'الجزائريون أسعد العرب'.. إستفزاز يوقظ الموتى من قبورهم

'التقرير يقصد النظام الحاكم وليس الشعب'

الجزائر – أثار تقرير حول تصدر الجزائريين المرتبة الاولى في السعادة بين العرب الكثير من مشاعر السخرية والاستهزاء على مواقع التواصل في الجزائر.

واعتبر الجزائريون ان هذا المؤشر يدل على عدم مصداقية التقارير التي تصدرها المنظمات الدولية تجاه بلادهم، لأن مؤشر "الكوكب السعيد" يجانب للصواب نظرا للواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردي للغالبية العظمى من الشعب الجزائري.

وعبر خريطة نشرتها صحيفة "ديلي ميل" البريطانية شملت 151 دولة عبر العالم توفر حياة طويلة وسعيدة لمواطنيها، حلت الجزائر في المركز الأول عربيا وفي المركز 26 عالميا، وتفوقت على دول أوروبية يحلم الجزائريون بالهجرة إليها مثل بريطانيا التي حلت في المركز (41) وألمانيا (46) وفرنسا (50) والولايات المتحدة (105).

واستند المؤشر لبيانات وفرها معهد "غالوب" للأبحاث وتقارير التنمية البشرية بأميركا.

واعتبر التقرير أن الثروة المالية ليست سببا للسعادة، لكنه حدد أسبابها في الحرية السياسية، وغياب الفساد، والشبكات الاجتماعية القوية.

ووضع مؤشر السعادة العالمي في نسخته الجديدة الجزائريين في صدارة الشعوب العربية التي تتمتع بحياة سعيدة وطويلة.

وأثار ذلك نقاشا واسعا حول دقة المعايير التي اعتمدت بين مصدق للتقرير وطاعن فيه.

وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي نقاشات حادة وتعاليق ساخرة ومتهكمة حيث اعتبر الكثير منهم ان المؤشر مجرد نكتة، واعتبره البعض الاخر من اشكال الاستفزازا.

وكتب المدون طارق "تقرير استفزازي هدفه إيقاظ الموتى من قبورهم".

فالعاصمة المعروفة بـ"الجزائر البيضاء" محاطة بالبيوت القصديرية من كل جانب.

وفي الضاحية الجنوبية للعاصمة الجزائرية تتزاحم فيلات فخمة للاغنياء الجدد مع اكواخ من الاجر والقصدير لجزائريين لم يستفيدوا بعد من ريع البترول الذي جعل هذا البلد الاغنى في منطقة الساحل وشمال افريقيا.

وقد وصل عددها الى 60 الف بيت بحسب الارقام الرسمية، تقطنها عائلات هجرت مساكنها هربا من الموت خلال "العشرية السوداء"، وهي التسمية التي اطلقتها الصحافة الجزائرية على الحرب الاهلية (1992-2002) التي اسفرت عن مقتل 200 الف شخص.

ويعجب طارق كيف يغفل معهد غالوب عن "الذين ينتحرون حرقا على بوابات الإدارات وفي كل مكان ومن شتى الأعمار" ويعتبر أن "التقرير يقصد النظام الحاكم وليس الشعب".

وكشف آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية، نـُشر مؤخرا، أن الجزائر احتلت المرتبة التاسعة عربيا في الدول التي تعرف أكثر حالات انتحار بمعدل 1.9 متقدمة على عدد من الدول العربية على غرار المملكة السعودية، مصر، لبنان، سوريا.

وتندرج أغلب حالات الانتحار بالجزائر بسبب مشاكل اجتماعية واقتصادية تتعلق بالمستوى المعيشي مقارنة بدول عربية أخرى، وعبر التقرير عن قلقه إزاء تنامي الظاهرة بالجزائر وانتشارها عبر كل الفئات العمرية وبنسبة أكبر لدى الشباب والرجال أكثر منها لدى النساء.

