الثورة تكشف مفاتن مصر ومعايبها

القاهرة ـ من ايهاب سلطان
حناجر تهز الوجدان

أثارت ثورة الشباب المصري في 25 يناير/كانون الثاني وعلى مدار 18 يوماَ قضاها المعتصمون في ميدان التحرير جدلاَ كبيراَ في المجتمع، وبرزت معها عدد من القضايا الاجتماعية الايجابية والسلبية بعد سقوط مبارك.

الظواهر الايجابية

وتأتي على رأس الظواهر الايجابية مجموعات العمل التطوعي "اللجان الشعبية" التي استطاعت ان توحد المصريين وتذيب الفوارق بينهم، حيث تشكلت في كل شوارع مصر عقب انسحاب جهاز الشرطة من مواقعهم بهدف إحداث فوضى أمنية ولا سيما بعد اطلاقه سراح البلطجية وأرباب السوابق والمجرمين من السجون بل اعطائهم تعليمات بالنهب والسرقة واشاعة الفوضى لارهاب الشعب ووأد الثورة في مهدها.

وتمكنت اللجان الشعبية من حفظ الامن والحراسة للممتلكات العامة والخاصة بل تعددت ألوان التكافل الاجتماعي، إذ تنوعت الخدمات التي تقدمها للمواطنين من خلال تنظيم مجموعات وفرق لكل منها نشاط وعمل من بينها "فرق النظافة" والتي تخصصت في تنظيف الشوارع ورفع المخلفات الناجمة عن تحطيم وحرق بعض المنشآت والمحلات، وطلاء الاشجار وازالة الشعارات المكتوبة على‮ ‬الحوائط التي‮ ‬كتبوها في‮ ‬احداث‮ ‬الثورة وما بعدها للمطالبة بإسقاط النظام، كذلك "فرق الخدمات الاساسية" والتي تخصصت في توزيع السلع الضرورية مثل الخبز وانابيب الغاز على المواطنين، وتنظيم العمل داخل محطات البنزين.

بالاضافة الى "فرق الخدمات العامة" التي تخصصت في تنظيم المرور، وحث المواطنين على التبرع بالدم.

لجان شعبية تسهر على حراسة الناس

وتطورت اللجان الشعبية في عملها بشراء السلع الغذائية الاساسية وبيعها بسعر الجملة او توزيعها بالمجان بتمويل من بعض رجال الاعمال واهل الخير تخفيفاَ على المواطنين وكسر حالة الاحتكار التي حاول البعض ان يمارسها في ظل غياب الرقابة الحكومية على الاسواق.

وقامت اللجان الشعبية بتشكيل "فرق لتوعية المواطنين" بخطورة المرحلة التي تمر بها مصر والتأكيد على ضرورة التعاون من اجل انجاح الثورة، واستخدمت هذه الفرق دور العبادة والتجمعات السكانية للتواصل مع الناس، كما استخدمت اللافتات والملصقات في الشوارع لحث المواطنين على اتباع السلوكيات الايجابية.

التحرش الجنسي

متطوعون في حب مصر

توارت ظاهرة "التحرش الجنسي" بعد الثورة، فلم تسجل خريطة التحرش الجنسي أي حادثة على مدى 18 يوماً هي عمر الثورة بين جموع المتظاهرين، واستمرت الثورة الاخلاقية الى ما بعد سقوط مبارك.

وقالت نهاد أبو القمصان رئيسة المركز المصري لحقوق الإنسان "تسبب الكبت السياسي الذي منع الشباب من الانتماء إلى أي تيار سياسي أو التعبير عن رأيه والاشتراك في العمل العام في بروز التحرش بالجنس الآخر وهو ما يفسر انتشار حالات التحرش بين الأفراد المتزوجين".

وأضافت ان "الثورة منعت الشباب من التعرض للفتيات بل قاموا بحمايتهن"، مشيرة إلى أن الأعياد والمناسبات والأماكن التي تشهد تجمعات من المصريين لم تسجل حالة تحرش واحدة.

واعتبرت إيناس أبو يوسف الأستاذة بكلية الإعلام والرئيس السابق لمركز دراسات المرأة ان "الشباب عبر بالتحرش الجنسي عن رفضه الداخلي للواقع في ظل المعاناة التي كان يتعرض لها في حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية".

