الجزائر: مالكية أشعرية تواجه الجهادية

هناك في الدين ما يحصنه من السياسة

اهتمت السلطة الجزائرية، مع تزايد نشاط الحركات الإسلامية في العالم العربي، والصراع حول منبر المسجد، أكثر بالمسجد، وبمزيد من وضع القوانين والآليات، التي تجعل منه مؤسسةً رسميةً، كما زادت المراقبة على الدروس وخطب الجمعة، ففي مصر مثلاً، وسعت القوانين الخاصة بالمساجد بعد ثورة الضباط الأحرار، بدءاً بالقانون رقم 292 السنة 1959، ثم القانون رقم 157 السنة 1960، وانتهاءً بالقانون رقم 238 السنة 1996، وتوجهت وزارة الأوقاف في مصر بداية الألفية الجديدة باستصدار قانون يقضي بحبس شهر وغرامة مالية، تصل إلى ثلاثمائة جنيه، على من يلقي درساً من غير إذن مرخص به من الوزارة، وقد سمت الصحافة هذا القانون في مصر بـ"قانون تأميم المسجد".

يمكن تقسيم المؤسسة الدينية في الجزائر إلى مؤسستين بارزتين: المؤسسة الرسمية المتمثلة في وزارة الشؤون الدينية، التي أخذت تسميات مختلفة تاريخياً، حيث كانت تسمى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ثم وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وحذف التعليم الأصلي ثم ألحق لها في 26/12/1999 الأوقاف.

أما المؤسسة الأخرى غير الرسمية، ولكنها قد تحضر كرمز ديني له تأثيرٌ، ويطلب وده السياسيون والمقبلون على الانتخابات، فهي "الزاوية"، تلك المؤسسة الصوفية الحرة، التي تتخذ أشكالاً عدة، ولها وظائف عديدة. فإضافة إلى كونها مؤسسةً اجتماعيةً خيريةً، تسعى إلى تكوين فقهاء وحفظة القرآن الكريم، صارت منذ بروز الحركة الإسلامية جزءاً من استراتيجية السلطة في مجابهة "الإسلام السلفي الوهابي".

بل شكل اختيار منصب وزير الشؤون الدينية، بالعودة إلى بعض الشخصيات العلمية والسياسية المنتمية لهذه الزاويا، منذ منتصف الثمانينيات، في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي كان مرتبطاً بإحدى زوايا الغرب الجزائري، وهي التعبير المؤسسي لحركات صوفية موغلة في التاريخ تسمى بالشاذلية في المغرب العربي، وتعرف اليوم انتشاراً كبيراً، وأعيد اليوم إحياء طرق أخرى كالتيجانية والقادرية، سواء بفعل الصحوة الصوفية الجديدة، أو كصمام أمان ودفاع في مواجهة التيارات السلفية الجهادية.

إلى جانب هاتين المؤسستين البارزتين، الأولى رسمية ولها قوانين منظمةٌ لها، والثانية فهي حرةٌ ومنها ما يخضع للقوانين المنظمة للجمعيات الأهلية، توجد مؤسسةٌ رسميةٌ أخرى وهي المجلس الإسلامي الأعلى، الذي كان تابعاً لوزارة الشؤون الدينية، ثم صار هيئةً مستقلةً تابعةً لرئاسة الجمهورية مباشرة، وهناك قوانين جديدة محضرة اليوم لتأسيس هيئة رسمية دار الإفتاء، هكذا نكون من الناحية الرسمية أمام ثلاث هيئات دينية رسمية: وزارة الشؤون الدينية، والمجلس الإسلامي الأعلى، ودار الإفتاء، التي ستتأسس لاحقاً. أما الجامعات الدينية والكليات، التي تعنى بالتفسير وأصول الفقه والحضارة الإسلامية؛ فهي تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وتلعب دوراً في تكوين الإطارات العليا التي تلتحق بالمساجد والمعاهد الدينية التكوينية التابعة لوزارة الشؤون الدينية.

تتوزع المؤسسة الدينية في الجزائر، بين المؤسسة الرسمية والمؤسسة التقليدية المحلية، التي ارتبطت بالقبيلة، والقيم الروحية لسلطة الشيخ، والمؤسسة (الجمعوية)، التي نشأت في الثلاثينيات من القرن الماضي، مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أنشأها الشيخ عبدالحميد بن باديس، للمطالبة بحقوق استقلالية الأحوال الشخصية، ونشر اللغة العربية، والدفاع عن الإسلام، والحرية الدينية، ولكن بقي التقاطع والتلاقي في الوقت نفسه بين السلطة والمؤسستين الدينيتين قائمين، منذ القرن السادس عشر، أي هناك مرحلة ما قبل الاحتلال الفرنسي 1830 وأثناء الإحتلال الفرنسي، ومرحلة الاستقلال، ونحن هنا سيهمنا المرحلة الثالثة.

