الجنس في الدراما السورية: إثارة مجانية أم كشف للمستور؟

دمشق
'للمبدع الحق بتناول ما يريد وللمتلقي رؤية ما يريد'

تثير الدراما السورية هذا العام إشكاليات عدة حول المواضيع التي تتناولها، ويرى البعض أن الجرأة في تناول القضايا الاجتماعية بشكل خاص (الدعارة وأزمة الشرف) بلغت مستويات مرتفعة قد لا تناسب الدراما التي يُفترض أنها "فن عائلي" يُعرض على وسيلة جماهيرية وبالتالي يجب أن يراعي الجانب "الأخلاقي والاجتماعي".

ويؤكد موقع "دي برس" أن القاسم المشترك بين جميع الأعمال الدرامية السورية المعاصرة هذا الموسم هو أزمة الشرف والانحدار الأخلاقي في المجتمع "حيث تم تسليط الضوء على تلك القضية ولو بالـ"المطمطة" أحياناً لجذب أكبر عدد من المشاهدين".

ويضيف "جميع المسلسلات الدرامية المعاصرة على اختلاف مشاربها تناولت أزمة الأخلاق وحكايات الدعارة بشكل علني أو عبر تمرير قصة في خضم أحداث مثيرة أخرى، فمسلسل 'الخبز الحرام' على سبيل المثال كُرّس بأكمله ليعرض قصص متنوعة الأحداث عن علاقات غير شرعية تنمو في المجتمع السوري (الريف والمدينة)، وهو الحال نفسه الذي يعرضه المسلسل المثير للجدل 'ما ملكت أيمانكم' الذي أظهر ازمة شرف عارمة تعاني منها بنات الجيل على اختلاف الطبقات المخملية والفقيرة".

وتثير الأعمال السورية ردود فعل متباينة لدى الجمهور السوري، فالبعض يرى أنها تحول تسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي يعاني منها المواطن، فيما يرى البعض الآخر أن جرعة الجنس الكبيرة التي تتجلى في أغلب الأعمال غير مبررة ولا تناسب الموسم الرمضاني.

ويعلق أحمد ببيلي على إحدى المواد المنشورة في موقع "سيريا نيوز" بقوله "التلفزيون السوري والمسلسلات السورية باتت ضيفاً ثقيلاً وغليظاً يقتحم المنازل، وخاصة في شهر رمضان حيث تعرض الكثير من المشاهد المنافية للأخلاق كتقديم شباب مراهقين يشربون الخمر ويرقصون في ديسكو دون مراعاة لحرمة الشهر الفضيل".

ويرى بهاء(معلق) أن ما تقدمه الدراما ليس لخدمة المجتمع فـ"نحن لسنا ضد عرض هذه الأشياء من لقطات الفحش والعربدة، ولكن المشكلة هي أن تصبح محور الدراما السورية حيث لا يخلو مسلسل تقريباً من هذه المواضيع، في حين تغيب مواضيع أهم منها كتخلف المناهج التعليمية،وأتساءل أليس من حق العائلة السورية اختيار طريقة توعية أبنائها فربما ليست هذه هي المواقف الملائمة دائماً، فضلاً عن أن طريقة المعالجة والطرح تكون غير مناسبة كمسلسل تقوم البطلة المحبوبة فيه بممارسة الفاحشة".

وتقول الصحفية سعاد جروس إن "تجدد قاموس الشتائم السورية في الدراما بسيل من الألفاظ والمصطلحات فاض عن الحاجة الدرامية والفنية، في منافسة محمومة مع لغة الشارع السوقية.

وتضيف في مقال لها بمجلة "الكفاح العربي": "ظهر اجتهاد في ذكر الشتائم البالغة السوقية كتلك الكلمة التي تبدأ بحرف (ط) والتي صار يكنى عنها بصوت توت (كناية عن كلمة سيئة) فتجد حوارات أحد المسلسلات مثل شارع مزدحم بالسيارات يضج بالزمامير توت.. توت، فعلاً إنها لغة تستحق الترويج والتعميم في الدراما السورية لتعكس صورة صادقة عن مجتمعاتنا الفاضلة ! وتنسجم مع الفواصل الإعلانية التي تروّج لصناعة العلكة المزدهرة، لا بل تستحق أن يخرج مجمع اللغة العربية من خموله وينشط لتشكيل لجنة لتأليف معجم 'الطامة في ثرثرة الدراما'!

