الجديدية في آسيا الوسطى: الإنسان المعاصر

جماعة ظهرت واختفت نافعة ضد التشدد

كانت الجديدية خطاباً ثقافياً موجهاً إلى المجتمع المسلم نفسهُ، وقدْ تم التركيز على موضوعات عدّة أهمها: التنوير، التطوّر، وانبعاث أو "انتباه" الأمة لكي تلعب دورها في عالم متمدن. وكان أصحاب هذا الخطاب يعنون بذلك أن تتمتع البلدان ذات السيادة بقدرة عسكرية واقتصادية. وكانَ على المجتمعات النهوض بنفسها في ظل افتقاد السيادة من خلال التعليم والجهود المنضبطة. كانَ الخطاب الجديدي شديد الانتقاد لوضع المجتمعات الإسلامية آنذاك، والذي كان الجديديون يقارنونه سلباً بحال الأمة الإسلامية التي تمتعت بالمجد فيما مضى والبلدان الأوروبية التي تتمتع بالتطور المعاصر.

يُعِدّ الجديديون كلاً من التقدّم والتحضّر من الظواهر العالمية المتوافرة للمجتمعات كافة، ولكن لا يمكن كسبهما إلّا بالجهود المنضبطة والتنوير، وليس في الإسلام ما يمنع المسلمين من مواكبة العالم المتحضر، وبالتأكيد بالنسبة للجديديين أنّ المسلم الصالح لن يكون سوى الإنسان المعاصر المسلّح بالعلم وفقاً لمتطلبات العصر، وقد تكررتْ هذه الرسالة في المقالات والمسرحيات والفنون الجميلة.

كانَ الجديديونَ يعتبرونَ أنفسهم من دعاة الإصلاح الديني أيضاً، إذْ كانوا على معرفة تامّة بالنصوص الإسلامية الأصلية، وكانوا يميلون إلى رفض التشدّد في التفسير، ولكن مركزية "الطريق- التقدّم" و"المدنية" وحب العلم والمنطق هي ما ميّز الجديديين عن غيرهم من الإصلاحيين المسلمين كعبدالنصير القورصوي (1776– 1812) وشهاب الدين المرجاني ( 1818 – 1889) اللذين أثارا موضوع الإصلاح في اللاهوت - أي علم الكلام- وركّزا على العقائد والعبادات، وكان هذا النوع من الإصلاح تبناهُ من قبل علماء التتار ومسنود إلى سلطات دينية تقليدية وليس إلى قراءة معاصرة جريئة للدين، وهو المنهج الذي سلكهُ الجديديون.

الفكر الأساسي للجديدية

يقدّم التقرير المنشور في جريدة "خورشيد – الشمس" الطقشندية عام 1906م طرحاً منصفاً للفكر الجديدي النموذجي في آسيا الوسطى: "إن جميع أفعالنا ودروبنا وكلماتنا ومكتباتنا ومدارسنا وأساليب تعليمنا وحتى أخلاقياتنا في تدهور... وإذا استمرّ هذا الحال للسنوات الخمس أو العشر القادمة فإننا سنقع ضحية التفرقة والانقسام والتبعثر تحت اضطهاد الدول المتقدّمة... يا إخواننا في الدين والوطن... فلنقُمْ بمقارنة صادقة بين أحوالنا وأحوال الشعوب المتقدمة... لنضمن مستقبل الأجيال القادمة من أبنائها كي لا يكونوا عبيداً وخدماً للغير، فالأوروبيون استغلّوا إهمالنا وجهلنا وسلبوا الحكم من بين أيدينا وهم يسلبون مهننا وحِرَفِنا شيئاً فشيئاً، وإنْ لمْ نقمْ بمجهود لإصلاح أمورنا من أجل حماية أنفسنا وشعبنا وأبنائنا فإنّ مستقبلنا سيكون شديد الظلام. يبدأ الإصلاح بتهذيب العلوم التي تلائم زماننا، وأنّ مواكبة هذه العلوم تعتمد بالأساس على إصلاح مدارسنا وأساليب تعليمنا".

كانت الدعوة الجديدية تطالب بإصلاح وتعديل الثقافة في آسيا الوسطى بشكل عام من أجل تحقيق الهدف المنشود، وتحذر من أنّ الالتزام بالنهج التقليدي قد يؤدي إلى اندثار المجتمع. فالجديديون كانوا يؤمنون بأنّ مهمتهم هي إيقاظ الأمة التي غطّت في سباتٍ من الجهل، وذلك عن طريق الموعظة ونقد الذات مع التحذير من العواقب الوخيمة التي ستقع في حال لمْ يُلَبَّ نداؤهم. كانَ المشروع الجديدي مرتكزاً على الإيمان بقدرة المعرفة والتعليم على تحسين الحال الراهن، وسأفصّل هذه النقاط في الفصل القادم.

كانَ العلمُ بالنسبة للجديديين عالمياً ولا يقتصر على ثقافة معينة من دون أخرى. لذا كانوا يشجعون المقارنات مع الغرب. أمّا أسلوب الخطاب الذي تبناهُ الجديديون فكان بالـ"عبرة"، والنصح والعتاب مع ذكر الأمثلة الجديرة بالثناء، فكانوا يقدمون للمجتمع نصائح توضّح لهم مواضع الخلل من أجل أن يغيّروا أنفسهم، وقدْ جاءت معظم كتابات الجديديين من هذا النهج البلاغي. كانَ كلامهم عن الدول المتقدّمة إيجابياً بشكل كبير، فالمفكر الجديدي النافذ محمود خواجة بحبودي السمرقندي كانَ يحبُ نشر الإحصائيات التي تبيّن عدد الصحف والمسارح والمدارس ومقدار الصرف المالي على التعليم في مختلف مناطق العالم، حيث كانت الجرائد تحكي عن التطوّرات التقنية والأعمال الخيرية والجهود المشتركة حول العالم مع حثّ القرّاء على سماع النداء والاحتذاء بالنموذج. كانت بلدان ومجتمعات أوروبا تقدّم مثالاً إيجايباً جديراً بالاتباع.

