الجدل التركي بين ازمة الهوية وأزمة النظام

ربما تختصر ساحة تقسيم في اسطنبول الدلالة الرمزية للاحتجاجات الجارية، فهي نقطة الوسط التي تفصل قسميها الشرقي والغربي، بأبعاد ثقافية حضارية تصل، إلى انتاج صورة مشوشة عن تسعة عقود من الحيرة، من ضمنها عقد من زمن حكم الاسلام السياسي والذي حاول بعض العرب التمثل به واللحاق بركبه.

منذ العام 1923 وتركيا الاتاتوركية تبحث عن هوية بديلة للعثمانية، فسقطت في اتون الحيرة، وتحولت من دولة حائرة إلى مربكة، واليوم تبدو دولة خائفة وعلى الارجح انها دخلت مرحلة الذعر. ليس ذلك بالضرورة ان تركيا غير قادرة على تخطي أزمتها الحالية بقدر ما هو البحث عن خيار معبر عن واقع عاشه الاتراك مدة عقود خلت، ومن الصعب نقلها من حضن علماني إلى حضن اسلام سياسي حاول مد تجربته إلى عالم آخر حكمه سابقا وباسم الدين اربعة قرون.

فمهما يكن من أمر خلفيات الاحتجاجات القائمة، ان كانت ذات خلفية سياسية ام اجتماعية ام اقتصادية، وبالمناسبة هي مزيج من ذلك، إلا ان الأصل يكمن في ازمة هوية ونظام توّجتها ازمة حكم بتجربة حزب العدالة والتنمية، فوقع في خطأ تصدير تجربته كما هي حال تجربة بعض الثورات المماثلة بداية ثمانينيات القرن الماضي في ايران.

لقد تمكن رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان من استغلال الضائقة الاقتصادية التركية والتخلص منها، وتحويلها إلى نصر سياسي ليس على الازمة الاقتصادية بقدر ما هو نصر على الهوية الثقافية والحضارية التي كانت تشق طريقها بصعوبة نحو الغرب. لكن هذا الواقع المستحضر غير قادر بطبيعة الامر على نقل تركيا من حالتها المتواضعة الرفاهية إلى دولة تضاهي المقاييس الاوروبية، باعتبار ان اقتصادها السياحي الريعي لم يستفد منه سوى طبقة محددة ضمن الاسلام السياسي الحاكم وباقي مكونات الطبقة الليبرالية التي حكمت تركيا لعقود خلت، فيما ظلت الشرائح الاجتماعية المتواضعة تبحث عن هويتها وسط ضغوط وهموم الشظف والعوز.

صحيح ان ثمة من الأسباب الكثيرة التي تأخذ المدقق باتجاه الجوانب المعيشية لتفسير ما يحدث، إلا ان الازمة الحقيقية في مكان آخر، ومتعلقة اساسا بإعادة صياغة هوية قومية افتقدتها تركيا دون التمكن من اكتساب بديلا منها، وهذا ما برز جليا في السياسات الداخلية والخارجية التي مارسها القادة الاتراك سابقا وحاليا. فتركيا وان اعادت قراءة امكاناتها بعد الحرب الباردة وتوجهت شرقا نحو عمقها التركماني في بعض دول آسيا الوسطى وجنوبا باتجاه ثقافتها الاسلامية، لم تتمكن من اقتلاع أو اجتثاث حلم الدخول إلى الاتحاد الاوروبي من الذاكرة الجماعية التركية، وهذا ما جعلها دولة حائرة في بحث دائم عن هوية تحتضنها وتعيد تموضعها في واقع اقليمي ودولي يعيد تعريف نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

في هذا الواقع، بدت تركيا دولة اقليمية وظيفية تجاهد للصعود نحو دور اقليمي فاعل، في محيط تنافسي مربك يعيد انتاج قواه وسط ازمات معقدة تبدأ بحروب الاحتلال ولا تنتهي بحقن وحروب طائفية ومذهبية، معطوفة على صعود قوى جيران منافسين اقوياء. وقد ادى هذا الواقع إلى تكريس ازمة الهوية التركية وليظهر لاحقا في أزمة نظام حاول الاسلام السياسي التركي ملأه فنجح في بعض جوانبه وأخفق في جوانب أخرى، وهذا ما انعكس أيضا على مجمل التجارب التي حاولت تركيا مدها إلى بعض البلدان العربية مؤخرا.

اليوم تبدو تركيا بأمس الحاجة إلى اعادة قراءة هادئة لواقع استمر تسعة عقود متواصلة بصرف النظر عن من حكمها، العسكريون بواجهات برلمانية ديموقراطية، ام اسلاميون بواجهات اعتدالية غير متطرفة. كما ان الثابت في هذا الاطار ان ازمة تركيا الحالية ناجمة عن الدور الوظيفي التي وقعت فيه، وبالتالي ان القوى الداخلية الفاعلة حاكمة كانت ام معارضة من الصعب بمكان التحكم في مجريات وظروف ما يحدث، باعتبار ان الحالات المماثلة في غير مكان من العالم ومنها دولنا العربية هي في موقع تلقي الفعل دون القدرة على الفعل، وهنا تكمن خطورة الوضع التركي وتداعياته أيضا. فالأزمة الأساس هي ازمة هوية ونظام قبل ان تكون أزمة حكم وسياسات.

أخيرا يبقى علينا نحن العرب ان نتعلم من تجارب غيرنا وهي امور غير معتادة بالمناسبة، كما علينا التيقن ان رقي الشعوب والأمم يتأتى من هوياتها، وليس من أي شيء آخر، كما يحلو للبعض ترويجه مؤخرا، فعلا انها ازمة هوية اينما كان.