الجدل الفلسطيني بشأن المقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية

بقلم: ماجد كيالي

يثير موضوع العمليات الاستشهادية جدلا كبيرا في الساحة الفلسطينية، وقد انقسمت المواقف من حوله بين مؤيد ومعارض ومنتقد، وكالعادة فإن هذا النقاش لم يتخذ مسارات سليمة، ولم يصل إلى نهايات أو توافقات معينة.
ويبدو الموقف من هذه العمليات في الساحة الفلسطينية على غاية من التعقيد والصعوبة، أولا، بحكم سيادة ثقافة سياسية ترتكز على الرموز والعواطف والمطلقات، فإما مع أو ضد؛ ثانيا، بسبب حجم الإرهاب الإسرائيلي الموجه ضد الشعب الفلسطيني، والذي يظهر هذه العمليات وكأنها ردة فعل بديهية يستخدمها الطرف الضعيف في مواجهة الطرف القوي؛ ثالثا، لأن الخلاف هنا هو بالأساس خلاف سياسي وليس مجرد خلاف على الوسائل، وهذه مسألة مهمة جدا؛ رابعا، بسبب معاناة الانتفاضة من غياب قيادة تحدّد رسالتها السياسية ووسائل عملها.
وبتقديري فإن نقاش موضوع العمليات الاستشهادية اتسم بنقاط ضعف، من ضمنها لجوء كل طرف إلى إدانة الطرف الأخر، فالمعارضون لهذه العمليات أدانوها في حين طعن المؤيدون لها بالصدقية الوطنية للفريق الأخر، وهذا بالطبع قطع النقاش ولم يؤسس لوعي سياسي حول الموضوع، وأخلّ بوحدة قوى الانتفاضة وبلبل الشارع الفلسطيني.
أيضا فقد بالغ كل طرف في محاولته دحض وجهة نظر الطرف الأخر والحطّ من قيمتها، فالتيار المؤيد للعمليات الاستشهادية يرى بأن هذه العمليات هي السلاح الذي ابتدعه الفلسطينيون لإيجاد نوع من توازن الرعب وردع شارون وصولا لهزيمة إسرائيل وانتصار الانتفاضة، في حين حاول الفريق الأخر إثارة الشكوك حول هذه العمليات ومواقيتها واستهدافاتها، مستفيدا من العشوائية وعدم تبلور استراتيجية سياسية أو عسكرية واضحة للقوى التي تقف وراء هذه العمليات.
من ناحية أخرى فقد ذهب الطرف المعارض بعيدا في رفضه المقاومة المسلحة، بما فيها تلك التي تجري ضد التواجد العسكري والاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، لصالح التمسك بالانتفاضة كفعل شعبي/مدني، أما مؤيدو العمليات الاستشهادية، فهم بدورهم، لم يميّزوا في النقاش بين الموقف من هذه العمليات وعمليات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وتم تصوير هذا النقاش، من قبلهم، وكأنه يستهدف حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، كما اعتبر هؤلاء بأن العمليات الاستشهادية تشكل 90 بالمئة من عمليات المقاومة وأن وقفها يعني المطالبة بوقف المقاومة(على حد تصريح أحد قياديي هذا التيار)، وهذا غير صحيح، لا من حيث الأرقام ولا من ناحية الفهم السياسي، إضافة إلى أن هذا التعميم لا يخدم قضية النقاش.
وفي الواقع فإن مناقشة هذا الأمر تحتاج إلى وعي سياسي مرتبط بمصالح الشعب الفلسطيني (لا بالمصالح الفئوية الضيقة) وبتعقيدات قضيته على المستويات العربية والدولية وحتى الإسرائيلية، كما تحتاج إلى مزيد من الهدوء وتقبّل الرأي الآخر.
وبلغة الأرقام فقد شهد العام الاول للانتفاضة مصرع 164 إسرائيليا، سقط منهم 59 بنتيجة 12 عملية استشهادية (ضمنهم 39 إسرائيليا قتلوا في عمليتي ملهى الدلافين ومطعم سبارو في القدس، يومي 1/6 و 9/8/2001)، في حين أدت عمليات المقاومة المسلحة إلى مصرع 105 إسرائيليين سقطوا بجهد 8000 آلاف عملية في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما محصلة 23 شهرا من الانتفاضة/المقاومة (حتى 31/8/2002) فقد أدت إلى مصرع 610 من الإسرائيليين، سقط منهم بنتيجة عشرات العمليات الاستشهادية 250، في حين أدت 14 ألف عملية من عمليات المقاومة المسلحة في الضفة والقطاع إلى مصرع حوالي 360 إسرائيليا.
اللافت للانتباه أيضا أنه تم مصرع 23 عسكريا إسرائيليا، فقط، بنتيجة العمليات الاستشهادية، في حين أدت عمليات المقاومة المسلحة إلى مصرع 160 منهم وذلك من أصل 183 عسكريا قتلوا خلال عمليات المقاومة بمجملها.
أما من حيث التوزيع الجغرافي للعمليات وبحسب صحيفة معاريف (31/7)، فإنه منذ 29/9/2000 وحتى 30/7/2002 قتل 583 شخصا: 220 منهم (38%) داخل الخط الأخضر. وبرأي نداف شرغاي(هآرتس 15/9) فإنه "خلال العامين الأخيرين قتل 619 شخصا 133 منهم من سكان المستوطنات، أي 21.5 في المائة، 40.5 في المائة قتلوا نتيجة لتفجير استشهادي..شخص واحد فقط قتل من إطلاق نار من قذيفة راجمة رغم أن الفلسطينيين أطلقوا أكثر من ألف قذيفة كهذه..هناك 14.267 عملية جرت خلال الثلاثة وعشرين شهرا الأخيرة. أغلبها الساحق (96 في المائة) في مناطق الضفة والقطاع، عمليات الجبهة الداخلية (4 في المائة) فقط.
