الثورات العربية والإسلاميون

بقلم: أحمد الهاملي

كانت بداية الشرارة في تونس، وامتدت الثورات العربية إلى كل من مصر وليبيا شرقا ومن ثم إلى دول عربية أخرى مثل اليمن والبحرين وسوريا. فما يدور في خلد هذه الشعوب الثائرة هو أنها تثور ضد الظلم والجبروت الذي يميز بعض أنظمة الحكم العربية، أو أنها تثور ضد هؤلاء الحكام الذين أصبح حكمهم بحكم البائد فمازالت هذه الشعوب تعاني من عوز الفقر والبطالة وتطالب بحياة كريمة وعادلة، وتطالب بالحرية والديمقراطية فقد عفا الزمن على الحكم المتسلط الذي يظل لعشرات السنين فالشعوب تنادي الآن بالحكم لمدة زمنية مقيدة وإصلاحات ديمقراطية واقتصادية واجتماعية تدخلهم إلى القرن الحادي والعشرين من أوسع أبوابه، وتريد هذه الشعوب مواكبة التطور الديمقراطي في دول العالم والغربي بالأخص. قد تكون هذه التطلعات عادلة في صفحة من حياة الشعوب ولكن ما هي النتائج من هذه الثورات، فحتى ألان لا يزال الوضع السياسي والاقتصادي لدول مثل مصر وتونس غامضا، فمن سيدير دفة الحكم في الدول التي نجحت فيها الثورات؟ وما كان دور الإسلاميين في هذه الثورات؟ وما هي حظوظ الإسلاميين من كعكة السلطة في كل من مصر وتونس؟

لا شك أن صعود حماس لسدة الحكم في فلسطين كان بمثابة صدمة للعالم الغربي ولم يكن متوقعا فكان هناك امتعاض غربي وإسرائيلي بالتحديد من دخول جانب يحسب على التيار الإسلامي سباق الانتخابات الفلسطينية والفوز بها، فقد فازت حماس في عام 2006 بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني وبالتالي برئاسة الوزراء وكان ذلك بمثابة دخول كل من إسرائيل والفلسطينيين في مرحلة جديدة من الصراع، فحماس لا تريد أن تعترف بدولة إسرائيل وبالتالي توجه ضربة إلى محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية وتدفع إسرائيل إلى اتخاذ تدابير ليست في مصلحة عملية السلام. كان تولي حماس للحكم في فلسطين دليل على مدى شهوة وميول الشعوب العربية وخاصة المغلوبة على أمرها إلى التيار الإسلامي كحل بديل لكل ما سبق من تيارات سواء كانت وطنية أو قومية، فقد جربت الشعوب العربية هذه المشاريع ولم تنجح في تحقيق ما تصبوا إليه من امن وحرية واستقرار وديمقراطية ومعيشة كريمة، فكان التيار الإسلامي وما يحمله من شعارات تستميل العواطف والعقول في آن واحد بمثابة الحل الأمثل للغبن القابع على صدور الشعوب.

ثارت تونس ثورة الياسمين في 18 ديسمبر من عام 2010 وذلك تضامنا مع الشاب محمد البوعزيزي والذي أضرم النار في نفسه احتجاجا على بطالته ومصادرة عربته التي كان يبيع عليها، وقد أدى هذا إلى مشاركة الآلاف مظهرين احتجاجهم على البطالة المنتشرة في البلاد وعدم وجود العدالة الاجتماعية والفساد المستشري في النظام الحاكم. وكان من نتائج هذه المظاهرات سقوط العديد من المدنيين ما بين قتيل وجريح بسبب التصادم مع قوات الأمن وامتدت هذه المظاهرات إلى الكثير من المدن التونسية مما حدا بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة الوضع المتوتر في بلده ومن ضمن هذه الإجراءات كان إقالة بعض الوزراء ومن ضمنهم وزير الداخلية ووعوده للمحتجين بتنفيذ مطالبهم التي نادوا بها وأيضا أعلن الرئيس التونسي عن عدم نيتيه للترشح لانتخابات عام 2014. ولكن كل هذا لم يقنع المتظاهرين ولم يثنيهم، فاستمروا في تظاهراتهم حتى بلغت هذه التظاهرات المباني الحكومة، فأجبر هذا الوضع الرئيس السابق بالتنحي ومغادرة البلاد إلى المملكة العربية السعودية.

