الجمَّال .. يؤرخ لتاريخ الموسيقى المصرية

جذور وبدايات

تعد الموسيقى إحدى الفنون الرفيعة الضاربة في القدم، حيث مارسها الإنسان القديم كأحد أشكال التعبير عن مشاعره والتواصل مع البيئة المحيطة، وهو تقليد أصوات الحيوانات والطيور والظواهر الطبيعية من حوله؛ كصفير الرياح وحفيف الأشجار، ويقدم الكتاب بانوراما شاملة لتاريخ الموسيقى المصرية القديمة، فيتقصى جذورها وبداياتها ويحاول الاستدلال على مبادئها وأهم سماتها والآلات الموسيقية التي ابتكرتها ومراحل تطورها منذ عصر الأسرات حتى منتصف القرن التاسع عشر.

كما يعرض الكتاب للموسيقى العربية التي نشأت في شبه الجزيرة العربية متأثرة بالألحان المصرية واليونانية والهندية والفارسية وغيرها. ثم يعرض لحال الموسيقى المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذي بدأ بخروج الحملة الفرنسية وتولي محمد علي حكم مصر، وبدء نهضتها الحديثة التي انعكست على الفنون.

يعد هذا الكتاب أحد الإسهامات المهمة للباحث د. سمير يحيى الجمال، الذي قدم من قبل عملًا موسوعيًا يضم ثلاثة كتب عن تاريخ الطب والصيدلة المصرية في العصر الفرعوني، العصر اليوناني، والعصر الإسلامي.

في المقدمة، يشير المؤلف إلى مراحل تطور الأدوات التي يستخدمها المصري القديم بعض الآلات المساعدة في أدائه الغنائي ولتضخيم صوته لملأ الفراغات والمساحات المتسعة المطلوبة، ومن هذه الآلات: آلات الطرق "الدق"، آلات النفخ، الآلات الوترية. وتميزت الموسيقى القديمة بأساليب معينة في الصياغة والبناء والتركيب اللحني، وفي أسلوب وكيفية الأداء وفي وظيفة ممارسة هذا الفن، فظهرت التراتيل والطقوس والأدعية والرقصات والترانيم والأهازيج، وكان أداؤها فرديًا أو جماعيًا وفي أغاني العمل الجماعية، كان القائد يلقي جملة لحنية ويرددها وراءه باقي العمال، كما احتفظت آلاتهم النفخية والوترية البدائية بوتر حر، كان يعزف باستمرار كما في حالة الربابة، أو مزمار مستقل أو مزدوج مثل الأرغول أو القرية، كنوع من الإثراء الموسيقي، وكان يحدث أحيانًا تداخل بين الجمل اللحنية بدون انتهاء دور كل منها فيسمع تعددا صوتيا، خاصة في الموسيقى المصرية القديمة، مثلها الأعزبين ومن بعدهم الرومان وانتشرت في كل أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي. وهكذا احتفظت الشعوب المختلفة ببعض الألحان الموسيقية التقليدية المتوارثة من جيل لآخر، وعرف باسم الفن الشعبي "الفلكلور".

ويقول المؤلف: اعتقد المصريون القدماء بأن العلوم والفنون المقدسة مثل الطب والفلك والموسيقى، تتصل جميعها ببعضها البعض وترتبط معًا، وأن دراستها يجب أن تكون وفقًا على الكهنة، كما ربطوا بين النغمات الموسيقى التي تتألف منها الألحان وبين الأجرام السماوية في انتظام حركتها وانضباطها، ولما بينها من نظام وترابط.

أيضًا رمز لكل نغمة من نغمات السلم الموسيقي السباعي برمز هيروغليفي مشابه لمثيله من الكواكب، وبذلك حددوا الدرجات الأساسية لهذا السلم.

ويتناول المؤلف الموسيقى الرومانية قائلًا: بنى الرومان موسيقاهم على أساس اقتباس موسيقى الحضارات والشعوب التي احتلوها، ومنهم الإغريق، حيث اقتبسوا منهم الأسس والنظريات والسمات التي قامت عليها فنونهم، كما ورثوا عنهم موسيقاهم وألحانهم وكافة آلاتهم الموسيقية، وقد استخدم الرومان آلات موسيقية متعددة اقتبسوها من الإغريق والآشوريين والمصريين القدماء؛ وهي الآلات الوترية، والآلات الإيقاعية، وآلات النفخ.

