الجنود الروس في الشيشان: دموع وقهر ووحشية

غروزني (روسيا) - من ديميتري زاكس
حياة عسكرية مليئة بالمخاطر

تنهمر الدموع على وجه القائد الروسي الشاب اندري وهو يتناول جرعة اخيرة من الفودكا قبيل الفجر ليروي كيف يرد الى العائلات جثث الجنود الذين يسقطون في الشيشان.
ويقول الضابط البالغ من العمر 22 عاما وتم تعيينه في قاعدة روسية في غروزني عاصمة الشيشان، ان "خمسة اشهر مضت منذ وصولي قتل خلالها سبعة من جنودي تحت امرتي".
ويقول رب العائلة الشاب ان "الامهات ترددن السؤال نفسه: لماذا ما زلت انت على قيد الحياة بينما ابني قتل؟". ويضيف وهو يخفي وجهه خلف يديه "ماذا عساي اقول لهن؟".
فقد ارسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأييد غالبية من الشعب الروسي قبل اربع سنوات قواته الى الجمهورية الصغيرة الواقعة في القوقاز واعلن بعدها ان هذه الحرب الجديدة انتهت وانتصرت فيها روسيا.
ولاثبات عودة الحياة الى طبيعتها في الشيشان، نظم بوتين هذه السنة استفتاء وانتخابات رئاسية اثارت جدلا كبيرا. وعلى الرغم من ذلك تبقي موسكو عشرات الآلاف من الجنود منتشرين في الشيشان حيث يتعرضون لعمليات واطلاق نار من قبل المتمردين.
وازاء هذه المخاطر، يسيطر الخوف على العسكريين الروس الذين يحاولون اخفاء ذلك متظاهرين بالبسالة والشجاعة، مما يحملهم احيانا على تعنيف الجنود الصغار وقمعهم.
ويواصل اندريي سرد قصته وهو يرتعد بينما يهم ديميتري وهو ضابط آخر كان يجلس عاري الصدر الى جانبه، بالاتصال هاتفيا بمجند شاب على الرغم من تأخر الوقت، ليأمره باحضار المزيد من الفودكا.
واستهلاك الكحول محظور داخل القاعدة العسكرية، غير ان لا احد يكترث بالقوانين.
ويبادر ديميتري بالحديث بقسوة الى المجند الذي دخل الثكنة من احدى النوافذ وهو يحمل زجاجة الكحول المطلوبة. ويقول له بفظاظة "ألم تكتف بعد ام تريد ان احطم وجهك مرة اخرى؟".
يعتذر الجندي الشاب لعدم تمكنه من جلب الفودكا بسرعة اكبر ثم يضع يده على الطاولة ويقف منتظرا العقاب.
فيقول ديميتري وهو يسدد لكمة قوية الى المجند على ذراعه "لن احطمه هذه المرة". ويضيف بعدها بلا مبالاة "يجب ان يتعلموا احترام القانون"، بينما يكتفي المجند بالابتسام.
وبعد بضع جرعات من الفودكا، يصب الرجال الثلاثة جام غضبهم على "العدو"، وهم لا يعنون بذلك المتمردين الشيشان بل الجنرالات الروس والدولة الروسية.
فعندما اعلن بوتين انتهاء "عملية مكافحة الارهاب"، قطعت عن الجنود تلقائيا العلاوات التي كانوا يتقاضونها لقاء مشاركتهم في المعارك.
ويقول ديميتري متذمرا "الحرب لم تنته، لكن الاجور توقفت".
ويقول بعض الجنود من جهة اخرى ان الجنرالات يمنعونهم من الاتصال باقربائهم خشية ان يخبرونهم عن حياتهم اليومية وصعوباتها.
ويؤكد اندريي ان القيادة رفضت منحه عطلة وانه لا يتقاضى سوى عشرة دولارات من اجره الشهري الذي يفترض ان يساوي مئة دولار. ويوضح "المبلغ المتبقي يتبخر ويستخدم لشراء تجهيزات عسكرية ولبناء هذه القاعدة".
وقتل حوالي خمسة آلاف جندي منذ بدء حرب الشيشان الثانية في تشرين الاول/اكتوبر 1999، حسب حصيلة رسمية، في حين تقدر منظمات الدفاع عن حقوق الانسان حصيلة القتلى بـ15 الف جندي وعشرات الآلاف المدنيين.
ومع ان العسكريين المنتشرين في الشيشان يعتبرون ان رؤساءهم خدعوهم، الا انهم لا يشعرون في المقابل باي تعاطف مع الشيشان.
وقال ديميتري متحدثا عن المتمردين الشيشان "انني جالس هنا لكنني انتظر بفارغ الصبر العودة الى الجبال لتحويل بعضهم الى اشلاء".
ويؤكد "اننا هنا لنخدم الدولة"، ويهز اندري رأسه موافقا.