في خضم المظاهرات كان هناك ميول من جانب الحكومة التونسية بالزج بالتيار الإسلامي واعتباره سبب رئيسي للاحتجاجات وكان اتهامهم بأن الإخوان المسلمين هم من كان وراء هذا التوتر. هنا لابد أن نلحظ أن الشعارات التي كان الشعب التونسي ينادي بها خلال المظاهرات كانت متنوعة، وقد شاهدنا بعض ما ينادي به المحتجون في التلفاز فتنوعت أرائهم وشعاراتهم. هنا نستنبط بأن هذه الثورة كانت جماهيرية وشعبية بدأها الشباب وامتدت لتشمل كل أطياف المجتمع، فساهم فيها اليساري والليبرالي والإسلامي جنبا إلى جنب، ولكن تأخرت مشاركة الأحزاب السياسية سواء أكانت إسلامية أم غيرها في بداية المظاهرات ولحقت بالمحتجين فيما بعد. وفي الحقيقة إن الثورة التونسية كانت نتيجة للظلم الذي تعرض له هذا الشعب. فالبطالة كانت منتشرة وفساد النظام الحاكم كان ظاهرا للعيان والحرية مقيدة والمساواة مفقودة والفقر يعاني منه معظم الشعب، وقد يكون معاداة النظام التونسي للتيارات الإسلامية ساهم بشكل ما في إذكاء نار الاحتجاجات.

في 19 يناير 2011 أطلقت الحكومة الانتقالية 1800 من السجناء السياسيين وكان كثيرا منهم ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية المعارضة، ويتوقع سياسيون بأن قانون العفو العام قد يطال قرابة 30 ألف من السجناء والذين كانوا ضحايا خلال مرحلة حكم زين العابدين بن علي. في 30 يناير عاد إلى تونس راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية والذي قضى في المنفى 22 عاما، وكان في استقباله في مطار تونس الدولي الآلاف من مؤيديه، وحسب التقارير الصحفية، اعتبر هذا الاستقبال كأكبر مظهر لتأييد حركة النهضة الإسلامية على مر العقدين الماضيين. وفي الجانب المقابل، كان هناك تواجد للعلمانيين خلال استقبال الغنوشي، وحمل ما يقدر بنحو 10 منهم لافتات مناهضة للإسلاميين.

وبعد ساعات قليلة من وصوله إلى تونس، صرح الغنوشي بأنه لا يعتزم المشاركة في الانتخابات الرئاسية التونسية ولن يكون مرشحا في الانتخابات التشريعية أيضا، ولن يكون هناك مرشح من حزبه للانتخابات الرئاسية. ويميل الغنوشي إلى تسليم قيادة حركته إلى جيل الشباب الذي بدأ بهذه الهبة الشعبية التي أطاحت برمز من رموز الفساد في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، أشار الغنوشي بأن حزبه ليس مستعدا بعد للدخول في المعترك السياسي التونسي وهو يفضل أن يقوم بإعادة بناء حزب النهضة الإسلامي، ومع ذلك عاد وأكد بأن حزبه سوف يشارك في الانتخابات التشريعية إذا كانت حرة وعادلة.

ويشبه الغنوشي حزبه بأنه حزب إسلامي ديمقراطي يشبه كثيرا حزب العدالة والتنمية في تركيا، ويأخذ عليه خصومة بأنه متشدد ومقرب كثيرا من جماعة الإخوان المسلمين المصرية، ولكنه يقدم نفسه أكثر كمعتدل ورمزا وزعيما لتيار إسلامي تم قمعه من قبل النظام الديكتاتوري السابق.