وعن الموسيقى القبطية، يقول: تبعث الموسيقى الروحانية، خاصة بعد ظهور المسيحية من ألحان المعابد اليهودية، إذ إن الشعب المسيحي الأول تكون داخل هذه المعابد في منطقة فلسطين، واحتفظ داخلها بالعزف اليهودي في شخص قريل المزامير في الكنيسة المسيحية.

وعرف كل الغناء الديني للكنيسة باسم إنشاد وكورال، وغناء بسيط، وظهر نوعان أساسيان منه.. أولهما أكنتوس ويطلق على الترتيل الذي يؤديه القس على وتيرة واحدة، وثانيها كونسنترس ويطلق على لحن الكورال والمغنيين المنفردين، وهو أكثر حرية من النوع الأول. وكلا النوعين يمكن أداؤهما مباشرة، أي بالكورس وحده أو غناء منفردًا فقط، أو يؤدى بالتبادل.

ويشير الباحث إلى الموسيقى العربية، مؤكدا أن العرب وأهل الشرق اهتموا في الموسيقى العربية بالألحان الغنائية وطرقها باعتبار أن هذا هو الأصل في صناعة الموسيقى، وتتميز الموسيقى العربية باستخدام السلالم أو "المقامات"، وهي بترتيب معين للدرجات الموسيقية المتتالية، بشكل سلمي صاعد وهابط، وهذا السلم السباعي الذي يستخدمه الموسيقيون العرب له درجات سبع وتكرار الدرجة الأولى منها، كما أنهم يستخدمون السلم الخامس وله درجات خمس، وتكرار الدرجة الأولى منها، وترجع أصول الموسيقى العربية إلى شبه الجزيرة العربية، حيث ازدهر في جنوبها حضارة عميقة الجذور، وخاصة في منطقة اليمن، وقد اقتبس اليمنيون الكثير من مبادئ وقواعد موسيقاهم من الدول المجاورة لهم، والتي كانت لهم بها علاقات تجارية.

ويضيف الباحث: يعتبر الموشح منظومة مستحدثة انتشرت عندما ازدهر الغناء وخاصة عند الأندلسيين، وينقسم الموشح إلى المطلع ويسمى المذهب أو الغصن، الدور أو السمط، القافلة، ويماثل قوافل المطلع بينما تتنوع قوافي بقية الأقسام وعدد أبياتها، اشتهر بالموشحات في الأندلس عبادة القزاز وابن عبد ربه والأعمى التطيلي وابن سهل الإسرائيلي، ولسان الدين بن الخطيب، بينما اشتهر في الشرق ابن سناء الملك مؤلف أهم كتاب في هذا الفن وهو "دار الطراز". ويشير المؤلف إلى الموسيقى والغناء خلال العصر الإسلامي، قائلًا: خلال وجود الحملة الفرنسية بمصر من سنه 1798 إلى 1801 قام علماؤها بدراسة مختلف أنواع الفنانين وآلاتهم الموسيقية، ودونوها في المجلد الضخم الذي عرف باسم "وصف مصر"، وفي الأجزاء الخاصة بالموسيقى المصرية وقت نزولهم مصر ذكروا وجود عدة طوائف بها من المؤدبين، أمثال العوالم والمغنيات والراقصات والمحترفات، وكانت "العوالم" ومفردها "عالمة" تنقسم إلى فئتين؛ الأولى اللاتي تسلكن سلوكًا يتسم بالحشمة وتحظى باحترام الناس، والثانية من اللاواتي لا يتسم سلوكهن بأيِّ نوع من الاحتشام، ولذلك كن الأفاضل يزدريهن.

أما بالنسبة للموسيقى العسكرية فقد كانت للمصريين وقت الحملة الفرنسية مرشات (ألحان) عسكرية، وكانت تعزف في بعض المناسبات والاحتفالات العامة، مثل مواكب شهر رمضان وطواف المحمل وقوافل الحج، أو عندما تذهب السلطات المدنية والعسكرية في القاهرة لاستقبال الباشا، (الوالي التركي)، الذي كان الباب العالي (السلطان العثماني) يعينه حاكمًا على مصر، وكانت هذه الفرق العسكرية تستخدم الآلات الصاخبة.

