الجنون فنون واللوحات الفنية تخرج عن اطارها‏

باريس - من سليمان الراشد‏
عالم غريب، يبحث فيه رئيس الوزراء الفرنسي عن اللوحات

مع التحولات التي نشهدها بكافة نواحي حياتنا المعاصرة ‏ ‏فليس من المستغرب أن يخرج الفن عن أنماطه التقليدية لتصبح اللوحة بفضل ‏ ‏التكنولوجيا الحديثة مجرد شاشة كمبيوتر أو لتكون أمامك تتلمسها بأناملك دون اطار.
ويحقق المتحف القومي للفن الحديث "القرن العشرين" بمركز بومبيدو في باريس ‏ ‏لرواده وزائريه امكانية الولوج فيما يعرضه من أعمال فنية لتتحول من متمعن في ‏ ‏خباياها الى جزء منها في أحيان كثيرة.
ويشدك منذ الوهلة الاولى الشكل غير التقليدي للبناء وتلك الخراطيم الشفافة ‏ ‏العملاقة التي تحوي سلالم كهربائية تنقلك بين طوابق مركز بومبيدو الذي يحمل اسم ‏ ‏الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو.
وتضم طوابق المركز الستة صالتين للمعارض وأخرى للسينما ومعرض بيع الهدايا ثم ‏ ‏المكتبة التي تحتل الطابقين الثاني والثالث فيما يحتل متحف الفن الحديث طابقه ‏ ‏الرابع يليه متحف فني اخر يضم لوحات من العام 1905 وحتى عام 1960 ومقهى مكشوف ‏ ‏وأخيرا صالات العرض الاربع التي يضمها الطابق السادس.
وما يعرض في متحف الفن الحديث الذي يتخذ من حيوان الخرتيت باللون الاحمر شعارا ‏ ‏له يخرج عن أشكال الاعمال الفنية التي يمكنك مشاهدتها في متحف اللوفر الشهير أو ‏ ‏في غيره حيث سيذهلك رؤية لوحات تتعدى حدود المكان أو الزمان أو الاثنين معا وقد ‏ ‏ترى مجسمات أو شاشات سينمائية أو خربشة بالالوان على حائط هنا أو كوم حبال هناك.
وقد تدخل احدى صالات المتحف فتظن أنها تحت الصيانة حيث الخراطيم هنا ‏ ‏وهناك وبعض قطع الغيار المتناثرة وأدوات الحفر لتكشف لك بطاقة التعريف المعلقة ‏ ‏بأن هذا عمل فني صنعه الفنان جيان تونغلي عام 1984 ويحمل عنوان "جهنم .. بداية ‏ ‏صغيرة".‏
كما ستشاهد حتما تلك الصناديق الي رصت فوق بعضها فتعتقد أن أحدهم يحزم أعماله ‏ ‏تمهيدا لرفعها من هنا ولكنها مجرد عمل فني أبدعه دانييل بيورين عام 1985.‏
وستلفت نظرك حتما تلك الاشكال والقطع الخشبية التي ركب بعضها فوق الاخر أو ‏ ‏تركها نجار الى جانب بعضها لتدرك أنها عمل فني يرمز الى شيء ما يريد منك دونالد ‏ ‏جود أو كارل أنرديه أو سول لوييه أن تدركه.‏
وستقف لدقائق على الاقل وأنت تتمعن في تلك العصا الخشبية العملاقة وقاعدتها ‏ ‏البرونزية حتى تعرف أنها تجسيم لساق طائر النعام جسدتها أصابع الفنان لوشيانو ‏ ‏فابرو الذي ولد في تورين عام 1936.
ولن يفوتك أن ترى تلك الاكياس المملؤة بالتربة الزراعية الحمراء والتي كومها ‏ ‏الفنان ماريو ميرتز عام 1968 فوق بعضها وكتب عليها عبارتين باللون الابيض فبدت ‏ ‏كفطيرة عيد ميلاد مزينه وأسماها "غلاب ايغلو".
ولكن الاغرب واكثر اثارة هي شاشات الكمبيوتر تلك التي تجعلك تعتقد أنك داخل ‏ ‏نادى للانترنت أو محل لبيع أجهزة الكمبيوتر وما ان تلمس شاشتها حتى تنهال على ‏ ‏ناظرك صور متتابعة لاعمال فنية رقمية‏ ‏ كما ستشاهد لوحات فنية مرسومة من المدرسة السريالية لاسماء أثارت جدلا ‏ ‏واسعا في الاوساط النقدية كالراحلين بيكاسو وسلفادور دالي وستتسمر قدماك أمام ‏ ‏لوحات لفنانين أخرين وفضولك يدفعك لمحاولة كشف غموضها وفك رموزها أو على الاقل أن ‏ ‏معرفة ما اذا كان الكائن المرسوم انسانا وهل هو ذكر أم أنثى.‏
وقد يعتقد الكثيرون أن مثل هذا المتحف فارغ أو لا معنى لزيارته ولكنك ستكتشف ‏ ‏خطأ حساباتك وأنت تقف في طابور طويل لقطع تذكرة الدخول ومن ثم طابور أطول لدخول ‏ ‏المتحف الذي يعد الاكثر ازدحاما بالزائرين.‏
كما أن زيارة واحدة قد لا تكفي لسبر أغوار هذا المتحف حيث يجد المرء نفسه في ‏ ‏اليوم التالي داخله محاولا أن يفكر ويمعن النظر فيما شاهده بالامس ويمكنه أن يدخل ‏ ‏الى المكتبة ويشتري كتابا أو أكثر عن سيرة فنان ما أو دليل الاعمال أو أن يشتري ‏ ‏صورا منسوخة عن أعمال أعجبته.
وعند مغادرتك فان الساحة المقابلة لمركز بومبيدو مكتظة بفنانين يفترشون الرصيف ‏ ‏وينادون المارة لرسمهم أو بيعهم لوحات قد تشاهدها بعد سنوات طويلة داخل المتحف ‏ ‏الذي كنت فيه. (كونا)