الجنوب التونسي يقود انتفاضة الفقراء الجدد

انتفاضة المحرومين

تونس ـ بعد يومين فقط من تولي حكومة الحبيب الصيد الائتلافية التي تضم علمانيين وإسلاميين، قتل مواطن بالرصاص الحي خلال احتجاجات يقودها أهالي الجنوب الفقراء والعاطلين، مطالبين بالتنمية وبالتشغيل وبمستوى معيشة يحفظ كرامتهم في ظل تدني مؤشرات التنمية البشرية إلى الحضيض، حتى أن نسبة الفقر المدقع فتكت بأكثر من 60 المئة من السكان بعد أن كانت في حدود 30 بالمئة قبل سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2010، إثر انتفاضة شعبية طالبت بالتنمية والحرية.

وتصاعدت موجة الاحتجاجات على امتداد أسبوع كامل وتوسعت لتشمل عددا من البلدات والقرى خاصة منها المتخمة للحدود الشرقي للبلاد المحاذية للجارة ليبيا لتتحول إلى مواجهات مع قوات الأمن التي استخدمت الرصاص الحي لتفريق المحتجين. وقتل خلال تلك المواجهات أحد المتظاهرين ما أثار غضب الأوساط السياسية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي طالب بفتح تحقيق حول "الاستعمال المفرط للقوة" ضد محتجين يطالبون بالشغل والتنمية وتحسين مستوى المعيشة.

ولئن كانت الشرارة الأولى التي أشعلت انتفاضة أهالي الجنوب تعود إلى رفضهم لرسوم مالية فرضتها الحكومة على مغادري التراب التونسي من الأجانب باتجاه ليبيا التي فرضت بدورها رسوما مماثلة على التونسيين، فإن تلك الشرارة أعادت لأذهان التونسيين شرارة اندلاع انتفاضة 14 يناير 2010 حين أقدم بائع الخضار المتجول محمد بوعزيزي على حرق نفسه في مدينة سيدي بوزيد المحرومة، احتجاجا على منعه من ممارسة مهنته.

ويجمع السياسيون والخبراء على أن الانتفاضة التي يقودها أهالي الجنوب تعود إلى "انعدام مؤشرات التنمية الحقيقة وتوسع رقعة الفقر وتدهور المقدرة الشرائية جراء التهاب الأسعار وانتشار البطالة في صفوف الكهول والشباب مما هيأ أرضية للتهميش الاجتماعي، قادت إلى حالة من الاحتقان والغضب الشعبي على السلطات التي لم تبادر خلال السنوات الأربع الماضية إلى تقديم حلول مجدية للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الأهالي".

وإزاء تفجر الأوضاع واشتداد حدة المواجهات وهي مواجهات مرشحة لمزيد من التصعيد أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثلاثاء 10 فبراير/شباط تكوين لجنة متعددة الاختصاصات تضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني تنقلت إلى محافظتي مدنين وتطاوين لمتابعة الأحداث وتحسس المطالب الاجتماعية والاقتصادية للأهالي على أن يتم إعداد تقرير ميداني يتم نشره لا حقا في وسائل الإعلام.

ويطالب أهالي محافظتي مدنين وتطاوين بإلغاء الرسوم الجبائية والسماح بعودة التجارة مع ليبيا وتونس وبحق الجهتين في التنمية المستدامة والشاملة والحق في الشغل وبتحسن مستوى المعيشة التي تدهورت إلى أدنى المستويات جراء الارتفاع المشط للأسعار ما جعل أغلبهم عاجزا على توفير ما يسد الرمق، في ظل أزمة عامة تعصف بالبلاد مند أربع سنوات.

وفد حكومي لـ\'شراء\' التهدئة

ودفعت خطورة الأحداث وتصاعد منسوب الاحتجاجات حكومة الحبيب الصيد إلى إرسال وفد حكومي يتكون من وزيري التنمية والاستثمار الدولي ياسين إبراهيم والمالية سليم شاكر اللذين يؤديان زيارة الاربعاء إلى مدنين وتطاوين للاطلاع على مشاغل المواطنين من خلال عقد لقاءات واجتماعات مع عدد من الأهالي ومنظمات المجتمع المدني والسلط الجهوية والمحلية، في مسعى لتنفيس الاحتقان وتطويق انتفاضة لا يستبعد أن تتسع رقعتها لتشمل مختلف الجهات المحرومة.

وجاء تحرك الحكومة في أعقاب إضراب عام شهدته الجهة الثلاثاء كان دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل بمساندة منظمة أرباب العمل الأمر الذي أضفى الشرعية على الانتفاضة الشعبية التي تعد الأولى من نوعها في الجنوب التونسي، لكونها تعد مؤشرا قويا على مدى خطورة الوضع وهشاشته الاقتصادية والاجتماعية ما يجعله قبلا للانفجار في أي لحظة.

وأخذت الاحتجاجات الشعبية منحى سياسيا حين تظاهر الأهالي في مسيرتين متزامنتين في مدينة تطاوين ومدينة بن قردان المتاخمة للحدود مع ليبيا، منددين بتدخل قوات الأمن ضد المحتجين، ومطالبين بتنمية المناطق الحدودية جنوبي تونس وبتيسير الإجراءات الجمركية المتعلقة بالتجارة مع ليبيا، باعتبارها المورد الوحيد لغالبية السكان، وتخصيص جزء من العائدات التي يتم تحصيلها من معبر رأس جدير الحدودي للتنمية المحلية.

ويقول أهالي المناطق الواقعة على الحدود مع ليبيا إن ضريبة المغادرة أضرت بهم إذ قررت السلطات الليبية الرد بالمثل.