وقالت لصحيفة "الجمهورية" ان "الثورة صدمت المصريين في أنفسهم وجعلتهم يفيقوا وينفضوا الغبار عن أنفسهم ويكشفوا عن معدنهم الحقيقي، فوجدنا الولد يحمي البنت، والأهالي يؤمنوا الشوارع ودافعوا عن المحلات من السرقة أو النهب، وكان ذلك على حساب أرواح العديد منهم، وكانت الكنائس والجوامع بلا تواجد أمني ورغم ذلك لم نجد الانفجارات أو الفتنة التي كان يروج لها النظام".

'العدل والقصاص' شعار يرفعه الثوار

وترى هبة العيسوي أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس أن "نظام مبارك أصاب المجتمع بتشوهات نفسية وجمود نفسي، هزته الثورة وقلبت الميزان النفسي للمصري وحولته إلى انتفاضة شعبية".

وقالت "الجمود النفسي حالة تتسم بالرضوخ وانهيار قيمة الإنسان والاستكانة يشعر فيها الفرد بالخجل من الداخل والإهانة، فتتغلب غريزة الأنا عن إحساس الجميع، ومن ضمن ظواهرها التحرش بالفتيات، وكلما زاد القمع وكبت الحريات يشعر بالجبن والخجل من نفسه".

وأكدت العيسوي أن استمرار "الروح الصافية" و"انتفاضة" المصريين تحتاج إلى استمرار مفجرات الثورة من توافر قدر مقبول من الحياة الكريمة وتتمثل سماتها الأساسية في السكن والطعام والشراب، إلى جانب حرية الاعتراض والتعبير عن النفس.

الظواهر السلبية

لا صوت يعلو فوق صوت البلطجة

وتتزامن مع الثورة المصرية ثورة أخرى مضادة تسبح ضد رغبة الشعب المصري في التغيير والديموقراطية والتي ظهرت معها العديد من الظواهر السلبية من بينها "البلطجة وترويع الآمنين"، اذ اعتبر البلطجية ان القانون في اجازة ولا رادع لهم، وأن الحكومة والشرطة يفعلون ما يشاءون.

وتنوعت الجرائم التي قام بها البلطجية ما بين السرقة بالاكراه والاغتصاب والاستيلاء على الممتلكات وسرقة الاراضي الخاصة والعامة واقامة عليها المباني وقطع الطرق بهدف وضع حاجز بين شباب الثورة والمواطنين لإفشال تنفيذ أهداف الثورة.

وتعتبر سرقة السيارات بالإكراه على الطرق من اكثر جرائم البلطجة التي برزت في اعقاب سقوط مبارك، حيث يتم توقيف السيارات على الطرق وكتابة عقود بيع لها بالإكراه في غياب الامن.

ويقول محمود خضاري معلة وهو نائب رئيس جامعة جنوب الوادي لشئون البيئة وتنمية المجتمع إن "الحالة الأمنية المتردية التي تشهدها البلاد أدت إلي زيادة الانفلات والبلطجة مما نتج عنه وجود سلوكيات غير مقبولة تماما كانتشار السرقات ومقتل عدة أشخاص في خلافات بسيطة إلي جانب حوادث قطع الطرق والاعتداء على ممتلكات الغير".

ويضيف السيد عوض أستاذ ورئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب بقنا ان "البلطجة ظهرت في أبشع صورها بسبب غياب القانون لنجد فلول النظام السابق تخيرنا بين الفوضى أو الديكتاتورية، حيث نجد أن الشرطة تقاعست عن دورها وتركت الأمور تسير بشكل منفلت مما أدى إلي زيادة الجرائم بشتى صورها".

ويؤكد اللواء أحمد سالم جاد مساعد وزير الداخلية لأمن البحيرة ان "البلطجية يؤرقون الأهالي بالفعل ولا رادع لهم مما دفع الحكومة العمل بقانون الطوارىء للحد من الظاهرة، خاصة ان الفترة الأخيرة شهدت ظهور العديد من التشكيلات العصابية التي لم يتم تسجيل أعضائها من قبل وهو ما يؤكد دخول أفراد جدد في تشكيلات عصابية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وقيامهم بأعمال سرقة لسيارات أو معدات أو منازل من أجل الحصول علي المال".

