الجامعات الفلسطينية: تحديات ومسؤوليات

بقلم: د. إبراهيم أبراش

أينما يممنا النظر سواء اليوم أو عبر تاريخ الأمم سنلاحظ تلازما أو علاقة طردية ما بين نهضة الأمم والنظام التعليمي والأكاديمي، فكل الأمم التي تشهد أو شهدت نهضة حضارية وتنموية شاملة كانت تتميز بنظام تعليمي متطور ومؤسسات جامعية مستقلة، بل كانت استقلالية الجامعات ومراكز البحوث من أهم مقومات نهضة الأمم حيث كانت الجامعات تنأي بنفسها عن الصراعات السياسية والحزبية وبالتالي لا تتأثر بما يعتري الحياة السياسية من صراعات وتداول على السلطة لان رسالتها رسالة علمية وطنية تتعدى الأحزاب والطوائف والحسابات الضيقة للسياسيين، وقد شكلت الجامعات ومراكز البحوث والدراسات حاضنة لثقافة الأمة وهويتها وكان الأكاديميون ضمير الأمة وعقلها النابض واليقظ، حيث لعبوا عبر التاريخ أدوارا مهمة في تصحيح أخطاء السياسيين وتوجيه النصح لهم بالإضافة إلى تنشئة الجيل الصاعد تنشئة وطنية تعبر عن ثوابت الأمة.

ومن هنا ليس غريبا أن التصنيف العالمي للجامعات كان يتوافق مع ترتيب الدول على سلم التنمية البشرية والاستقرار السياسي، وهذا يفسر لنا الدرجة المتدينة التي تحتلها الجامعات العربية في التصنيف العالمي للجامعات، فحيث تغيب الديمقراطية وتتعثر التنمية الشمولية تغيب الحريات الأكاديمية وبالتالي تتدهور مكانة الجامعات. في الدول المتحضرة والديمقراطية يحدث توافق بين كل مكونات الأمة على احترام النظام التعليمي والمؤسسات الأكاديمية وعدم التدخل في العملية التعليمية والأكاديمية ويتم تقديم كل أشكال التمويل والدعم للجامعات ليس فقط من طرف الحكومات بل من طرف القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ومن رجال الأعمال بحيث أن ميزانية بعض الجامعات الأجنبية توازي ميزانية دولة من دول العالم الثالث، أما في الدول العربية فالنظام السياسي والأحزاب بل والطوائف والجماعات تتنافس للهيمنة على النظام التعليمي والجامعات وكل طرف يحاول مد نفوذه للجامعة بما يخدم سياساته وحساباته الضيقة مما يؤدي لتحويل الجامعات لساحات صراع سياسي بين الطلبة وهيئة العاملين من موظفين وأكاديميين من جانب والإدارة من جانب آخر، وبين الطلبة والعاملين وبعضهم البعض، كل طرف يحاول أن يثبت حضوره السياسي بدلا من إثبات حضوره في مجال الإنجاز العلمي، الأمر الذي يؤدي لتسييس الجامعات وتحويلها لما يشبه ساحة حرب على حساب الاهتمامات الأكاديمية الحقيقية.

إن كان للتعليم وخصوصا للجامعات هذا الدور المركزي في نهضة الأمم وفي الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية في المجتمعات المستقلة والمستقرة، فلا مندوحة أن يكون لها دور أهم وتقع على عاتقها مسؤوليات أكبر بالنسبة للمجتمعات الخاضعة للاستعمار والتي تناضل من اجل الحرية والاستقلال، وفي هذا السياق سنتطرق لواقع الجامعات الفلسطينية والدور المنوط بها في ظل الحالة السياسية المأزومة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، حيث نلاحظ أن أزمة النظام السياسي الفلسطيني سواء الناتجة عن خلل إدارته للصراع مع العدو أو الناتجة عن أزماته الداخلية وعلى رأسها الانقسام انعكست سلبا على النظام التعليمي وعلى حال الجامعات الفلسطينية سواء في الضفة أو القطاع دون أن يعير السياسيون كثير اهتمام لهذا الموضوع، فالسياسة والصراع على السلطة طغى على كل شيء بحيث تركت الجامعات لتصارع من اجل البقاء وتواجه التغلغل المتنامي للأحزاب ولأصحاب رؤوس الأموال، هؤلاء الأخيرين الذين وجدوا في الجامعات مجالا للربح السريع دون أن يردعهم وازع وطني أو حرص أكاديمي.

إن كان البعض يجد عذرا أحيانا للنظام السياسي فيما يتعلق بمحصلة صراعه مع العدو المتفوق في كافة المجالات، فلا عذر لهذا النظام ولكل مكوناته الحزبية والمؤسسية في تجاهله للحالة الاجتماعية والتعليمية بل والعمل على تدميرها سواء بقصد أو بدون قصد. إن أخطر وأسوء سلوك تنهجه الأحزاب والنخب أن تنقل صراعاتها وخلافاتها إلى المؤسسات التعليمية وخصوصا الجامعات محوِلة إياها إلى فضاء لاستعراض القوة ومقارعة خصمها السياسي الداخلي غير ملتفتة إلى نتائج ذلك على التحصيل العلمي والأداء الأكاديمي للطلبة ورجال التدريس، بحيث باتت مخرجات التعليم بشكل عام والجامعي بشكل خاص لا ترق لمستوى الاحتياجات والمتطلبات الوطنية السياسية والتنموية، الأمر الذي يستدعي دق ناقوس الخطر ومناشدة القيادة الفلسطينية وكل أصحاب الضمائر الالتفات لحال الجامعات وخصوصا في قطاع غزة.

لا نقلل من صعوبة التحديات الناتجة عن الاحتلال أو عن الحصار كما لا نقلل من أهمية الجهود التي يبذلها أعضاء مجالس أمناء الجامعات لإنقاذ الجامعات من حالة التدهور، كما أننا ندرك أن كثيرين من أعضاء مجالس الأمناء يعتبرون ما يقومون به عملا وطنيا لإنقاذ مؤسسات وطنية يرتبط بها مصير الآلاف من أبناء شعبنا، إلا أن الأمر يحتاج لجهود أعظم يشارك بها كل مكونات المجتمع الفلسطيني لأن مهام متعاظمة ملقاة على عاتق الجامعات الفلسطينية اليوم، فبالإضافة للمهمة الأكاديمية الأساسية فإنها مطالبة بالحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية وتجسيد روح الوحدة الوطنية بين الطلبة والعاملين وإبراز وجه حضاري مشرق للشعب الفلسطيني من خلال الإنجازات العلمية في كافة التخصصات والمجالات، فلا يجوز أن يتبوأ الفلسطينيون مكانة مرموقة في الجامعات ومراكز البحث في العالم وتغيب هذه الانجازات في بلدهم.إننا على يقين أن إدارة ناجحة للجامعات كفيلة بلفت انتباه ليس فقط المسئولين السياسيين بل واستدراج تمويل خارجي كفيل بان يرفع من مستوى الجامعات ويحررها من ابتزاز بعض الجماعات السياسية ومن جشع بعض أصحاب رؤوس الأموال.

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com

Ibrahem-ibrach@hotmail.com

www.palnation.org