الجزائر - المغرب: نزاع من رمال!

يتحدثُ وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة، عن أن الاعتداء على القنصلية الجزائرية بالدار البيضاء، في أوائل الشهر الماضي، "ترك جرحا في الضمير الجماعي الجزائري". وفي كلام الوزير ما يفيد أن لازمةَ التوتر بين البلديّن ستبقى شأناً ضرورياً في إدارة علاقاتهما، بل يبدو أنها ضرورية، ربما، لإدارة الصراع الداخلي في البيت الجزائري.

تتأسسُ الرواية السياسية للنظام الحاكم في الجزائر على تغذية تناقض أزلي مع الجار المغربي. وفيما تَظهرُ مشكلة الصحراء وكأنها لبّ الخلاف بين الرباط والجزائر، غير أن بعض العارفين يجازفون بالقول، أنه في فرضية عدم وجود صحراء، لكأن الجزائر صنع "صحراءه" لتبرير حال الاشتعال الدائم مع المغرب.

القصة الجزائرية - المغربية تعودُ في التاريخ الحديث إلى زمن الاستقلالات. شكّل الحدث السعيد اطاراً لأزمة حدودٍ قادت إلى ما يُعرف بحرب الرمال بين البلدين (خريف عام 1963)، ومذاك صار للنزاع طبيعة الرمال التي لا تنتهي.

تجاوزُ الحرب وسكوت المدافع وانقشاع الدخان، أفرج عن نمطيّن سياسيين متناقضيّن يحكمان البلديّن. أنشأت الجزائر جمهوريتها وإلتحقت بخنادق التكتلات اليسارية العالمثالثية، وأعلنت نفسها حليفاً للناصرية عربيا وللاتحاد السوفياتي دولياً. من جهته، ثابر المغرب على ملكية نظامه، واختار تخندقاً مناقضا في المنطقة والعالم. بيّد أن زوال الحرب الباردة، وبالتالي زوال الاصطفافات التقليدية بين شرق وغرب، لم ينزع التباين في علاقة الجزائر والمغرب، بما يعني أن خلاف البلدين بيتيّ محليّ يتعلق ربما بجينات النظاميّن السياسيين بغض النظر عن تطورات التركيبات الاقليمية والدولية.

تتعلق قضية الصحراء بالنسبة للمغرب بالسيادة الوطنية وبالوحدة الترابية للمملكة. هكذا يرى المغرب والمغاربة ذلك. وعلى الرغم من حيوية الجدل السياسي وتناقضه تاريخيا في المغرب بين معارضة وموالاة، إلا أن اجماعاً عجيباً من أولي اليسار كما من أولي اليمين توفّر مجتمعاً حول الإرادة الملكية في شأن مغربية الصحراء.

يختلطُ في رواية الجزائر العقائدي بالديماغوجي. تؤكد الجزائر رسمياً أن ليس لها أطماع صحراوية أو مغربية، وأن موقفها في شأن الصحراء الداعم لمطالب البوليساريو الانفصالية، يستند على مبادئ "احترام حق مصير الشعوب ووقوف الجزائر تاريخيا لمصحلة التحرر من الاستعمار".. إلخ. على أن الموقفَ الجزائري، وحده، هو الذي يجعل من مسألة الصحراء "قضيةً"، وعصيّة على الحل. وهو الذي يعيدُ للرمال حراكها الخبيث في شمال أفريقيا.

تعتبرُ أوساط الرباط أن البوليساريو اختراعٌ جزائري، شكلاً ومضمونا وتمويلاً، وأن أي حلّ جديّ للـ "القضية" يتطلب مفاوضات مباشرة بين المغرب والجزائر، ووقف مهزلة التلهي بمفاوضات وهمية عقيمة مع البوليساريو التي لا تملك قرارها.

وتهدف مقاربة التفاوض المباشر بين البلدين بالنسبة للمغرب، إلى توفير أجواء لتطبيق "الحلّ المغربي" لأزمة الصحراء، والذي بات يحظى بدعم دوليّ واسع يُقلق الجزائر. المغرب يقترح اقامة حكم ذاتي من ضمن سيادة المملكة وتحت رعايتها. أمرٌ لا توافق عليه البوليساريو التي تطمحُ إلى الحصول، برعاية جزائرية، على الإستقلال الكامل.

في حديث وزير الخارجية الجزائري عن "جرح أصاب الضمير الجمعي الجزائري" ما يفصحُ عن مرامي الخطاب الرسمي ومقاصده. الروايةُ الجزائرية ما برحت تروم جرّ المجتمع الجزائري، أو الإيهام بذلك، نحو التماهي مع الإرادة الرسمية. لكن المعارضة الجزائرية في الخارج لطالما عللت الخطاب الجزائري المعادي للمغرب بأنه تمرين يُراد منه تصدير الأزمات الداخلية نحو معركة خارجية يراد منها شدّ عصب الجزائريين، كما شدّ انتباههم، نحو قضايا وهمية، قلما اهتموا بها، وقلما وجدوا في تلك الرمال ارتباطا بمشكلاتهم الحقيقية.