في مرحلة الاستقلال تضمن دستور الجزائر السنة 1963، بعد تعريفه للدولة في مادته الثانية "الإسلام دين الدولة"، وعدل الدستور خمس مرات في السنوات التالية: 1976، و1989، و1991، 1996، 2008، إلا أن مادته الثانية بقيت كما هي، وكانت أول خطبة رسمية غداة استقلال الجزائر للشيخ البشير الإبراهيمي، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي سيعيش في صراع سياسي مع السلطة الجديدة إلى حين وفاته.

يلاحظ، كانت قرارات التعيينات تصدر في الجريدة الرسمية، الخاصة بمناصب مديري الوزارة والإداريين، وفي 11/1/1964 أقرت الدولة التعليم الديني كمواز للتعليم العام في الجزائر، وتولت وزارة الشؤون الدينية متابعته بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، وفي الكرنولوجية (علم التقويم) التاريخية للقوانين المنظمة للمؤسسة الدينية الرسمية، نتابع عملية التنظيم للمسجد، وما تفرضه الصراعات السياسية مع الجماعات الإسلامية، أو دور التيار اليساري الفرانكفوني، الذي تحكم منذ حين في دواليب السلطة، للقضاء على التعليم الديني، بحجة توحيد التعليم العام في الجزائر.

كما زاد اهتمام الدولة أكثر منذ ظهور الجماعات الإسلامية بالمساجد، من حيث عدد الموظفين، ورفع الأجور، وزيادة إنشاء المدارس القرآنية، ومؤخراً تم تأسيس قناة "القرآن" التلفزيونية، التي ستعطى لوزارة الشؤون الدينية الحصة الأكبر في تنشيط برامجها العلمية والثقافية، وهذه بعض الإحصاءات التي تظهر مدى تطور هذا الاهتمام بالمؤسسة الدينية، ولو أن ذلك قد لا يلازمه على المستوى الشعبي، من حيث مازال آلاف الشباب يقبل على الفتاوى الفضائية، وعلى دروس الدعاة الجدد، وذيوع تسجيلاتهم وتحميلها من مواقع الأنترنيت: وصل عدد المدارس القرآنية 2269 مدرسة، وعدد تلامذتها 155114 تلميذاً، وعدد معلميها بلغ 2773 معلماً. وبالنسبة للكتاتيب - وهي في الغالب حرة، ولكنها مسجلة رسمياً لدى وزارة الشؤون الدينية، ويتم تدريجياً اعتمادها- فعددها بلغ 1683مكتباً وعدد تلامذتها 56266 مقابل 1641 معلماً. كما أحصيت حوالى 257 زاويةً تمارس تحفيظ القرآن الكريم وبعض العلوم الدينية، ويرتادها 10150 تلميذاً، أما مراكز تكوين الأئمة فهي 19 مركزاً موزعاً على بعض ولايات الوطن، يتلقون تكويناً لمدة ثلاث سنوات، ويوزعون بعد التكوين على حوالي 10107 مسجداً مصنفاً بين ما يسمى المسجد المحلي والمركزي والوطني.

وفي إطار الحملة الإعلامية، ضد الجماعات الإسلامية المسلحة والسياسية، أصدرت وزارة الشؤون الدينية منذ منتصف الثمانينيات جريدة "العصر" التي توقفت، وقد كانت أسبوعيةً إعلاميةً، ركزت على البعد المالكي والأشعري العقائدي، كما استلهمت مقالاتها من أفكار التراث الباديسي الشيخ عبدالحميد بن باديس، كما كانت تستقدم العلماءَ والدعاةَ الوسطيين، في ملتقيات الفكر الإسلامي، وهو ما يقوم به اليوم أيضاً المجلس الأعلى الإسلامي، بدعوة العلماء المشارقة في مسعى لتأكيد السلم والمصالحة. أما الدورية التي ما زالت تطبع، من طرف وزارة الشؤون الدينية، فهي "منبر المسجد"، وهي توجيهية للأئمة أكثر منها إعلامية في مواجهة التأويل السلفي أو الشيعي، الذي تواجهه المؤسسة الدينية.