الجزائرية ياسمينة صالح: انا امرأة من وطن مجروح حتى العظم

حوار: ماجدولين الرفاعي
محاولة للتأريخ

بداية نحب ان نعرف القارئ العربي بهويتك الشخصية فمن هي ياسمينة صالح؟ من الصعب الرد على هذا السؤال بالبساطة التي طرحته بها. لست أدري سوى أنها ورطة لا تخلو من رهبة أن تسألي نفسك "من أنا" أو تسألين الآخر "من أنت؟" و مع ذلك أقول لك أنا امرأة من وطن مجروح حتى العظم.. كاتبة في واقع من الشتات اليومي و المكرر بإصرار. إنسانة في زمن الخراب بكل تفاصيله الراهنة.
أنا جزائرية حد الوجع، و لا أقول هذا سوى لتبني هذه "الأكذوبة" بكل ما فيها من عري، و أن أكذوبة "الأوطان لنا" التي تغنى بها الشعراء أيام كانت كذبة الوحدة تنطلي على الناس لمجرد أنها تقال على شرف المأساة كيفما كانت مسمياتها. ما شكل المستقبل الذي تتخيله الاديبة ياسمينة صالح؟ مستقبل؟ كأنك تسألين عن شكل الهباء الذي يمكننا الحلم به بأقل (أو أكثر) فظاعة ممكنة، و لا تظني في كلامي تشاؤما باعتبار أنني لم أعد معنية بالمستقبل كرؤية تفتقد إلى الأساس. هل يمكن أن تتخيلي مستقبل شعب يعيش على هذا الفراغ و الفظاعة و الكبت و العنف و الإرهاب بكل أشكاله؟
هل يمكن أن تسألي فلسطينيا تطارده الأباتشي الإسرائيلية و يطارده الإعلام الغربي، و تطارده "اللا نخوة" العربية ما نوع المستقبل الذي يتخيله أو يحلم به؟
هل بإمكانك أن تسألي شاب عراقي فقد كل شيء بجرة قلم عن المستقبل و كيف يتخيله؟
لماذا علينا أن نبدو أكثر تفاؤلا منهم و هم الذين يعيشون واقعا ندركه جيدا و نعيشه معهم بنفس الحدة و الرعب و قد عشنا في الجزائر واقعا مماثلا و إن اختلفت صوره إلى حد ما، ولكن قبالة المجزرة من الصعب أن تتكلمي عن المستقبل، وأعني مجزرة الراهن في هذا النوع من التنازلات التي تقدمها الأنظمة باسمنا، و في زمن " الفيديو كليب" التي يتعرى فيها الجميع ليثبتوا للعالم أننا أكثر تحضرا من "المعقدين" و أن ثقافة الشطح و النط و الرقص و "الانحلال" هي "المقاومة" التي يجب التمسك بها لمناهضة "الظلاميين" ! فكيف تسألينني عن المستقبل بعد ذلك؟ ثورة الانترنت والثقافة الرقمية عالم جديد تأثر به العالم العربي بقوة برايك هل هذا التاثير ايجابي ام سلبي؟ أجمل ثورة حققها الانترنت أنه ألغى تلك الحدود بين الناس جميعا، و أن الرسائل التي كان يراقبها حراس البوابات العربية صار يراقبها "الكونجرس" عبر أجهزة مغايرة ـكما يزعمون على الأقل ـ ربما متعة الانترنت أنه خلق فضاء مغايرا بحيث أن الثقافة الرقمية كما أسميتها أنت صارت متاحة فعلا.
يمكنك قراءة صحف العالم كله في يوم واحد، و يمكن قراءة العالم كله في نظرة واحدة أيضا. أليس هذا جميلا و مبهرا؟
وإن لم يكن الانترنت خاليا من العيوب طبعا مع انتشار ثقافة الرداءة عبره أيضا و لكن هذا في نظري أمر طبيعي باعتبار أن الجيد و الرديء في كل مكان، إنهما كما الخير و الشر متلازمان. يقال هنالك فقر في القراءة عند الشعب العربي بعكس الامم الاوربية فما سبب ذلك برايك وماهي افضل الطرق لتشجيع القراءة في زمن احتلته الفضائيات الغنية بالتفاهات؟ هنالك من يربط عدم القراءة بالانترنت، و صدقيني أن أزمة القراءة ليس سببها الانترنت وليس سببها الإعلامي الرقمي كما يظن البعض.
أعتقد أن الدول التي لم يدخلها الانترنت ولم تدخلها الفضائيات التافهة لم يدخلها الكتاب أيضا. أزمة القراءة عندنا مرتبطة بأزمة الأمية أيضا، ففي الوقت الذي نحكي فيه عن الثقافة الرقمية نكتشف النسبة الرهيبة من الأمية في الوطن العربي.
في الجزائر الأمر يبدو مخيفا أيضا كما هو الحال في المغرب و موريتانيا و السودان وغيرها من الدول العربية.