وللعلم فقد تم تنفيذ أول عملية استشهادية يوم 4/3/2001 في نتانيا (قتل فيها ثلاثة إسرائيليين)، وذلك بعد خمسة أشهر على اندلاع الانتفاضة والمقاومة.
على ذلك فإن مؤيدي العمليات الاستشهادية أضروا بخطّ المقاومة، من حيث لم يحتسبوا، إذ أن مبالغتهم بدور هذه العمليات، طمسوا، ولو عن غير قصد، جانبا مهما وناجحا من مسيرة الكفاح الفلسطيني، المتمثّل بعمليات المقاومة المسلحة في الضفة والقطاع والتي ساهمت برفع كلفة الاحتلال وقوضت أهمية المستوطنات، كما أنها كشفت بجلاء عن الطابع الاستعماري والعنصري لإسرائيل، ومن ناحية أخرى فإن التركيز على العمليات الاستشهادية في مناطق 48، اضر (بشكل غير مباشر) بشرعية عمليات المقاومة التي تجري في الأراضي المحتلة.
وهذه المقدمات تقود بالطبع إلى نتائج سياسية مضرة، إذ أن عدم التمييز بين مناطق 1967 ومناطق 1948 يفيد إسرائيل من عدة زوايا، فالقوى اليمينية المتطرفة تتمسك بمفهوم "أرض إسرائيل الكاملة"، وهي لذلك لا تعتبر الصراع مع الفلسطينيين مجرد صراع على الأرض المحتلة عام 1967، وإنما تعتبره صراع على وجود إسرائيل، وهي بذلك تعزز موقفها مرتين، أولا، بحشد المجتمع الإسرائيلي وراءها، وثانيا، بإظهار إسرائيل على الصعيد الدولي بوصفها ضحية "إرهاب" الفلسطينيين الذين يريدون القضاء عليها (وقد تفاقم هذا الأمر بعد حدث سبتمبر الأميركي)!
وإضافة إلى هذا وذاك فإن العمليات الاستشهادية والرؤيا السياسية التي تقف وراءها حمّلت الانتفاضة، بوصفها حالة فعل في الحدود الجغرافية والبشرية في الضفة والقطاع، أكثر مما تحتمل، إذ وضعت على كاهلها مهمة حل كل عناصر القضية الفلسطينية، من عودة اللاجئين (وليس فقط تطبيق القرار 194) إلى ترحيل آخر يهودي عن أرضنا (بحسب التصريحات الصادرة عن بعض القياديين). كما أنها أدخلتها في مواجهات غير قادرة على تحمل نتائجها، في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية، في معركة يفترض أنها طويلة ومعقدة ومضنية وينبغي أن تخاض، من قبل الطرف الضعيف، بأعلى أشكال التنظيم والاقتصاد بالقوى ومحاولة خلخلة جبهة العدو وتحييد نقاط قوته.
والمعنى أنه إذا كانت الانتفاضة حالة فعل في الخارطة الجغرافية والبشرية للضفة وقطاع غزة فإنه من البديهي تركيز العمل في هاتين المنطقتين والتركيز على هدفها المتمثل بدحر الاحتلال، لتحقيق التماثل بين خارطة الانتفاضة الجغرافية والبشرية وخارطتها السياسية. وإذا كان الساحة الفلسطينية، مثلا، أدركت متأخرة خصوصية فلسطيني 48 والتي تفرض عليهم أشكالا معينة من الكفاح السياسي، فإن هذه الساحة معنية، أيضا، بإدراك خصوصية فلسطيني الأراضي المحتلة الذين يكافحون لدحر الاحتلال ويدفعون ثمن الانتفاضة، من دون الإخلال بوحدة الشعب الفلسطيني وهويته ومستقبله.
وفي هذا الإطار يبدو أن الفلسطينيين معنيين بوعي التطورات الذاتية والموضوعية الجديدة المتعلقة بالصراع مع الإسرائيليين، والتي تفرض إدخال تحويلات معينة على مفهوم حق العودة أو مفهوم التحرير بتوسيع وتطوير مضامينهما، في إطار الكفاح لتقويض أيدلوجية الصهيونية ومؤسساتها العدوانية والعنصرية بإيجاد حلول تبدأ ربما بدولتين لشعبين مرورا بدولة ثنائية القومية وصولا لدولة ديمقراطية علمانية، دولة تتجاوب مع التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المنطقة.
ولا شك أن هذه الرسالة التحررية الديمقراطية والحضارية، للحركة الوطنية الفلسطينية، تفرض اعتماد استراتيجية كفاحية تتناسب معها، بما في ذلك تبني أشكال مقاومة تؤدي إلى رفع كلفة الاحتلال وإضعاف الفكرة الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، لتحريره من إسار الصهيونية، وتخدم في عملية كشف جوهر إسرائيل العنصري والاستعماري على الصعيد الخارجي.
وباعتقادي فإنه وحتى ينتظم النقاش حول هذا الموضوع لابد بداية من الإقرار بحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال مقترنا بالإقرار بأن هذا الحق لا يمكن أن ينجح من دون استخدامه بطريقة ناجعة وعقلانية وبارتباط مع الهدف السياسي؛ فلقد دفع الشعب الفلسطيني، في ماضيه وحاضره، ثمنا باهظا للشعارات والانفعالات والتوهمات، من دون أن يحقق شيئا، والمطلوب وقف هذا المسار لصالح مسار أخر.