الفوضى والتبجح

فقراء يبحثون عن ارزاقهم بين الثوار

استغل بعض المواطنين الغياب الامني لنشر الفوضى في الشوارع العامة، حيث احتل الباعة الجائلين الارصفة بشكل فوضوي وعشوائي لبيع بضائعهم من كل صنف ونوع والأسوأ من ذلك احتلال مداخل محطات المترو التي تحولت إلي أسواق دائمة لبيع الأدوات المنزلية والملابس بل وعربات الخضار والفاكهة،‮ ‬ وهناك من أقام‮ "‬نصبة‮" ‬لتقديم المشروبات والعصائر وآخر وضع فاترينة يعرض فيها ما يبيعه للجمهور‮.‬

ولم يقف الدور السلبي لهؤلاء عند هذا الحد فهناك العديد من حوادث البلطجة والتي كان بطلها الباعة الجائلون وهو ما ظهر في العديد من الأحداث في العاصمة والمحافظات، كما أن ميدان التحرير والذي شهد أكبر ثورة حضارية تحول في بعض الأوقات إلى حكر للباعة الجائلين وفي بعض الأحيان استخدمهم الأمن المركزي في ترويع المتظاهرين والتعدي عليهم وكانت السمة البارزة في التظاهرة المليونية الأخيرة في ميدان التحرير انتشار الباعة الجائلين إلى الحد الذي جعل البعض يطلق على أحداها مليونية الباعة الجائلين‮.‬

فالبيع الجائل مهنة،‮ ‬يلتحق بها من عانده المجتمع والظروف وفشل في أن يجد عملاَ أو مهنة محددة له‮.

‬ومما أضاف رواجاَ لتلك المهنة،‮ ‬إقبال فصل الصيف بقيظه،‮ ‬والثائرون الذين لا يجدون صدى من السلطة لتلبية مطالبهم‮.‬

ورغم اختلاف أنواع المشروبات والأطعمة التي يقدمها الباعة الجائلون في الميدان،‮ ‬فإنهم يتفقون في أحلامهم البسيطة التي يطلبونها من الثورة‮.

‬فحسين إبراهيم،‮ ‬الذي جاء للميدان يبيع أعلام مصر بالإضافة لمجموعة من الملابس التي تحمل شعارات الثورة،‮ ‬يقول‮ "‬نحن نبحث عن لقمة العيش في أمان بين الثوار".

وعلى خلاف حسين ابراهيم وأحلامه البسيطة،‮ ‬تقول فوزية حسن،‮ ‬التي تبيع بعض العصائر في الميدان‮ "أنا بلف بصندوقي في كل‮ ‬مناطق الثورة‮‬،‮ ‬أنا ذهبت الى ماسبيرو والتحرير ومصطفي محمود (ساحة لتجمع انصار مبارك) وكله أكل عيش".

الثوار يطالبون بجلد آل مبارك

ورغم أن فوزية لا تكاد تميز بين المتظاهرين في هذه الأماكن،‮ ‬واختلاف مشاربهم وأهدافهم الجوهرية،‮ ‬فإنها تهتف لتحقيق مطالب الثورة في التحرير،‮ ‬وتذهب إلى مصطفى محمود لتهتف مطالبة بعدم محاكمة الرئيس السابق‮! ‬فهي لا تهتم بهذه الاختلافات،‮ ‬إلا أنها تعتبر الثورة مصدراَ للرزق،‮ ‬بغض النظر عن خلافات الميادين التي يتجمع فيها المتظاهرون‮.‬

ويقول عبد المعطي لطفي وهو نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد جمعيات التنمية الاقتصادية أن "حجم الاقتصاد الذي يمارسه الباعة الجائلون يصل إلى أكثر من‮ ‬30‮ ‬مليار جنيه (5 مليارات دولار تقريبا) وفقا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والأحصاء‮".‬

وأضاف لمجلة "آخر ساعة" أن "هناك مشروع قانون يمنع الباعة المتجولين من ملاحقة الجماهير بعرض سلعهم أو الوقوف في الشوارع والميادين وبجوار المدرسة والمحال التي تتاجر أو تمارس نفس المهنة والأماكن التي تمنع فيها الشرطة وقوفهم‮".