الجمهورية التداولية 'جعجعة' باهظة الكلفة

بقلم: فيصل جلول

تسود العالم العربي موجة محمومة من النقاش حول الجمهورية التداولية والجمهورية الوراثية وتشتق مصطلحات من نوع "جملكية" للقول بمزيج من الجمهورية والملكية أو للإشارة إلى تردد هذه الدولة أو تلك بين نموذجين سياسيين في الحكم. ويوحي هذا النقاش بوجود مشكلة في شكل الحكم في حين أن المشكلة الحقيقية هي في جوهره أي في جدوى النظام ومنفعته بغض النظر عن شكله.
والثابت أننا نستعير عناصر النقاش من ثقافة الحكم في الدول الغربية التي كانت في أصل انبثاق الأنظمة السياسية العربية في منطقتنا فحيث كان الاستعمار فرنسيا نِشأت أنظمة جمهورية وحيث كان الاستعمار بريطانيا نشأت أنظمة ملكية وذلك تبعا لنظامي الحكم في بريطانيا وفرنسا وما زالت هذه الثقافة سائدة عندنا حتى اليوم لكن مرة أخرى ترانا نناقش على سطح هذه الثقافة وليس في عمقها ذلك أن النظامين البريطاني والفرنسي على الرغم من تباين الشكل السياسي يصبان في مجرى واحد هو الديموقراطية على الطريقة الغربية.والفارق بين الدولتين نجده في التجربة التاريخية وليس في شكل الحكم. فقد توصلت بريطانيا إلى نظامها الحالي عبر إصلاح تدريجي قضى بتقليص الصلاحيات الملكية إلى الحد الأقصى في حين أختار الفرنسيون تغيير نظام الحكم في ثورتهم البرجوازية عام 1789 بواسطة المقصلة.
وحتى لا نغوص في تفاصيل السيرة التاريخية للنظامين المذكورين نكتفي بالقول أن ما يعنينا منها هو مضمون النظام وليس شكله بالقياس إلى أن الأصل في النظام السياسي هو الجدوى والمنفعة وليس الشكل. لنفترض على سبيل المثال أن النظام الجملكي مجد ونافع فهل نرفضه لأنه جملكي وبالتالي غير متطابق مع السيرة التاريخية للنظام الجمهوري الفرنسي أم نقبله لأنه يحقق الأغراض التي نصبو إليها؟
ثمة من يقول أنه من الصعب أن يحقق النظام الجملكي الأغراض التي نصبو إليها لأنه جملكي.
هذا القول ليس صحيحا إذا ما اعتمدنا المثال البريطاني الذي يقترب من الجملكية. لو فعل بريطانيو القرن الثامن عشر كما نفعل نحن اليوم ولو قالوا أن نظامهم يجب أن يسير على الرسم الجمهوري الفرنسي لما وصلوا إلى نظامهم الراهن بدون الكلفة الباهظة التي دفعها الفرنسيون لتثبيت أركان جمهوريتهم.ناهيك عن أن الإصلاحات الجذرية التي تمت في فرنسا نفسها لم تكن ثمرة نظام جمهوري ديموقراطي تداولي بل من أثر نظام إمبراطوري ديكتاتوري بزعامة نابليون بونابرت . من هذا النظام نشأ القانون المدني ومنه نشأ النظام التعليمي النخبوي والإصلاحات الجذرية في الدولة وهذه الإصلاحات هي التي ساهمت بالوصول إلى النظام التداولي الرهن.
مختصر القول أننا نناقش حال أنظمتنا السياسية العربية في الشكل وبالقياس إلى نموذج تاريخي واحد وليس في المضمون وهذا النقاش لن يقودنا إلى حيث نريد أي إلى التنمية والديموقراطية ودولة الحق ما يعني أن علينا أن نتحرر من أسره وأن ننتقل إلى جوهر الموضوع والجوهر يتموضع في سؤال الكيفية وليس في سؤال شكل النظام.
تندرج ثلاثية التنمية والديموقراطية ودولة الحق في سيرورة واحدة تراتبية برهنت صلاحيتها التجارب السياسية الناجحة في العالم. لم تكن أوروبا ديموقراطية عندما كانت دولها أمية وفقيرة ومتخلفة بل كانت متنازعة ومتحاربة ومتغازية. لقد انتقلت من التخلف إلى التنمية والديموقراطية ودولة الحق بفعل إئتلاف كتل تاريخية في بلدانها استطاعت أن تغزو العالم وتراكم ثروات خرافية وفي هذا السياق نشأت بيوتات اقتصادية نظمت فيما بينها شؤون الحكم وبنت دولا تحمي الثروات وتتيح تراكمها وتداولها.
ولم تتحقق التنمية في بلدان النمور الآسيوية بفعل الجمهورية التداولية وإنما حول اسر حاكمة تمكنت من تكتيل القوى المحلية وتوحيدها ومن ثم دفعها في مشروع اقتصادي جذاب أتاح و يتيح لها اليوم فرص تداول السلطة وفقا للمصالح الوطنية وليس تلبية لمفهوم الجمهورية أو الملكية.
ولم تتحقق التنمية في الصين الشيوعية بفضل النظام الجمهوري التداولي وإنما بفضل الكتلة التاريخية الملتفة حول الحزب لشيوعي الصيني وكذا الأمر بالنسبة لليابان التي اتحدت حول نظامها الإمبراطوري وحولت هزيمتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية إلى انتصار اقتصادي ساحق على الصعيد الدولي.
إن جوهر المشكلة التي يعاني منها عالمنا العربي لا يكمن إذن في شكل النظام السياسي بل في كيفية وضع ثلاثية التنمية والديموقراطية ودولة الحق موضع التطبيق أي في كيفية تكوين الكتلة التاريخية التي تتحمل مسؤولية النهوض بهذا البلد أو ذاك بغض النظر عن تسمية الشكل السياسي لتحركها.
لقد جرب الجزائريون الانطلاق النهضوي من صيغة الجمهورية التداولية فكان أن اقترعوا ضد بعضهم البعض في انتخابات العام 1991 الشهيرة ولم يقترعوا من اجل مصلحة بلدهم ونهضتها فكان أن احتربوا وخسروا وهم يعالجون اليوم آثار حربهم وخسارتهم. وجرب العراقيون "الانتخابات التداولية" في ظل الاحتلال فإذا بهم يقترعون على أساس طائفي ضد بعضهم البعض ويتسبب الاقتراع في المزيد من الاقتتال الداخلي بل يهدد بحرب أهلية في حين أن الاقتراع يجب أن يكون أصلا من اجل العراق وتحريره من الاحتلال وها هم اللبنانيون يقترعون مرة أخرى ضد بعضهم البعض فتزداد إنقساماتهم وتتهدد بلادهم المخاطر من كل صوب. وثمة من يريد لليمنيين الدخول في هذه السيرورة ولغيرهم من العرب الذين ينشغلون بجدل عقيم حول الجمهوريات وشكلها في حين يغيب الأساس الصلب لهذه الجمهوريات أي الكتلة التاريخية التي تقود مشروعا تنمويا يراكم ثروة ويسمح بتداولها من خلال نظام سياسي مناسب.مع غياب هذا المشروع تغيب علة التداول وينتفي غرضه ويتحول الحديث عن الجمهورية التداولية إلى جعجعة باهظة الكلفة ومن لا يصدق فليحدق مليا بخراب الصومال هذا إذا كان ذو بصيرة. فيصل جلول