الثورات العربية وسيناريوهات الحرية!

بقلم: نادية علي

الشعب يريد إسقاط النظام...كلمات طالما انتظرناها على مدى سنين، ذاقت فيها شعوبنا الأمرين، من ظلم وجهل وتعذيب وكبت للحريات العامة، حتى فجرت روح "البوعزيزي" الشارع التونسي، ليسقط بن علي في أيام، لكن الغرب الذي فوجئ بما حصل في تونس، صعب عليه أن يمنح الشعب التونسي فرصة التمتع بالحرية.

في تونس لا يزال المخاض عسيراً، فقد سقط بن علي، ولم يسقط النظام رغم الانجازات، ثم جاء تحرك الشارع المصري ليتكشف وبشكل واضح إنحياز وسائل الإعلام، ودورها الكبير في الحسم.

وعموما لا تختلف النتيجتان بل تختلف المضامين، فبعد سقوط بن علي ومبارك، بدا للغرب أن دوام الحال من المحال، وأنه حان الوقت لولادة وطن عربي جديد، يساهم في تحقيق فكرة "شرق أوسط" جديد سبق وأن دعت له وبشرت به كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في عهد جورج بوش.

وهنا خرج الشارع الليبي حاملاً في البداية نفس الشعار "الشعب يريد اسقاط النظام "، وبنفس الطريقة التي سقط بها بن علي ومبارك، وفي تشابه غريب رغم اختلاف الظروف والأوضاع.

وبدا التشابه جلياً في كل شيء حتى في نوعية المظاهرات علماً أن في ليبيا كل شيء مختلف.

لكن المفارقة ظهرت بعد يومين فقط من التظاهر السلمي حيث انقلبت الموازين، وسيطر المتظاهرون على مدينة بنغازي الخاصرة الأضعف في النظام الليبي شرق البلاد، لتنقلب معها المطالب وتبرز معها مطامع الغرب بشكل غير مسبوق.

في ليبيا أصبحنا وأصبح الملك كله لله ـ بعد سقوط بنغازي ـ على تسميات جديدة غريبة تستخدمها وسائل الإعلام العربية بدون استثناء، والتي تخلت عن مهنيتها،وتحولت الى أجهزة "ثورية" تتحدث بلغة الإعلام العربي الرسمي "التعبوي" الذي كان أثناء الحروب الوطنية طبعاً مع فارق واحد وهو أن وسائل الاعلام العربية خاصة الفضائيات الكبيرة المشهورة ذهبت الى ابعد من ذاك في التحريض ضد القذافي والجيش الذى تسمي عناصره بالمرتزقة، وتسويق من باتت تسميهم" الثوار" وحضهم على الزحف نحو طرابلس.

ومن هنا بدأت خيوط المؤامرة تتكشف أكثر لاجهاض تداعيات الحركة الشعبية السلمية في تونس وما تلاها الى حد كبير في مصر، لأننا في المشهد الليبي لم نر إلا الدماء والقتل والتحريض، وأصبحنا نتكلم عن "ثوار" مسلحين بدلاً من "محتجين "سلميين، وصار الجيش الليبي في وسال الاعلام العربية، قوات القذافي، وكثرت التسميات وغرقت ليبا في الدم.

وكلما طالت الأزمة، بدأت الألغام تتفجر الواحدة تلو الأخرى وكأن الأمر دبر بليل: في اليمن، البحرين، المغرب، وأخيراً لا آخراً سوريا...وعلى اعتبار أن صيغة العراق، والغزو الأميركي المباشرغير قابلة للتكرار، كان لا بد من اختراع نموذج جديد، وهذه المرة للأسف، فان التدخل لابد أن يكون رغبةً عربية.

وجاءت الجامعة العربية التي كان من الأجدر أن نسقطها قبل إسقاط هذا النظام أو ذاك، لأنها هي من يصنع أويصمم فيها الغرب موديلات الأنظمة العربية الملائمة لإسرائيل. بحل يتناغم مع مايريده الغرب حيث طُلب من الحكام العرب فيها أن يتولوا مسؤولياتهم" التأريخية "تجاه شعب ليبيا، وأن يطلبوا هم تدخل مجلس الأمن الدولي وإصدار قرار فرض حظر جوي على ليبيا يمهد لتدخل عسكري غربي تحت شعار حماية المدنيين.

سبحان الله، التأريخ يعيد نفسه، فهو كما كان يقول الكاتب والمفكر المصري الراحل "مصطفى محمود" يسير في دورات متعاقبة وليس بخطوط مستقيمة "لأن عراقاً ثانياً يقف على الأبواب، حتى في توقيت الحملة العسكرية على البلدين، غير أنه سيكون بصورة أجمل بعد إدخال تحسينات على صيغته السابقة، ومحاولة الجميع الإستفادة من أخطاء تلك التجربة المريرة "إلا نحن"!

أميركا لا تريد تكرار نفس صيغة العراق، ولهذا قامت بدور "شحن" الآخرين، فيما هي تقف خلف الكواليس غارقة في الوحل الأفغاني والمستنقع العراقي.