وبالنسبة للموسيقى الدينية، فقد اعتاد المصريون المسلمون إقامة احتفالات سنوية بمناسبة يوم ميلاد الرسول "صلى الله عليه وسلم"، وكذلك لبعض الأولياء الصالحين من رجال وسيدات أهل البيت وعرفت هذه الأعياد باسم الموالد.

ويذكر الباحث أن المصريين أحبوا الموسيقى بدرجة كبيرة، إلا أنهم كانوا ينظرون إلى فن الرقص ودراسته بمثابة مضيعة لوقت الرجال ويدفعهم لارتكاب المعاصي والمحرمات، بسبب تأثير الموسيقى على العواطف والأحاسيس، إلا أن الرقص كان محببًا للرجال خلال قيام ببعض مظاهر الاحتفالات الدينية لاسيما بواسطة الدراويش.

ويقول: تأثرت الموسيقى المصرية كثيرًا بالألحان العربية التي وفدت مع الفاتحين العرب بمصر عام 641 وتغلغلت بشدة في وجدان المصريين، أما خلال الحكم العثماني بمصر (1517- 1805) وما بعدها كان العازف المصري المحترف، على أي آلة موسيقية يطلق عليه اسم الآلاتي أي العازف على الآلة، وكثرت الآلات الموسيقية عند المصريين أيام حكم محمد علي باشا، وتعددت أنواعها وتم الاستعانة ببعضها مثل الكمانجة والقانون والعود والناي، وذلك في الحفلات الخاصة.

ويشير الباحث إلى التخت المصري وآلاته الموسيقية، فيقول: ازدهر التخت المصري منذ بداية القرن الـ 19 وحتى بداية القرن الـ 20، وكلمة التخت فارسية الأصل وتعني المرضة وصدر المجلس في جلسات الطرب والاحتفالات، وتتكون من دكة أو منصة توضع فوق مكان عالٍ ويجلس عليه المغني، وهو المطرب الأساسي وحوله العازفون ثم المنشدون (الكورس) من بطانة.

وتعتبر هذه التخوت بمثابة مدارس موسيقية يتعلم فيها المنشدون والعازفون أسرار مهنة الموسيقى والغناء ولتصقل مواهبهم وتقوى أصواتهم.

من أشهر هذه التخوت منذ القرن الـ 19 تخت محمد المقدم، تخت قسطتدي منسي، تخت الرشيدي، تخت محمد العقاد الكبير (1850 – 1931) وغيرهم.

وبينما اشتهر من النساء المصريات .. ساكنة، الشيخة مبروكة، ألمظ (1830 – 1897) نزهة، السويسية، اللاوندية، توحيدة، بهية المحلاوي، بمبة العوادة، نعيمة المصرية وغيرهن.

أما عن الآلات الموسيقية الشعبية، فنذكر منها .. أولًا: الآلات الوترية، وتعد من أقدم الآلات التي عرفتها البشرية، وتنتشر في جميع أنحاء مصر ومنها: الربابة، الطنبورة، السمسية، العود، الكمان، ثانيًا آلات النفخ؛ مثل الصفارة، الأرغول، الطورماي، الزمارة، المزمار البلدي، ثالثًا آلات الطرق؛ مثل: الدربكة، الرق، الدف "المزهر"، الطار (البندير)، النقرزان (النقارة)، الطبلة الباز، الطبل البلدي (الطبل الكبير).

وفي الختام يشير المؤلف إلى الموال، هو صنف من فنون الشعر الشعبي ويصاغ في هيئة لحنية يختص بها مذهب منفرد في الغناء، ويعتقد أن أول من نطق بالموال عند العرب هم البرامكة، لذلك سُمي مفردها بالموال. ولا يلتزم في الموال بالأعراب والفصاحة، بل تدخله الألفاظ الدارجة، ويستعمل فيه الجناس اللفظي أيضًا، وينقسم الموال إلى ثلاثة أنواع: رباعي، أعرج، ونعماني. (خدمة وكالة ال صحافة العربية)