الجامعات اللبنانية: التطرف الديني يحارب الفنون

لوحة الطالبة رحاب جعفر التي أغضبت أساتذة كلية الفنون

بيروت – "كل شباب المسرح لوطيّون وكل بناته.." هذه العبارة فوجئ بها طلاب قسم المسرح محفورة على مقاعدهم في معهد الفنون الجميلة بإحدى الجامعات اللبنانية.

وتشير صحيفة "الأخبار" اللبنانية إلى أن طلاب المعهد الذي يضم أقسام الرسم والمسرح والتصوير والسينما والتصميم الغرافيكي، يلمسون عدائيّة محيطهم معهم في جميع تفاصيل حياتهم الجامعية.

ويقول أحد الطلاب "يعدّوننا منحلّين أخلاقياً، يسخّفون اختصاصنا، يهزأون بنا باستمرار، ويضيّقون علينا كثيراً".

وثمة عوامل عدة تساهم في هذا النظرة السلبية لطلاب معهد الفنون في لبنان، منها ما هو اجتماعي لا ينفصل عن محيط الجامعة الشعبي وثمة عامل سياسي جعل من مجلس فرع الجامعة (الذي يسيطر عليه طلاب حركة أمل وحزب الله) يستأثر بالنشاط الطلابي داخل الجامعة ويفرض أخلاقياته الخاصة ويعمّمها على الطلاب، ويستحوذ على قرار الإدارة أحياناً مصادراً حقوق الأساتذة أيضا.

ويرى البعض أن ثمة اتجاها خطيرا نحو "التقزيم المقصود" للفنون في الجامعات اللبنانية، مبررا ذلك بأن حناجر طلاب المسرح والسينما "ذابت" وهم يطالبون بقاعة يقيمون فيها نادياً للسينما "دون جدوى، بينما لُبّي سريعاً طلب مجلس الفرع بتخصيص قاعة للصلاة".

ويعلق أحد الطلاب "نحن لم نعترض على غرفة الصلاة، ولكن استشهدنا بالمطلب الذي لُبّي مقارنة مع مطلبنا الذي لم يُلبَّ، فجوبهنا بحملة شرسة بأننا ملحدون وضد الصلاة ومنحلّون!".

ويؤكد بعض المراقبين أن التيارات الدينية المتطرفة وصلت حتى الجامعات اللبنانية حيث ألغيت جميع حفلات التعارف التي تقام مع بدء ونهاية العام الدراسي "لأن فيها فسقاً وفجوراً وموسيقى. مورست ضغوط كثيرة من جهات دينية من خارج الجامعة لإيقافها، لكننا وصلنا في النهاية إلى تسوية، فسمحوا لنا بإقامتها على أن تختتم عند التاسعة مساءً، بعد أن كانت تستمر حتى ما بعد منتصف الليل"، كما يعبر أحد الطلاب.

أما النشاطات الأخرى التي تتخلل السنة الدراسية فقد أصبحت تقتصر على مسابقات النص الإسلامي والاحتفالات الدينية، "لأن مجلس الفرع هو من يتقدم بطلب النشاط إلى الإدارة، وهو من لون سياسي ومذهبي واحد وغالباً ما يوافَق على الأنشطة التي يقترحها"، كما يقول علي (طالب في قسم التصميم الغرافيكي).

ويضيف لصحيفة الأخبار "حاولنا كسر تلك الحلقة، فتقدمنا مرات عدة بطلبات لإقامة نشاطات عن العلمانية، لكنها أحبطت جميعها. في النهاية، أصبح معهد الفنون ميتاً، وطلابه الذين لا يكترثون للسياسة أصلاً، معزولون ومحبطون".

ولكن البعض يعد تلك النشاطات من الكماليات ولم ترتق مشاكل طلاب الرسم إليها بعد، فهؤلاء لا يزالون عالقين في مشكلة في صميم منهجهم رسم الموديل العاري التي ألغيت منذ عام 1983.
ويعود إلغاء دراسة الجسد ورسمه عاريا إلى سنوات الحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاما، حيث قررت بعض الجماعات التي طفت على سطح الحرب بأن الجسد مخيف ولا يجوز رسمه، وهكذا أزيلت مادة "الموديل العاري" من مناهج كلية الفنون الجميلة في بيروت.

وبعد عقد ونصف انتهت الحرب لكن الوضع التحريمي راوح مكانه، بل إن ثقافة "التابو" أخذت بالاتساع، وبدأت بالتالي حلول الطلاب تضيق تدريجاً قبل أن تنحسر تماماً بعد نقل كلية الفنون الجميلة إلى مجمع الحدث الجامعي.

ويقول الفنان حسن يتيم إن الرسم العاري موجود في كل الحضارات، مشيرا إلى أن الخطوط في الجسم البشري تمثل كل الأشكال والخطوط الهندسية في الطبيعة.

ويؤكد يتيم أن إيجاد حلول توافقية بين البيئة الآخذة في التدين وبين الفنون "ممكن".
ويضيف لصحيفة "الأخبار": "يمكن وضع حد لهذه الإشكالية بإيجاد غرف ومعارض خاصة (لمن يرغب بدراسة هذه المادة) تكون اختيارية. وإذا رأى البعض في ذلك خطراً على ثقافته فالأجدر به أن يمنع شاشات التلفزة وشبكة الإنترنت التي لا تقدّم الفنون أصلاً".