الجنرال يعالون، نتنياهو بلا رتوش!

بقلم: نبيل عودة

الجنرال بوغي يعالون، قائد سابق للأركان أعتبره رئيس الحكومة بيبي نتنياهو أفضل شروة سياسية لدعم فريقه السياسي في انتخابات الكنيست الأخيرة التي أعادت الليكود لمقدمة الخارطة السياسية في إسرائيل.. يكشف وجهه البشع، ووجه حكومته الأبشع، ووجه التفكير الاستراتيجي الذي أقاموا له وزارة برئاسة يعالون، ربما كان يجب أن تسمى وزارة "التورط الاستراتيجي" أو "الفضح الذاتي الاستراتيجي"، اذ يكشف أكثر عمق المستنقع السياسي لحكومة مشكلة من متطرفين عنصريين فاشيين في كل ما يتعلق بالقضايا العربية داخل إسرائيل وبالقضايا الفلسطينية في المناطق المحتلة بدرجات مختلفة من الاحتلال، وفي العداء لمبادئ الديمقراطية في المجتمع الإسرائيلي كله، وليس للعرب فقط، ولم يتردد "بتفكيره الاستراتيجي" من رؤية أن الجهاز القضائي لا يمثل موقف الحكومة موجها انتقادات عنيفة ضد المؤسسات القانونية التي تفخر بها إسرائيل عادة.
بوغي يعالون في تصريحاته الأخيرة لم يرتكب حماقة.. كل ما هنالك انه كان صريحا جدا في طرح رؤية حكومته بدون جهاز التنقية من الأوساخ العنصرية،الذي يميز لسان المسئولين الإسرائيليين. وأظن انه قرأ العنوان بشكل صحيح.
منذ يوم هذه الحكومة الأول كان واضحا أن شيئا عفنا وفاسدا يجري في "مملكة الدانمارك". تعيين وزير خارجية مشهور بمواقفه الفاشية المعادية للعرب في إسرائيل، ومستوطن في المناطق الفلسطينية المحتلة بما يتناقض مع القانون الدولي، ويوجه تهديدات لدول عربية وعلى رأسها الدولة التي وقعت "اتفاق سلام " مهددا بقصف السد العالي وموجها اهانات لرئيسها... كل هذا لا يشير إلى حكمة سياسية للسيد نتنياهو.. حتى في أسوأ فترات إسرائيل، كان المميز لها أن وزارة الخارجية وضعت بيد وزراء يفهمون أن تسويق سياسة إسرائيل الخارجية والتغطية على نظامها العنصري، وتبرير استمرار الاحتلال للأراضي العربية والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وارتكاب الجرائم ضد أبنائه، يحتاج إلى وزير حمامة سلام في لسانه. وبشكل عام يمكن رصد أن وزراء الخارجية كانوا مما يعرف ضمنا من التيار العقلاني في السياسة الإسرائيلية، رغم أني أستصعب تفسير عقلانيتهم بأكثر من لسان لا يكشف ما يعتمل في القلب وفي العقل. حتى جاء من لا يلتزم بجهاز التنقية.
ماذا قال قائد الأركان السابق ونائب رئيس الحكومة وعضو الحكومة المصغرة المشكلة من ستة وزراء أساسيين هو على رأسهم، والتي تقرر في القضايا الحاسمة سياسيا وعسكريا واستراتيجيا لدولة إسرائيل؟
أولا تعالوا نفحص أين ألقى بقنابله السياسية. وهو الأمر الذي يشكل بحد ذاته معيارا إيديولوجيا لا يقل خطورة عن الكلمات نفسها.
داخل الليكود، حزب بيبي نتنياهو رئيس الحكومة، يوجد تنظيم يميني فاشي متطرف يسمى "من أجل قيادة اليهودية " يرأسه موشي فيجلين، وهو سياسي متطرف عمل نتنياهو بكل قوته خلال سنتين لإبعاده من قائمة الليكود للكنيست، حتى لا تتلوث بمواقف يمينية فاشية متطرفة علنا، تتجاوز حتى مواقف أفيغدور ليبرمان الأشهر من أن يُعرف.
بوغي يعالون ذهب في الأسبوع الماضي لاجتماع لهذه المجموعة. مجرد هذه الخطوة هي صفعة لرئيس حكومته الذي ابعد بالقوة موشي فيجلين من قائمة الليكود لانتخابات الكنيست بعد أن فاز بمكان متقدم ومضمون، إلى مكان متأخر في القائمة.
بوغي، أما غباء مطلقا، أو بداية سباقة للفوز بزعامة الليكود منافسا لمن أعتقد انه أنجز شروة سياسية هامة لفريقه السياسي، وجلس على المنصة إلى جانب الآفة اليمينية، حتى حسب تفكير نتنياهو. وعندما أعطي حق الكلام، حدث العجب العجاب..
