الثورة المصرية وحق جيكا ومهند

في إحدى الصور يبدو صلاح جابر الشهير بـ "جيكا" وهو يرتدي قميصا أبيض ويميل برأسه إلى الجانب الأيمن، على وجهه ما يشبه الابتسامة، وفي كتفه الأيسر يحمل حقيبة سوداء. هذه الصورة نُشرت في ذكرى مرور أربعين يوما على استشهاده. في الوقت الذي قال فيه المتحدث باسم 6 إبريل محمود الخطيب: "لن ننسى حق شهدائنا من خالد صلاح إلى جابر صلاح". لكن هل جيكا شهيد 6 ابريل فقط، أم شهيدا لمصر كلها؟! ومن لم يحزن على خسارته، من لم يحزن على ضياع هذا الشباب والحيوية المتدفقة لتكون في مرمى رصاصة مقصودة! لا يمكن التفكير باستشهاد جيكا، وغيره من الشهداء الذين فقدوا أرواحهم في سبيل رؤية وطن أفضل، بمعزل عن التفكير بما يجري في مصر، يحق لنا طرح سؤال بسيط: "لماذا مات جيكا بهذه الطريقة؟" بل وتطوير السؤال ليكون: "وكيف مات، وبرصاص من؟" ربما سنفكر أيضا بسؤال آخر أكثر ألما "ما الذي غيره موت جيكا؟"

ولو طرحنا مزيدا من الأسئلة، سنتشعب في متاهات لن تفضي إلى شيء، فالحكومة لا تعلم من الذى أطلق الرصاص على الشهيد جيكا.. ومازال والده يصرخ "من المسئول عن قتل ولدي؟".. هكذا لا يمكن التفكير بموت جيكا بمعزل عن التفكير بعائلته، بأمه بأبيه، بالأيام والليالي والسنوات التي مرت على تلك العائلة في انتظار أن ترى جيكا شابا، لكنها رأته شهيدا مقتولا برصاص مجهول لم يتبين من الجاني، فكيف يبرد الحزن على موت جيكا والقاتل حرا طليقا؟

ولعل الحزن على موت جيكا، يضاعفه وقوع حوادث أخرى لا تقل مأساوية، كما حدث مع مهند سمير - وهو طالب في المرحلة الثانوية- حين أطلق مجهولون يستقلون سيارة مطموسة اللوحات، الرصاص عليه بشكل عشوائي على خيام المعتصمين بميدان التحرير وأصيب مهند برصاصة في الرأس، وما يزال في حالة حرجة، ومن المهم معرفة أن مهند سمير هو الشاهد الرئيسي في قضية مقتل الشاب رامي الشرقاوي أحد شهداء ثورة يناير. فهل تكون الرصاصة التي أصابته عشوائية حقا، أم أنها سددت الهدف مباشرة، في محاولة لتصفية ناشطي الثورة!

وإذا كان جيكا، قتل برصاص مجهول فإن مهند الموجود في المستشفى بين الحياة والموت لم يتلق العناية والرحمة اللازمة، هذا ما قالته والدته في مداخلة هاتفية على إحدى القنوات الفضائية أن ابنها ظل بدون أي رعاية وبدون إشراف أي طبيب على حالته الصحية.

* * *

تفصلنا أيام عن الذكرى الثانية لثورة يناير، بعد مرور عامين يمكن القول أن المعوقات التي وضعت أمام الحراك الثوري وصل إلى ذروته بعد إعلان دستور الإخوان ليكون دستورا لمصر.. أما الأحلام العريضة التي طاولت حدود السماء بغد أفضل، ببلد ديمقراطي، فقد تبخرت تماما. يمكن القول بعد مرور 24 شهرا على قيام الثورة أن الفقراء ازدادوا فقرا، وأن البؤساء ينتظرهم غد أكثر قتامة وبؤسا بسبب غلاء الأسعار، وأن أغنياء جدد ظهروا على الساحات، لم يحدث تغييرا في مصر سوى المزيد من التضييق على حريات النشر والإعلام، والمزيد من الفقر والمرض والانهيار الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والأمنى، إلى جانب توقف حركة السياحة والتصدير، وازدياد البطالة.

القوى السياسية المعارضة وعلى رأسها جبهة الإنقاذ دعت إلى الخروج يوم 25 يناير القادم للمطالبة بإسقاط دستور الإخوان، وتتوازى هذه الدعوة مع ارتفاع الأصوات المعارضة للنظام. ولعله من المهم هنا التنويه أن الطبقات البسيطة من الشعب المؤيدة للإخوان التي سارعت لانتخابهم، هي الأكثر تضررا مما يحدث، حيث لم تجري حتى الآن أي انفراجات اقتصادية أو اجتماعية واعدة، بل إن كل ما يحدث هو انتكاسات سارعت في انقلاب مؤيدي الإخوان ضدهم، ولعل الخطر القادم سيكون في ثورة البسطاء، ثورة الجياع القادمة، التي لن يوقفها شيء. وإذا كان نظام مبارك قد سقط بعد ثلاثين عاما من النفوذ والسيطرة، وكان سقوطه أشبه بالحلم المستحيل، فإن سقوط الأخوان الذين لم يمض عام على تسلمهم السلطة، لن يكون أكثر اعجازا من سقوط نظام مبارك.

د. لنا عبد الرحمن

lana@lanaabd.com