيراً إنتاجياً، ولو متواضعاً، يدعم مركزه الواهن الواهي في مواجهة العملة الأجنبية بعد تخلِّي الدولة عن حمايته، ومن ثم ستتوالى نسب هبوطه مستقبلاً بعد إنتهاء فترة "شدة الغربال الجديد"، اللهم إلا إذا تم تدعيم قرار التعويم بدعائم إنتاجية حقيقية، وذلك هو أحد مسوغات مفهوم "الدولة" ومبررات كونها "دولة".

غير ذلك فالأمر أشبه بلعبة مقامرة على جنيه واحد مثلاً، إقترضته، أو عثرت عليه صدفة، مجموعة من اللاعبين، فدار عليهم، هو نفسه، بين مكسب وخسارة دون ضخ أي قرش إضافي داخل إطار اللعبة، وفي النهاية ملَّ اللاعبون فقرروا إنفاقه، أي خسارته، في سلعة إستهلاكية، ليعودوا بعدها في إنتظار جنيه جديد يأتي صدفة دون جهد أو عمل!

الشاهد أن أغرب ما جاء في باقة قرار التعويم هو رفع الفائدة على المدخرات البنكية بنسبة 20%، بحجة "سحب السيولة من السوق"! ذلك في بلد يمثل إنعدام الإنتاج مشكلته الأولى والثانية والثالثة إلى ما بعد العاشرة، وهي نسبة يستحيل أن تتحقق من أي عمل إنتاجي شريف أو عبر تجارة حلال، فلماذا إذا نعمل ونشقى وننتج؟!

لذلك أتصور أن إغلاق المصانع والمزارع وتسريح العمالة وإيداع رؤوس الأموال في البنوك بفائدة الـ 20% وإنتظار عائدها الشهري، وترك إدارة الإقتصاد للقوات المسلحة، مع تضييع الوقت في مشاهدة التليفزيون ومساعدة الحاجَّة في تقطيف الملوخية، والتركيز في فنون المطبخ، سيكون هو الأكثر جدوى ونفعاً وراحة للبال، والأوسع جمعاً لمفاهيم الجلوس في المنازل تنميةً للترابط الأسري.