أما رحيم فعلق ساخرا "أنا سعيد لأنني بدون عمل، ولأن اليد العاملة الأجنبية عوضتنا، أنا في قمة السعادة لأن دخل المتسول أفضل من دخلي".

أما الاعلامي رشيد ولد بوسيافة فدعا ساخرا في صفحته بموقع فيسبوك حرس الحدود للانتباه لأن "قوافل الحرّاقة (لفظة دارجة تعني المهاجرين غير الشرعيين) الإنكليز والدانماركيين والسويديين يتسللون إلى أرض السعادة".

ودعا أخصائيون وخبراء السلطات الجزائرية إلى إنشاء خلايا استماع وطنية من أجل الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية للشباب المنتشرة بكثرة والتكفل بانشغلاتهم التي يتصدرها الحصول على مناصب للشغل وتحسين المستوى المعيشي.

وينتقد خصوم الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة حصيلته الاجتماعية منذ بدء الحملة الانتخابية خصوصا بشأن البطالة والهجرة والفساد.

واعتبر مراقبون ان حكومة بوتفليقة تغافلت عن محاربة الفساد الذي ينخر المؤسسات العمومية، واعتبروا ان الشعب الجزائري يعيش كابوس التطرف الفكري والديني ويعاني من ويلات الفقر والتهميش والبطالة الى جانب انتشار اخطبوط الفساد والرشوة في البلاد.

وتجد السلطات الجزائرية صعوبات كبيرة في الحد من البطالة في اوساط الشباب بالرغم من انشاء عدة برامج يفترض ان تدعمهم لبدء حياتهم العملية.

وتشمل البطالة 21,5% من الشباب البالغين اقل من 35 سنة، بحسب اخر الاحصائيات التي نشرها صندوق النقد الدولي، مقابل نسبة بطالة عامة بلغت 10%.

وتعتبر الجزائر واحدة من أكثر الدول العربية بل وفي العالم انتشارا للفساد.

وكانت قضية الفساد عالمية الأبعاد داخل الشركة الوطنية للنفط الجزائرية "سوناطراك" أحدث شاهد على أن سرقات الأموال في الجزائر تكاد تكون سياسة رسمية للدولة.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول "إن تكلفة الرشوة باهظة جدا بالنسبة للجزائريين.. فقد أفرزت دولة متفسخة وسلطة تستمد ديمومتها من الريع، واقتصادا على حافة الإفلاس وتفقير وتهميش أعداد كبيرة من المواطنين، ونسبة عالية جدا من البطالة \'على عكس ما تقوله السلطات بأن البطالة تراجعت\'، وإدارة عمومية عشش فيها الفساد".

وأثارت نتائج هذا التصنيف التي نشرت في وسائل الاعلام تساؤلات الكثير من الجزائريين، حيث تساءلوا كيف يمكن للجزائريين أن يكونوا الأسعد عربيا وهم يتخبطون في مشاكل اجتماعية كثيرة أولها البطالة والبيروقراطية، ولم يتبعد الكثير منهم ان تكون الحكومة الجزائرية دفعت رشوة ليكون شعبها اسعد الشعوب العربية.

وانتقد رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، المحامي فاروق قسنطيني ما نشره مؤشر "الكوكب السعيد" حول رفاهية الجزائريين، حيث قال إنه لا يعكس الواقع ومبالغ فيه، لأن الجزائري لم يتذوق بعد طعم السعادة بسبب المشاكل اليومية التي يتخبط فيها، في مقدمتها أزمة السكن، البطالة، الصحة.. والقائمة طويلة.

وأفاد النائب البرلماني لخضر بن خلاف، بأن ما نشره المؤشر لا أساس له من الصحة، ولا يستبعد وجود مقابل وراءه، قد يكون عينيا أو ماديا أو مصلحيا أو خدماتيا أو موقفا سياسيا من أجل هذا الترتيب الذي يرى أنه لا يتماشى مع الواقع المعيش.