الجنسية: فلسطيني مقيم في لبنان

بقلم: فيصل جلول

لا تجمع الطوائف اللبنانية على شيء كإجماعها على الموضوع الفلسطيني ليس بوصفه عنوانا لقضية العرب والمسلمين فللبنان يلتزم الموقف العربي على هذا المستوى وإنما بكونه قضية لبنانية موروثة من الحرب الأهلية وخاضعة للحد الأقصى من الرقابة والضغوط من جهة و موروثة من الانقسام اللبناني ـ اللبناني من جهة أخرى حول هوية البلد وعلاقاته الخارجية وموقعه في الصراع العربي ـ الإسرائيلي قبل الحرب.هكذا تحول الفلسطينيون في لبنان من قضية تنقسم حولها الطوائف قبل الحرب إلى قضية تجمع عليها بالمعنى السلبي بعد الحرب. ولعل دواعي الإنصاف تقتضي تمييز حزب الله عن غيره فهو يلتزم في هذه القضية موقفا مشرفا وان كان أقلويا في اللعبة السياسية المحلية.
الواضح أن الموقف السلبي اللبناني من الفلسطينيين تشكل تدريجيا خلال الحرب عبر اعتبار الميليشيات اليمينية أنها تخوض صراعا وطنيا ضد الفلسطينيين في حين انتقلت ميليشيا أمل في العام 1986 من التحالف معهم إلى الصراع المفتوح على النفوذ في المناطق المسلمة بتغطية سورية حتى العام 1987. وما أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها حتى تبين أن الفلسطينيين هم الخاسر الأكبر من هذه الحرب وتتمثل خسارتهم في الخطوط العامة التالية:
أولا: منعوا من الاندماج في السوق اللبنانية فلبنان يطبق لائحة وضعت بإشراف الرئيس الراحل بشير الجميل تشمل 70 وظيفة لا يجوز للفلسطيني العمل فيها و تتراوح بين طبيب الأسنان وناطور العمارة إلى سائق التاكسي ..الخ.
ثانيا: صدر تشريع لبناني يمنع الفلسطيني من تملك شقة سكنية في لبنان.
ثالثا: إقفال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بعد إلغاء اتفاق القاهرة ولبنان هو البلد العربي الوحيد الذي يغيب فيه التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني.
رابعا: يتعرض الفلسطينيون لضغوط هائلة في السفر من لبنان والعودة إليه خصوصا الأشخاص الذين حصلوا على بطاقات إقامة في الدول الأجنبية ويرغبون في زيارة أهلهم في هذه الحالة يقال للفلسطيني أنت أصلا لاجيء في لبنان ولا يحق لك أن تكون لاجئا في بلدين أو مقيما في بلدين وبالتالي عليك الاختيار. أضف إلى ذلك صعوبات جمة في الحصول على وثائق السفر وغيرها من المعاملات الإدارية العادية.
وإذا كان صحيحا أن الفلسطينيين يحتفظون بأسلحتهم الفردية خوفا من مجازر مفاجئة كمجزرة صبرا وشاتيلا الشهيرة عام 1982 فالصحيح أيضا أن هذا السلاح لا يعدل شيئا جوهريا في حياتهم المحصورة في معازل بشرية مكتظة بسكانها الأصليين وبمهجري مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبية التي سويت بالأرض في المناطق الشرقية من العاصمة اللبنانية اثر حرب التطهير الشهيرة في العامين 1975 ـ 1976 .لكن لماذا يعتمد لبنان هذه السياسة الغريبة؟
تدعي الطوائف اللبنانية أنها تعزل الفلسطينيين وتمنعهم من الاندماج خوفا عليهم من التوطين وان المعازل المذكورة تعبير لبناني عن التمسك بحق العودة لكن هذا الادعاء يخفي حقيقة أخرى تفيد أن الطوائف تخاف من التوطين لأسباب خاصة بكل منها فالطوائف المسيحية تعتقد أن التوطين يضخم عدد المسلمين ويخل بالتوازن الطائفي المختل أصلا مع المسلمين والطوائف المسلمة تخشى من التوطين لأنه يزيد حجم طائفة مسلمة على حساب طائفة مسلمة أخرى وأما لأنه يضيف إلى حصة المسلمين قوة ديموغرافية جديدة منافسة على الحصص الطائفية في الوظائف وغيرها.
الحاصل أن الفلسطيني مازال كبش المحرقة النموذجي للطوائف اللبنانية بعد مضي 15 عاما على نهاية الحرب الأهلية. يعيش في الجحيم اللبناني في ظل تواطؤ تشترك فيه قوى إقليمية ودولية ويشمل إلى حد ما السلطة الفلسطينية التي طلبت من أهالي المخيمات أن يضحوا ويقاتلوا في لبنان وعبره من أجل العودة إلى فلسطين فإذا بها قبل وبعد اتفاق اوسلو تهملهم بداعي أولوية الداخل على الخارج.
إن معازل الفلسطينيين لا تشرفنا نحن اللبنانيين ليس لأننا عرب مثلهم بل لكونهم بشر يجدر بهم أن يتمتعوا بحقوق الإنسان البسيطة كتملك منزل وتوريثه والحصول على فرصة عمل في سوق مفتوح لكل أهل الأرض وفي التنقل الحر وفي التعليم المتاح وفي الزواج المختلط وفي التساوي أمام القضاء...الخ.
يبقى التذكير إن سياسة المعازل البشرية التي اعتمدتها السلطات اللبنانية إزاء الفلسطينيين قبل الحرب الأهلية (إطفاء النور في المخيم الساعة التاسعة مساء خوفا من الاتهام بمزاولة العمل السياسي. خرق حميمية النساء من طرف رجال الأمن بسبب براكيات الزنك المثقوبة. منع الفلسطيني من إصلاح نافذة بيته دون إذن مسبق قد يأتي بعد شهور وقد لا يأتي. استضعافه أمام القضاء.حرمانه من حق التعبير والتظاهر...الخ) هذه السياسة حولت المخيمات إلى طناجر ضغط سرعان ما انفجرت مع تباشير ظهور المقاومة الفلسطينية ونجم عن انفجارها ما يعرفه اللبنانيون قبل غيرهم.
حتى لا تؤدي السياسة اللبنانية تجاه الفلسطينيين إلى النتائج نفسها ربما على الطوائف اللبنانية "الفريدة" من نوعها على وجه الأرض أن تضع حدا فوريا لمعازل الفلسطينيين في لبنان هم لا يحتاجون إلى دروس والى حوافز من احد للتمسك بأرضهم ورفض التوطين فلو كان امتلاك شقة سكنية يكفي لكي يتخلى الفلسطيني عن أرضه ولو كان ارتقاء الفلسطيني يكفي لكي يتخلى عن وطنه لما عمرت القضية الفلسطيني حتى اليوم ولما ازدادت المقاومة الفلسطينية اضطراما.
لم يفت الوقت بعد لكي تتخلى السلطات اللبنانية عن سياستها القبيحة في قضايا الفلسطينيين المدنية فان يأتي التصحيح متأخرا خير من ألا يأتي أبدا على جاري المثل العامي الفرنسي. تبقى إشارة عابرة إلى الذين احتجوا على المقال السابق حول العمالة السورية وربما يحتجون على هذه المقالة أن المقصود بهذا النقد الذاتي هو السياسات العنصرية وليس الشعب اللبناني الذي قد لا يبارك هذه السياسات بأغلبيته الساحقة. فيصل جلول