الجغرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية

بقلم: د.خليل حسين

غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها، عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي. وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما أم طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته، وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر، فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم، فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ أم يستلزم الأمر شروطا اضافية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا، ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر، بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي، ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية، وما لها من أبعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا، وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحظات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة، بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية، ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد، وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا، تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه، في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية، فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته، لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه، فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي. فمرتفعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه، بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا، مرورا بقناة السويس وسطا، علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية، اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك، وما ظهر لاحقا من صراع اميركي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط. فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة، مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛ باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة، تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي، وهو لا يزال في الخدمة الفعلية. وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة. فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي، لاسيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية، ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الإشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الأمنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟ واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات ملحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين يأتي تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟ وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟ وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة" تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟ اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟ وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق بمروحيات غير مسلحة؟ وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟ واذا كان الامر عكس ذلك، هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب أولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء، يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكله وتناقضاته. ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن، الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول، تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛ فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقع والمساحة وحتى الديموغرافيا؟
ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح، هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر، ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية، لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.
فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية. د.خليل حسين، استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية

www.drkhalilhussein.blogspot.com