وهذه بعض أقوله : "حركة السلام الآن هي فيروس، وإذا شئتم كل الشخصيات الهامة، ضررها كبير جدا، حسب رؤيتي من حق اليهود أن يعيشوا في كل أرض إسرائيل إلى الأبد ".
وقال، لا فض فوه :" إنا لا أخاف من الأمريكيين، ولكن في هذه الحكومة يوجد من يخاف من اوباما، في بعض الأمور علينا أن نقول 'هذا هو الحد'. عندما تمارس ضدك ضغوطات فأنت تتهاوى ".
وقال معترفا: "عندما كنت قائدا للأركان، قلت في هيئات مغلقة بأنه كل مرة يُحضر السياسيين حمامة السلام إلينا، نحن في الجيش نتكفل بالتنظيف ورائها".
وطالب بقطع الكهرباء عن غزة. وان المستوطنات غير الشرعية، هو نهج إسرائيلي صهيوني ليس جديدا، معطيا مقارنة من داخل الخط الأخضر، إذ أقيم كيبوتس "لهفوت حبيبا" لمنظمة هشومير هتسعير عام 1949 (من الواضح بالسيطرة غير المشروعة على الأراضي العربية ) وفقط عام 1980 صودق للكيبوتس على الخارطة الهيكلية، وتساءل هل يعني هذا أن هناك من فكر بإخلاء "لهفوت حبيبا "؟ وهي دعوة للاستيطان غير الشرعي، وبالطبع تجاهُل كامل إلى أن الاستيطان من جذوره هو مشروع كولنيالي فاشستي ضد الشعب الفلسطيني.. لم يحظ بدعم أي دولة، حتى الدولة الراعية لإسرائيل، الولايات المتحدة.. ترفض رسميا ممارسات إسرائيل الاستيطانية، والاعتراف بمشروعية الاستيطان، وهذا الموقف ليس من فترة اوباما فقط، ولكنه يصبح اليوم ملحا وبارزا. وقال : "أننا لم ندع الصحافة حتى يكون البحث صادقا ومستقيما".
ايتان هابر مدير مكتب رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين، كتب مقالا حادا في الرد على عدم خوف الجنرال يعالون من أمريكا: "بوغي يعالون خدم في الجيش كقائد للأركان، وبحكم منصبه يعرف جيدا أفضل من الآخرين إلى أي مدى نحن نعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية : كم عدد القنابل وأنواعها من هذا النوع أو النوع الآخر يوجد لدينا ولعدد أيام الحرب. كقائد أركان يعرف جيدا لأي زمن تكفي قطع الغيار لطائرات سلاح الجو، حتى تربض كجثث في حظائرها. وهو يعرف حجم المساعدة العسكرية للجيش الاسرائيلي، عدا المساعدة الاقتصادية. كقائد للأركان، إذا لم يعرف حتى الأمس، ليعرف اليوم، أن مفاعل نووي إيراني قادر على إبادة دولة إسرائيل – وفقط أمريكا، قادرة على إنقاذنا من الإيرانيين. وهنا لن تنفعنا الصلوات ورحمة السماء، فقط أمريكا تنقذنا".
إن النقد الواسع من داخل صفوف الليكود، ومن رئيس الحكومة نتنياهو، الذي أثارته تصريحات يعالون، يشير ليس إلى عقلانية بقدر ما يشير إلى غضبهم من الصبي الذي فضح تفكيرهم السياسي.
لا يمكن أن تنطلق مثل هذه التصريحات لشخصية عسكرية بارزة من فراغ سياسي أو من غياب نهج عبر عنه أيضا وزير خارجية إسرائيل والكثيرين من وزراء الحكومة البارزين.
وكما هو متوقع سارع مكتب رئيس الحكومة للإعلان : "بأن تصريحات يعالون غير مقبولة على رئيس الحكومة لا بالمضمون ولا بالأسلوب.". كلمات لطيفة وأخلاقية لفعل غير لطيف وغير أخلاقي سياسيا!!
هذا الإعلان المنمق والمعتدل والأخلاقي، حول تصريحات شخصية مقربة جدا من رئيس الحكومة، يشبه محاولة إطفاء حريق في غابة بسطلي ماء. كل الأعذار مضحكة ومفضوحة.
حكومة نتنياهو بتركيبتها الحالية هي حكومة يمين فاشستي متطرف، حتى أن أوساطا يمينية متزنة داخل إسرائيل لا ترى مستقبلا لمثل هذه الحكومة التي تزكم رائحة تصريحات وزرائها العنصرية الأنوف.
ما يقلقني ليس جنون وزراء حكومة نتنياهو - ليبرمان. إنما ما هي ردود الفعل والخطوات الملزمة في السياسة العربية، إذا تبقى شيئا من هذا المخلوق السياسي! نبيل عودة
كاتب وناقد وإعلامي فلسطيني – الناصرة nabiloudeh@gmail.com