وفرنسا تبكي حصتها الضائعة من "كعكة" النفط العراقي التي فاتتها، وها هي تقوم بدور ريادي في الحملة العسكرية لتعويض خسارتها في العراق، بالنفط والغاز الليبي.

أما نحن...فبهَرَنا بريق الحرية القادم في تونس، ولم نستفد بعد من كل أخطائنا السابقة، لتنطلي علينا اللعبة، لأن الثورات خرجت عن مسارها" السلمي". فاذا كان الشعب هو من يريد إسقاط النظام فلماذا نستنجد بالأمم المتحدة وبالتدخل الغربي؟

يجب أن نتذكر..عندما طُرد الإستعمار من بلادنا لم يكن بقرار أممي لكي نطالب به في ليبيا ونستبشر به قريبا في اليمن وسوريا، أما في البحرين فالمهمة موكولة للخليجيين لأن النفط هناك لا خوف عليه.

لكن..لماذا وبدلاً من التدخل العسكري، لا يسعي مجلس الأمن لدعم المفاوضات والوساطة الأفريقية وهم من يضغط على الفلسطينيين للتفاوض مع إسرائيل، أليس في فلسطين مدنيون؟

ولماذا في المظاهرات لا يقبل المتظاهرون كما في اليمن والبحرين، والثوار في ليبيا التفاوض؟

فالرسول صلى الله عليه وسلم تفاوض مع اعدائه وتنازل عندما عقد صلح الحديبية، فلماذا تُغلق كل الأبواب عندما نرى بارقة أمل في التفاوض بين المحتجين والأنظمة؟ إنه من المفترض أن تكون هناك مطالب يُتفاوض عليها، ويجب أن لايكون التفاوض عبر وسائل الأعلام بل على الطاولة وجهاً لوجه..

وهنا المؤامرة لأن المطلوب: الفوضى وإثارة الأحقاد ومن ثم تغيير الأنظمة التي انتهى تأريخ صلاحيتها، وإيهامنا أن ذلك دعم للديمقراطية ولحق تقرير المصير.

فلماذا لا يتدخل مجلس الأمن في ساحل العاج التي جرت فيها انتخابات نزيهة باعتراف مراقبي الهيئات الدولية وأسفرت عن نجاح مرشح المعارضة، لكن الرئيس رفض التنحي، والطرفان يتقاتلان؟ أليس في ساحل العاج مدنيون؟ أم لأنها ليس فيها نفط أو غاز علماً أن لفرنسا قواعد عسكرية وقوات موجودة من زمان هناك؟

لننتبه لأن المفاهيم تختلط لمصلحتهم، والمخطط كبير واللعبة الكبرى تشارك فيها وسائل الإعلام من دون مهنية ولا وأخلاقية ولا انتماء، ليلعبوا بنا كما يريدون، ولكل دوره، والأجندة التي تمشي عليها وسائل الاعلام حسب الدولة التي تمولها، واللعبة القذرة هي سرقة الوعي العربي بضرورة التحرر، وفي كل زمن هناك رايس أميركية حسب المرحلة، فرايس بوش (كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة) فشلت في إحداث شرق أوسط جديد إبان حرب تموز 2006.ورايس أوباما (ممثلة أميركا في مجلس الأمن ) وضعت اللبنة الأولي لمشروع الوطن العربي الجديد.وفي نفس الوقت إسرائيل تدك غزة وتقصف المدنيين، فيما وسائل الإعلام "العربية "مشغولة بنصرة وتحريض ودعم الثوار في ليبيا واليمن وسوريا، واستعجال الغرب على حسم أمر ليبيا ليتفرغ لليمن وسوريا...والبقية تأتي حسب المخطط..

فأين أنتم يا عقلاء الأمة؟ أين أنتم أيها الصحافيون الشرفاء؟ يا كتاب الأمة الشرفاء أين أنتم؟ لا تغركم يا شباب الأمة الشعارات البراقة عن حقوق الإنسان والحرية، والديمقراطية الموعودة من الغرب، هذه كلمات حق أُريد بها باطل، أليست الدماء الفلسطينية دماء مدنيين عزل؟ هل القوة متكافئة بينهم والإسرائيليين؟ اليست الدماء البحرينية دماء مدنيين عزل سفكت في مظاهرات سلمية؟ ألم تدخل القوات الخليجية البحرين وتسحق اعتصاما سلميا وتقتل مدنيين عزل؟ أليست الدماء اليمنية دماء متظاهرين سلميين عزل لا يريدون بقاء الرئيس؟ ألم يُقصف كل هؤلاء بالأسلحة الثقيلة أم أنهم حسب تصنيف المجتمع الدولي ليسوا بشراً؟ أو بحسب الجامعة العربية لا يستحقون اجتماعاً طارئاً؟

صحيح إن هذه الدماء ليست لليبيين !

يا لها من مهزلة !

• نادية علي

كاتبة تونسية