كيف يمكن الدفاع عن القراءة في غياب التعليم الحقيقي؟ التعليم الذي لا ينطلق من "التبويس" ومن "تقبيل أيادي الزعماء" في كتاب القراءة ! نحن نعاني من أزمة قراءة لأن الكتاب مربوط ثمنه بالخبز أيضا، كأن يسأل مواطن عليه أن يطعم أطفاله، كيف يشتري كتابا يستمتع بقراءته على حساب خبز أبنائه. و أعود و أقول أن أزمة القراءة مرتبطة بأزمة البطالة بكل أبعادها السياسية والاجتماعية و الثقافية. تحدثت في وروايتك "بحر الصمت" عن الثورة الجزائرية التي تفتخرين بها ثم في روايتك الجديدة "وطن من زجاج" تحدثت عن الوطن بعد الثورة الجزائرية، برأيك هل الجزائر الان بحاجة الى ثورة جديدة؟ دعيني أقول لك أن أكبر حملة انتقاد تعرضت إليها في الجزائر أنها اتهمتني بأني "بهدلت" الثورة، بمعنى أنني لم أمجدها كما تعودنا تمجيدها. ولكني أعتقد أنني في بحر الصمت كتبت عن الأخطاء التي ارتكبت في الجزائر في ظل أولئك الذين هرعوا للكراسي على حساب الشعب. أنا ابنة رجل مناضل أعتز كثيرا بانتمائه إلى الثوار إبان الثورة التحريرية، و أنه لم يهرع مثلما هرعوا بعد الاستقلال للنهب و السلب و السلطات القمعية.
أحمد الله على أن الفقراء يكسبون أبهة الفقر من هذه الخاصية أيضا، بمعنى أنهم لن يتورطوا مع الأغنياء ولا حتى في طريقة الدخول إلى الجنة!
"وطن من زجاج" رؤية مغايرة في نظري لواقع المجزرة الجزائرية. من يقتل من؟ ذلك السؤال الذي ظل ينهشنا طوال تلك العشرية السوداء قبالة أكثر من 150 ألف ضحية. وطن من زجاج هو طريقتي في قراءة تلك المرحلة التي عشتها داخل البلاد و ليس خارجها. يتهم النقاد دوما كتابة المرأة بانها عبارة عن سير ذاتية وانها مغموسة دوما بهمومها فما هو ردك؟ صدقيني لست معنية بهذا الطرح باعتبار أنني أعتقد أنهم لن يقولوا أن "الضابطة" في الجيش الاميركي التي أطلقت النار على الطفل العراقي يوم العيد قد قتلت ضحيتها برصاصة نسائية "على طريقة الأدب النسائي". في الكثير من كتاباتك تكررت عبارة "نحن أيتام هذا الزمن الكئيب" ماذا تقصدين بتلك العبارة؟ أقصد ما جاء في العبارة فعلا. أنا نفسي يتيمة هذا الزمن الذي اعتقدنا أننا نولد فيه في ظل أب وأم ووطن لنكتشف ذلك اليتم الشامل. كلنا ضحية نفس الأشياء تقريبا وكلنا يتامى بكل ما تعنيه العبارة من "فقر حلم". تتابع الأديبة ياسمينة صالح ماتعرضه الفضائيات والمحطات الاخبارية عما يحصل في العراق وفلسطين من قتل ودمار وتجويع ماهو شعورك كأديبة عربية؟ شعوري؟ إنها الفجيعة الكاملة و أعرف أن دورنا قادم. لم يعد ثمة دولة تدعي أنها بمنأى عن الوحش الاميركي، ولا عن أهداف إسرائيل ولا عن الاختراق الصهيوني الكامل في دولها. الآن كل واحد فينا يجلس في مقعده وينتظر أن تمر الدبابة الاميركية أمام بابه باسم "التغير" وباسم "الديمقراطية" وباسم "الفتوحات البابوية الجديدة". فزت بعدد من الجوائز والكثير من النجاحات فلم تهدين كل هذا المجد؟ لروح أبي الذي توفي حزينا كوطن فقد أسباب بقائه. هل من كلمة توجهينها للمراة العربية التي لازالت تحلم بمن يخلصها من ظلمها؟ سأكذب عليك لو قلت لك أنني واحدة من الداعيات لتحرر المرأة بالمفهوم "الاميركي" أو "الغربي" و لكني أرى أن المرأة العربية التي تخدم في الأرض في صعيد مصر و تجني القمح في قرى المغرب أجمل من تلك التي تعتقد أنها "قاعدة" على إيديولوجية مغايرة.
الظلام الحقيقي في اللاوعي وفي الاعتقاد أن العدو هو ذلك الأخ المقهور أو تلك الأخت المقهورة، و أن الحرب على "القيم" هي الحرب على "التخلف" هذا لا أعتقده شخصيا و تلك أشياء لا أؤيدها لأني أعتبرها جزء من الخراب السائد عندنا. ظلم المرأة في جهلها و ظلم الرجل في عدم إدراكه أنه يُدفع دفعا نحو الانسداد لخدمة الآخرين أحيانا، و لخدمة مصالح أدت إلى خرابه أيضا. أنا لست امرأة ليبرالية، بل امرأة عربية بسيطة تؤمن أن الأرض لمن يخدمها.