الثورة المصرية.. ورواية المذنبون!

بين الإبداع عموما والأدب خصوصا والواقع، بغض النظر عن زمن هذا الواقع، تشابه في أحيان، وتطابق في أحيان أخرى.

ويقولون إن هذه الرواية واقعية أو أن تلك القصة تدور حول أحداث حقيقية إذا ما نقل الكاتب احداثا واقعية وأضاف إليها من خياله أو عرضها بأسلوبه الخاص. لكن المدهش أن تقع أحداث في أي مكان وكأنها تحاكي ما كتب قبل عقود، ولو ضمن صورة تعبيرية مختلفة.

وثمة محاكاة من ثورات الربيع العربي، ومصر نموذجا، لرواية "المذنبون" لنجيب محفوظ والتي ترتكز على بطلتها سناء كامل الممثلة وصائدة الرجال رغم اختلاف البعدين الزماني والمكاني بين المشهدين.. ما يرسخ ذلك الاعتقاد بأن الإبداع العالمي، أو حتى المحلي، أو قل الخيال، يكون أحيانا عاكسا لأحداث أو وقائع نصنعها في المستقبل!

يفترض أن يحلل أهل الأدب الظاهرة. أما محترفو السياسة فهم، في حالة الربيع العربي مثلا، شخوص ضمن حكاية "سناء كامل الثورية المصرية" يؤدون أدوارهم كما رسمها الكاتب العالمي نجيب محفوظ في 1970 قبل أن يأتي المخرج سعيد مرزوق ليصوغها في فيلم عام 1976. وهم يعيدون مشاهد الرواية من دون أن يدركوا أن الأحداث ربما تؤول بهم إلى النهاية نفسها التي انتهت اليها سناء كامل!

بين بحثها عن الحرية مقابل التسلط والإنطلاق مقابل الديكتاتورية، تحولت الممثلة الفاتنة في نهاية الأمر إلى مأساة. تلك المرأه الجذابة أجادت استخدام مهاراتها في أن توقع بالرجال واحدا بعد الاخر، وفي كل مرة تفشل في الإحتفاظ بأحدهم، أو قل ترفض، بدعوى تمسكها بالحرية، وتصديها لإستحواذ أحدهم عليها، وهي دائما تخون كل رجل بعد أن تنصب شباكها حوله، وتورطه معها، وتربط مصيره بها. وبين الطبيب ورجل الأعمال والمغامر والشريف تسعى إلى تحطيم الجميع بمزاجها المتقلب قبل أن تلقى حتفها بسكين حاد نتيجة جرائمها التي لم تر فيها خطأ أو جرما، وإن أدركت أنها عاشت مأساة سعت دائما إلى تحميل الاخرين المسئولية عنها.

هي قصة من وحي خيال أهم كاتب مصري بعد تحويلها إلى فيلم ويتمحور موضوعها حول الحب والكراهية والإستحواذ والإنطلاق والوفاء والإنتقام... والحنان أيضا.

في عالم السياسة لا يوجد خيال وإنما نظريات في كتب، أو وقائع في التاريخ. لكن في السياسة ايضا موائمات واتفاقات وتحالفات وكراهيه وانتقام واستحواذ.. وجنون.

وما يجري على الساحة المصرية الآن فيه كل مفردات شخصية سناء كامل. فالخيانة أو التخوين، والمؤامرات أو التآمر، والحرية والتسلط كلها كلمات تحولت بفعل الصراع حول الثورة أو "سناء الثورية" إلى أفعال تمارس قد تقود إلى المصير نفسه الذي انتهت اليه سناء... الفناء!

غازلت الثورة المصرية كل الأطراف وطمعتهم فيها، وداعبت الشباب الثوريين وعلت من طموحاتهم، ومنحت الإسلاميين ما لم يحلموا به، ثم عصفت بهم، وأنعشت امال النخبة في الظهور والسلطة، فحرقت بعضهم، واغتالت معنويات البعض منهم، وظلت حتى الان توحي للكل بأنها تفجرت من أجل هذا الفصيل فقط، أو لصالح هذا الفريق وحده، أو لصالح هذا الحزب فحسب، أو ذاك الزعيم متفردا! حتى الأقباط أخرجتهم من عزلتهم لكنها اوجعتهم بحوادث قتل وعنف ودماء.

أنتقمت سناء من كل رجل غضبت عليه برجل اخر، من دون التفات إلى تأثير الأمر على سمعتها، او صورتها أو مصيرها.

أما الثورة المصرية فأطاحت بمبارك ورجالة لفشله في التعامل معها، ثم عصفت بطنطاوي وعنان والمجلس العسكري لترددهم أحيانا واندفاعهم في احيان أخرى، وانتقمت من شباب الثورة لرعونة بعضهم أو تهورهم وحساباتهم الخاطئة، ثم عزلت الدكتور محمد مرسي، وحرمت "الإخوان " من حكم مصر بعد عجزهم عن إدارتها، أو لرغبتهم في الإستحواذ عليها. كلهم سعوا إلى كسب ود الثورة والفوز بها، لكنها عصفت بهم، ودمرت بعضهم، وقضت على اخرين منهم، بينما الشعب أو جمهور الثورة أو الحضور في رواية محفوظ فيبدو أن غالبيتهم رغم لهاثهم وتعبهم من ملاحقة المأساة قد ارتاحوا من غرور سناء كامل.. أو سطوة الثورة.

هل انتهت القصة... أو الأحداث في مصر؟ بالقطع لم تنته بعد. صحيح أن سناء كامل كتبت نهايتها بتصرفاتها وأخطائها وحماقتها. إلا أن الثورة المصرية ما زال لديها مزيد من التفاعلات، وهي مستمرة على نهجها، تخضع لمن يريد، وتنساق نحو طموحاتها. ويبدو وكأنها تنتظر سكينا حادا يكتب بدمائها الفصل الأخير.