الثورة السورية.. والنفاق الاميركي

يفتح الوزير جون كيري مزاداً يقول فيه أن على بشار الأسد أن يرحل. لكن كيف؟ بالحل السياسي "حصراً". متى؟ ليس اليوم أو غداً أو بعد شهر... ليس مهم الوقت المهم النتيجة أنه سيرحل.

ألا ترون معي أن السيد الوزير، خارج التغطية تماما ومنفصل عن واقع الحال وأنه يقول أي كلام ويخبط خبط عشواء تصريح أجوف وكلام مرسل، يأمل أن يصيب به موقف يحفظ ماء وجه إدارته؟ أم تراه يظن أن كلاماً معسولاً وتصريحات كثيرة متناقضة لو كانت فارغة تماما، تجعله يداعب عقول المحبطين من شعبنا السوري.

ما أَشْبَهَ اليَوْمَ بِالأمْسِ، قد تلخص هذه العبارة بتكثيف ممل المواقف الأميركة المتباينة المتناقضة المترددة إتجاه ما يحدث في سوريا من مجزرة يستدام القتل فيها على مدى الأعوام الأربعة المنصرمة.

ما أن تتخذ أميركا موقفا أو تصريحاً يجد بعض المراقبين فيه "قفزة نوعية" في التعامل الأميركي من مجريات الاحداث الدامية في سوريا، حتى يخرج لنا من اميركا متحدثاً سياسياً أو مقرب من دوائر صنع القرار لينفي القول السابق أو يفسرة تفسير مائع وما أكثر الميوعة في المواقف الاميركيا بما يخص سوريا.

كأننا نعيش اليوم أحداث مجزرة الكيميائي في غوطة دمشق في 21 آب – أغسطس 2013. وكيف قام أوباما بالتنازل عن خطه الأحمر الذي رسمه للنظام، ذلك بعد أن قام وزير الخارجية الأميركي كيري بمناورة سياسية جاء فيها أن الأسد يمكنه أن يتجنب الضربة العسكرية في حال تنازل عن سلاح الشعب السوري الكيميائي، تلقف الثعلب لافروف وزير الخارجية الروسي تلك التصريحات وتم ما تم من التخلص من سلاح الجريمة وترك المجرم طليقاً وصرخات الضحايا مازالت أصداءها تدوي مطالبة بالقصاص من المجرم وليس من سلاح الجريمة.

اليوم تنقلب الآية. روسيا تسرب في الإعلام أنها أرسلت تعزيزات عسكرية لدعم جيش الأسد في حربه على الإرهاب وهي مستعدة للإنخراط في الحرب بشكل مباشر مع جيش الأسد ضد المتطرفين حسب توصيفها، فما كان من الرئيس الأميركي أوباما أن تلقف التصريح الروسي ودعها لحوار وتنسيق حول توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا، والمناورة في حول الموقف من نظام الأسد المتسبب الرئيس في أستنبات الإرهاب وتنميته، بتصريح أجوف واسترسال ليس له ما يدعمه على الواقع بأن الأسد سيرحل، كيف، ضمن حل سياسي "حصراً" الزمن، ليس غداً ولا بعد ليس مهم التوقيت المهم أنه سيرحل.

تبدو مثيرة لدهشة وتدعو للكثير من الأستغراق والتأمل التبدلات في المواقف السياسية، خاصة التحول الكبير في العلاقات الروسية الاميركية في ما يخص النظرة إتجاه نظام الأسد.

رغم أن منظري اميركا لازالوا يتحدثون عن ضرورة رحيل الأسد، بعكس الموقف الروسي المصر على بقاء نظام الأسد

غدت العلاقات الاميركية الروسيا لجهة التعاون اكثر وضوحاً تحت عنوان مكافحة التطرف "الارهاب"، ولم يعد هناك حرج لدى الساسة الاميركيين يتجنبون أي حديث عن علاقات تعاون مع الروس في سوريا إذا كان يخدم استراتيجيتهم في مكافحة الإرهاب التي لم تظهر ملامحها حتى اليوم.

رغم تصريحات الإدارة الأميركية بأنها ستتصدى لتمدد الإيراني في المنطقة العربية، وامتعاضها من التمدد الروسي في اكرانيا ودعمها الغير محدود لنظام الأسد الحاكم في سوريا، ولكن.

كل الشواهد والأدلة تشير إلى عكس ذلك إلى درجة تتناقض فيها الاقوال بالافعال والتصريح مع الممارسة، وما فيها من سحر الصرف والعطف.

لنعطف الماضي على الحاضر ونفتح الدفاتر. كانت أميركا تنفي وتصرح برفض التعاون مع ايران ومليشياتها في الحرب على تنظيم الدولة في العراق، فها هي الطائرات الأميركية تشكل مظلة جوية لتلك المليشيات ويقاتل الأميركان والايرانيون يداً بيد وكتف بكف في العراق.

صدعت اميركا رؤوس العالم بعبارات وشعارات من قبيل أيام الأسد باتت معدودة. الأسد فقد شرعيته والأسد لن يكون شريكا في مكافحة الإرهاب.و الخ، من هذه العبارات الجوفاء التي لم يعد يشتريها احد على مدى أربع سنوات من عمر الثورة السورية.

اصبحت اوراق اميركا واستراتيجيتها في المنطقة مكشوفة للجميع ولا حاجة لنا للتدليل على افعالها، تقديم كل ما يلزم لإيران من أجل عودتها للمجتمع الدولي، التحالف مع الشيطان من أجل محاربة تنظيم الدولة.

يمكننا القول إلى حدٍ بعيد أن الدبلوماسية الروسية تدرجت مع إدارة أوباما من حالة رفض أي حديث عن بقاء الأسد، إلى اقتناعها بوجوب التركيز عسكريًّا على إلحاق الهزيمة بمعارضي نظام بشار الأسد بوصفهم "المتطرفين" بحجة محاربة داعش حتى يتسنى البدء بالحوار السياسي والبحث بمستقبل سوريا.

ولا بد من الاشارة إلى أن هذا التحول في الموقف الأميركي، يحقق مصلحة لكل من اميركا وروسيا وايران واسرائيل في ان واحد التي اتفقت مصالحها ضد تطلعات الشعب السوري.