في الجزائر حالياً أزمة رئيس، ولا تملك أروقة القرار إلا ورقة الرئيس بوتفليقة مرشحاً وحيداً للتجديد لنفسه لولاية رابعة (ربما في ترشح الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا رمزية تتوق لكسر هذا الاحتكار). في الحدث دليل آخر على عجز النظام السياسي على إخراج وجوه جديدة تمثّل النظام السياسي وتحظى بإجماعه. يشعر الجزائريون أن استقرار نظامهم السياسي متعلّق بشخص بوتفليقة، ويخشون من غياب مفاجئ تتدخل فيه الإرادة الربانية. في ذلك القلق يبرزُ الوجه الآخر للأزمة الداخلية في الجزائر.

على خلفية تلك الأزمة، تتقدم مفاجأة في أبوجا في نيجيريا. هناك، ومن خارج أي سياق (إلا سياق تصدير الأزمات)، يدعو خطاب منسوب للرئيس الجزائري (طالما أن آخراً تلاه بالنيابة) المجتمع الدولي إلى إحداث آلية لمراقبة حقوق الانسان بالصحراء. المسألة كانت تميل لها إدارة أوباما قبل أن تتراجع وتنهي هذا الجدل لصالح المغرب في القمّة الأخيرة التي جمعت الرئيس الأميركي بالملك المغربي. خسرت الجزائر رهانها، مرة أخرى، لا سيما حين أيّدت واشنطن، إضافة إلى مواقف أوروبية ودولية أخرى، "الحلّ المغربي" بصفته "واقعياً".

على أن انهماك الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن سيادتها على الصحراء لا يهتم له أُولي الحكم في الجزائر. فما هو أساسي مبدئي أصيل بالنسبة للمغرب، تعتبره الجزائر ميّدانا تمارس من خلاله ضغوطها "السادية" على الرباط. تعتبرُ الجزائر أمر الصحراء هامشيا لا يتعلق بسيادتها ويدور حول أراض الغير. وتعتبر الجزائر أن التوافقات الدولية لن تُمرر حلاً لا ترضاه، طالما أن لها القدرة على التعطيل والعرقلة الميّدانية.

ساعة بطيئة من رمال تتحكم بعصب الأزمة بين البلدين. بات الخلاف الجزائري المغربي يتداعى على أمن المنطقة. فغياب التعاون والتنسيق بين البلدين في شؤون الأمن (كما رفضُ الجزائر مشاركة المغرب في ترتيبات الأمن الخاصة بمنطقة الساحل) يؤثّرُ سلبيا على أمن المنطقة برمتها. أضحى الميّدان الجامع للبلديّن وضواحيهما مرتعاً لجماعات الارهاب التي تجول في منطقة كشف التدخل الفرنسي في مالي فداحتها وحجم خطورتها.

تجاهرُ أوساط المغرب بمسؤولية المخابرات الجزائرية عن رعاية ملتبسة للجماعات الإرهابية، وبالمسؤولية عن التردي الذي وصلت له الأوضاع في شمال مالي قبل تدخل الفرنسيين (تعتبر هذه الأوساط أن هجوم عين أمناس في الجزائر هو ارتداد ما استثمرته تلك الأجهزة). وتتحفظ بعض الأوساط المغربية، في هذه الأيام، على مطلب فتح الحدود (الذي يُعد مطلباً مغربياً تتدلل الجزائر في رفضه)، ذلك أن المغاربة باتوا يعتبرون فتح تلك الحدود منفذاً لإرهاب محتمل. صحيح أن السياسة الجزائرية شديدةُ الحساسية ضد جماعات الاسلام السياسي عامة والاسلام الجهادي خاصة، بيّد أن الرباط لا تخفي شكوكها بتورط الأجهزة الجزائرية بتحريك تلك الجماعات للعبث بأمن المنطقة بما يشكّل تهديدا للمغرب (تعيد الأوساط المغربية سرّ ذلك إلى صراع داخلي جرى بين تيار الرئيس وتيار المخابرات بقيادة توفيق مدين).

في المحصّلة تقوم معادلةٌ تقود طبيعة العلاقة بين المغرب والجزائر. التوتر والتأزم فلسفة تطّبع تلك العلاقة بشكل بنيوي يمنع أي أمل بقيام فضاء مغاربي. المغاربة يعتبرون أن النظام السياسي الجزائري جامدٌ لم يتطوّر منذ الاستقلال، وهو في جموده يمرُ بأزمة تلو أخرى على نحو مقلق قد يُخشى، هذه الأيام، من أن يؤدي إلى انفجار شامل.

المغاربة الفخورون بتحديث نظامهم السياسي وتطوّر نصوصهم الدستورية، يأملون بقيام الحكم الجزائري باصلاح ذاتي يوسّع من طبيعة المشاركة ويجدد وجوه الحكم، لعلّ ذلك يفكك أزمة البلاد، وبالتالي يكسر حلقة التأزم المفرغة بين البلدين.

في المغرب حين يقلقون يعوّلون على انفراج في الداخل الجزائري. في الجزائر حين يقلقون يصعّدون الموقف ضد المغرب. في مقاربة البلدين المتبادلة مفتاح لسرّ النزاع الذي يُراد له أن يكون من رمال، أزليٌّ لا ينضب.