وكانت حكومة الحبيب الصيد أعلنت الاثنين أنها ستنظر في تعليق العمل بالضريبة المفروضة على الأجانب المغادرين، ويفترض أن يشمل التعليق مواطني دول المغرب العربي، كلها أو بعضها.

وتعد "انتفاضة الجنوب" أول "اختبار" شعبي لحكومة الصيد في مواجهة احتجاجات مرشحة لأن تتصاعد وتتوسع خلال المرحلة القادمة باعتبار أن أهالي الجهات المحرومة نفد صبرهم على السلطات وباتوا يطالبون بتوفير حلول عاجلة للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية وتدني مستوى التنمية.

وفي غياب برامج تنموية ومشاريع استثمارية تخفف من وطأة الفقر وتمتص البطالة يضطر أهالي الجنوب إلى توفير قوتهم اليومي من الاتجار مع ليبيا سواء بصورة قانونية أو من خلال التهريب وخاصة تهريب الوقود من ليبيا وهو تهريب ذو مردود عال لا يمكن للسكان العيش من دونه.

ويؤكد خبراء التنمية الاجتماعية أن مستوى عيش أهالي الجنوب وخاصة سكان محافظتي مدنين وتطاوين ارتبط تاريخيا بـ"التجارة مع ليبيا سواء عبر القنوات الرسمية التي تتحكم فيها الدولة وتراقبها أو عبر التهريب الذي يعد الطريقة الوحيدة المتوفرة للأهالي سواء لضمان موارد الرزق او لتوفير مواد استهلاكية مثل المعجنات والحليب والسكر والزيت وهي مواد ذات أسعار منخفضة جدا بالمقارنة مع ما هو موجود في تونس".

ومما يضفي على الاحتجاجات أبعادا سياسية هو ان الرأي العام لأهلي الجنوب يشعر بأن "الدولة همشت كثيرا الجنوب لا اجتماعيا فقط وإنما سياسيا إذ لم تحض الجهة لا بمشاريع تنموية قادرة على تحسين مستوى المعيشة ولا بإشراكها مشاركة في فاعلة في مراكز القرار على خلاف ما هو معمول به في العاصمة أو في المحافظات الكبرى مثل صفاقس وسوسة وقابس والمهدية".

تضاعف نسب الفقر

وتظهر البيانات الرسمية وبيانات منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل أن مؤشرات التنمية في الجنوب هي الأشد انخفاضا في البلاد، فنسبة الفقر تتجاوز 60 في المئة وهي تتجاوز 70 في المئة في القرى وفي الأرياف الصحراوية.

ومقارنة مع فترة ما قبل الثورة كانت نسبة الفقر في الجنوب تتراوح في حدود 30 ونسبة الفقراء من مجموع فقراء البلاد تناهز 33 بالمئة، لكن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد مند أربع سنوات وسعت رقعة الفقر بنسبة 30 بالمئة ليظهر فقراء جدد قادمين من عدد من الفئات مثل الأجراء وصغار الموظفين وصغار الفلاحين والتجار الأمر الذي حدا بالمحللين السياسيين إلى وصف الاحتجاجات بأنها "انتفاضة الفقراء الجدد بالجنوب".

وفي ظل غياب برامج تنموية ومشاريع استثمارية توفر مواطن الشغل، تسجل البطالة في الجنوب نسبا مرتفعة حيث تصل إلى 83 بالمئة وأغلب العاطلين من حملة الشهادات الجامعية العليا.

وأمام انسداد آفاق التشغيل في تونس يدفع البحث عما يسد الرمق بالعديد من العاطلين إلى امتهان تجارة التهريب مع ليبيا باعتباره الحل الوحيد للاسترزاق وتحسين مستوى العيش في جهة يعيش فقراؤها على دخل شهري للأسرة الواحدة لا يتجاوز 250 دينارا أي حوالي 180 دولارا .

ويعد نقص خدمات الصحة الأساسية إحدى أهم معضلات تدني مؤشرات التنمية حيث لا يتوفر سوى طبيب واحد لكل 1.594 إلى 3.002 ساكن فيما لا يتوفر سوى مركز صحة أساسية واحد لكل 4.309 إلى 5.543 ساكن.

وأظهرت دراسات ميدانية أجرتها مؤسسات إقليمية ودولية أن أهالي عيش أهالي الجنوب مرتبط شديد الارتباط بالحركة التجارية مع الجارة ليبيا مشددة على أن دلك النشاط الاقتصادي يساعد كثيرا في تنفيس الاحتقان الاجتماعي والتخفيف من الضغوطات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة التي تعاني منها البلاد مند أربع سنوات.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2013، قال البنك الدولي في تقرير له "إن التهريب والتجارة الموازية يمثلان أكثر من 50 بالمئة من المبادلات التجارية مع ليبيا"، ملاحظا أن "هدا النوع من النشاط يضطلع بدور اقتصادي واجتماعي في المناطق الحدودية حيث تعد التجارة غير الرسمية من الأنشطة الاقتصادية المهمة".

وتساور السلطات التونسية مخاوف من أن تتوسع دائرة الاحتجاجات التي يشهدها الجنوب لتشمل عددا من الجهات المحرومة الأخرى مثل قفصة والقصرين وسيدي بوزيد وسليانة خاصة وأنها تتقاسم فيما بينها نفس الاحتقان، في ظل غياب أية برامج اقتصادية واجتماعية تخفف من التوتر وتفتح آفاق جديدة أمام فئات هشة تشعر بلامبالاة السلطات.