وتشير صحيفة "الوطن" إلى أنه "لا يكاد يخلو مسلسل سوري من مشاهد تقترب من حدود 'أفيون العصر' وهو الجنس الذي تحوّل من حكم رابع إلى حكم ساحة يتحكم باللعبة كلها، هناك أعمال كاملة قامت على حدث جنسي والجنس يقود أغلب الشخصيات في الأعمال الدرامية السورية فهو الأساس الذي تبنى عليه تصرفاتها وانفعالاتها وحتى 'باب الحارة' الذي كان يفخر صنّاعه أنه بعيد كل البعد عن ويلات هذا 'المرعب' تضمن مشاهد جنسية مخجلة لم تكن في محلها من قبيل أن فلانة 'زهّرت".

ويؤكد علي سفر مدير قناة "سورية دراما" وجود مبالغة في الحديث عن مضامين هابطة تضمها الدراما السورية و"التعميم غير صحيح".

ويضيف لموقع "سيريا نيوز": "لكل عمل سويته الخاصة، ولو كانت الدراما السورية كلها ذات مضامين هابطة لما نجحت في الوصول إلى الجمهور، والحديث عن ترويج للفساد الحياتي والأخلاقي (بغض النظر عما نعنيه بهذا الفساد وعن رأينا فيه) هو شيء يمكن أن نحيله إلى من يرفضون الفن كله".

ويتساءل سفر "كيف يمكن للبشر أن يصنعوا فناً معلباً ومحدد المواصفات بطريقة سبقية؟ وكيف يمكن أن نفرض على الكتاب والمخرجين أن يصنعوا الفن الذي يريده أولئك الذين يرفضون ظهور هذه الثيمات الحياتية والتي تنتمي للسياق الحياتي الذي تعاني منه كل المجتمعات بسبب أزماتها، ألا تشكل مطالب هؤلاء أجندة رقابية تحد من الحريات الإبداعية"؟

ويرى أن لكل مبدع الحق بتناول ما يريد وللمتلقي أن يرى ما يريد أيضاً "لاتنسوا أن على القنوات التي تعرض الدراما التقيد بتوضيح سن المتابعة والذي تعمل وفقه بعض القنوات التخصصية المشفرة فهذا يحل كثير من المشاكل التي تتحدث عن تأثير الدراما و السينما على العائلة".

وترى الباحثة ندى البني أن أي مجتمع لا يخلو من مفاسد أخلاقية واجتماعية، ولكن المسألة تكمن في ضرورة كشفها ولفت النظر لها وهدفنا من هذا الكشف.

وتضيف "الوجه الثقافي الحضاري الذي رافق زمن عزتنا كانت تسوده قيم دينية تعلي قيمة الستر وعدم المجاهرة بالمفاسد سواء بما يتعلق بالجسد أو في غيرها، ولكن الملاحظ لموقف الإسلام من التحدث بالفاحشة يجد أن ردة الفعل تعظم ليس من مجرد فعل الفاحشة وإنما بتوفر شهود عليها والتحدث بها، فوجود الفاحشة بشكل مستور لا يعلم به أحد هو إبقاء لها في حدودها الدنيا".

وترى أن المشكلة ليست في وجود هذه المفاسد وإنما في جعلها محور الأعمال الدرامية، وطرحها بطريقة تسهل تقبلها وشيوعها "لأنه لا يخفى على أحد أن جعل هذه الأمور محور الأعمال الدرامية يجعل الأدوار الدرامية متركزة عليها لتعكس نسبة من المتجاوزين ليست هي النسبة الواقعية مهما حاول المُحصنون كشف المستور، ثم ما هدفنا من عرض هذه الأمور"؟

وتضيف "عادة ما تعالج بعض المشاكل النفسية الناجمة عن كتمان مكنونات النفوس بالمساعدة في الجهر بها وذلك بهدف تجاوز الألم الداخلي الفردي، لكن هذا سيقودنا بعيدا عن الترفع أو الإقلاع عنها إلى تقبلها والسماح بها، وإننا إذ نذكر هذا نضع كل أخلاق الفساد سوية من سرقة المال العام و الرشوة إلى المفاسد الجنسية والعلاقات المحرمة".