يزور المسافر بعد ذلك مدينة قرشي، ويدور بينهُ وبين حائكٍ قدير هذا الحوار:

نالتْ مواضيع الصحة العامة والصرف الصحي حصتها من حكاية المسافر أيضاً، إذْ يجد أن بخارى غير صحية على الإطلاق فينتقدها عن طريق التحدّثُ عن مفهوم الصحة العامة. يمرضُ المسافر في منتصف الرحلة ويعجزُ الأطباء المحليون عن معرفة سبب المرض، فيأبى العلاج منهم ويصرُّ على طبيبٍ روسي لعلاجهِ فيتعافى على يديهِ بفضل الطب الحديث، ويروي بالتفصيل الحوار الذي حصلَ بينهُ وبين الطبيب الروسي حول الصحة العامة والصرف الصحي والتعليم الطبي.

كانَ تفوّق الطب الحديث على نظيرهِ التقليدي تطبيقياً ونظرياً قدْ أصبحَ موضوع جدل في آسيا الوسطى، ففي الوقت الذي كان الأفراد يتعالجون بالطب الحديث ويمتدحونهُ بشدّة، كانتِ الصحة العامة تواجهُ مشكلات عدّة بسبب استياء الطبقة العامة من توسيع رقعة سيطرة السلطة في المجالات الجديدة ومنها الطب، الأمر الذي أثار قلق طبقة المسؤولين. أيّدَ الجديديون هذا الخطاب عن الصحة العامة وانتقدوا الطب التقليدي القديم كما قالَ أحد كتّاب جريدة "عينا" منتقداً الطب القديم: "يجهلُ أطباؤنا الطبَّ الحديث ولا يبرعون في شيء سوى الإساءة أكثر للمريض والإسراع في إرسال روحهِ إلى البارئ".

ظهرتْ أولى الصحف الجديدية في منتصف العقد الأول من القرن التاسع عشر؛ الذي كانَ فترةَ تفاؤل كبير أثناء انبعاث الثورات في روسيا وإيران، وقيام فرصة حقيقية لسنِّ دستور ليبرالي في روسيا، لكن الأمور تغيّرت على نحو سريع، فقدْ أصابَ البرود الحياة السياسية في روسيا، وأمّا العالم الإسلامي فكانت الأخبار السيئة تتوالى عليهِ بتتابع؛ إذْ تزامنَ خضوع المغرب للاستعمار الأسباني والفرنسي مع تقسيم إيران، ولكن ما أقلق الجديديين في آسيا الوسطى وعلماء الإسلام بشكلٍ عام هو الحروب المتعددة التي واجهتها الإمبراطورية العثمانية بعد ثورة "تركيا الفتاة" عام 1908م. قامت الصحف الروسية بتغطية تفاصيل هذه الحروب بحذافيرها بما فيها الصحيفة الرسمية لمقاطعة تركستان، ممّا خلقَ لدى الجديديين شعوراً بخطورة الموقف.

إنّ سبب الفساد الخلقي كان الجهل، وليس سوى المعرفة ما يضمن الصلاح والتقوي. زارَ المسافر الهندي ضريح بهاء الدين النقشبندي في ضواحي بخارى وأصابهُ الهلع ممّا رأى هناك، فالزائرون كانوا يقدمون على تقبيل بقايا مقدسّة كقرنِ الكبش والساريات التي تحمل راية المزار، وصلّوا لصاحب الضريح، فيعتبرُ المسافر هذه الأفعال شكلاً من أشكال الوثنية فيسأل: "أيعقلُ أن تحكموا على غيركم بالشرك والوثنية لعبادتهم الصليب وأنتمْ تعبدون ساريات الرايات في المزارات وتسألون بهاء الدين قضاء حوائجكم، وتعدّون أنفسكم مسلمين؟"، فانتقاد الطقوس التي لا تعدّ إسلامية ومرتبطة بالجهل كانَ من سمات خطاب الجديديين.

نهاية الجـديـدية

تغيّرَ الكثير بعد الثورة الروسية عام 1917، وبعد إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية عقبَ سقوط الدولة العثمانية، فقد فتحت الثورة الروسية آفاقاً واسعة للجديدية التي كانت أهدافها قبل الثورة مقتصرة على إصلاح المدارس التقليدية وحضّ المجتمع المسلم على تلبية النداء، ولكن بعد الثورة اتّسع طموح الجديديين فكانوا يأملون في قيادة التغيير عبر آلية الدولة. كانت للبلاشفة (الشيوعيين) الذين تسلّموا الحكم المركزي أجندةٌ من التحولّات الاجتماعية والثقافية الجذرية، وقدْ وجدَ الجديديون والبلاشفة سبلاً للتعاون المشترك بينهما في القرن العشرين، وإنْ كانَ هذا التعاون على مضض.

اقتربَ عددٌ قليل من الجديديين من السلطة الحاكمة في تركستان التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي؛ ولكنّ الكلمة العليا في المجال الثقافي كانت لهم لعقدٍ كامل من الزمن حاولوا خلالهُ بناء ثقافة وطنية وهوية ثقافية جديدة، وما ساعدهم على هذا التوجّه هو التزام السوفيت بالتغلّب على التخلّف وتحديث الثقافة بشكل جذري.