لم يختلف الوضع كثيرا في مصر، فقد كانت ثورة 25 يناير 2011 بمثابة نبرة احتجاج على الوضع السيئ في مصر سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا، إضافة إلى الفساد الذي كان منتشرا في حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ومعدلات الفقر المتزايدة والتي كان يعاني منها الشعب المصري. وكانت الثورة التونسية مشجعة للشعب المصري للقيام بثورته الأخرى وذلك للمطالبة بالإطاحة بنظام حكم محمد حسني مبارك، وقد كان لدعوات النشطاء السياسيين وحركات المعارضة مثل حركة كفاية وشباب 6 أبريل وشباب الإخوان المسلمين دور بارز في النهوض بحركة الاحتجاجات، ولا نغفل أيضا دور الشباب المصري في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والتويتر للإعداد والتصعيد من حدة المظاهرات، مما أدى في النهاية إلى سقوط نظام الحكم.

هناك أسباب بارزة حثت الشعب المصري على النهوض ضد الحكم السابق، مثل القسوة التي كان يتسم بها رجال الشرطة والأمن، فقد قتل على أيديهم عدد من الشبان بسبب التعذيب، والذي كان يؤمن لهم استخدام العنف هو وجود قانون الطوارئ. ومن الأسباب أيضا انتخابات مجلس الشعب المصري والتي فاز بها الحزب الوطني الحاكم بنسبة 97% من المقاعد وحرموا الإخوان المسلمين من فرصة النجاح في هذه الانتخابات بسبب تزويرها.

اختلفت الثورة المصرية عن الثورة التونسية من حيث توقيت مشاركة المعارضة، فشارك في مصر من بداية الأمر حركات المعارضة ومنها جماعة الإخوان المسلمين وساهموا في حشد المعارضين، وقد كان للإخوان المسلمين دور كبير في إنجاح الثورة. واتخذ الشعب وقادة المظاهرات من يوم الجمعة منطقة حشد ونقطة ارتكاز لشحذ الهمم والاستمرار في الاحتجاج حتى نهاية النظام، ولا يخفى دور خطباء الجمعة في رفع الروح المعنوية للمحتجين للبقاء حتى تتحقق مطالبهم، ولا ننسى أيضا دور الشيوخ الأزهريين من خلال المشاركة في إلقاء الخطب في ميدان التحرير.

بعد نجاح الثورة المصرية وتحقيق بعض المطالب التي كان ينادي بها المتظاهرون، ظهر بعض من كان يتربص بالثورة ويحاول الالتفاف حولها لتحقيق مكاسب سياسية، ولكن هناك قيادات سياسية نفت أن يكون لها مطامع في حكم مصر وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين، فقد صرح الإخوان مرارا بأنهم لن يشاركوا في الانتخابات الرئاسية في مصر وذلك لخوفهم على مصر وليس لنقص فيهم أو في رجال مصر، ولكنهم لم ينفون مشاركتهم في انتخابات المجلس التشريعي أو البرلمان.

وبعد الاعتراف القانوني بحركة النهضة الإسلامية في تونس، وقيام الإخوان المسلمين في مصر بتأسيس حزب الحرية والعدالة كحزب سياسي، وفي حال التزامهم بتصريحاتهم بعدم المشاركة في سباق الانتخابات الرئاسية في كلا البلدين، فإن ذلك يدل على أن الحزبين لا ينويان في الحقيقة المشاركة في الاستحواذ على هذا المنصب الحساس، ولعل هذا يدفعنا للتفكير بأن الحزبين يفكران في إستراتيجية مستقبلية تضمن لهم قاعدة شعبية أكبر مما هو عليه الوضع الآن.

ففي حال تولي منصب الرئاسة (في كلا البلدين) من قبل أحد المرشحين الليبراليين أو العلمانيين سوف يواجه هذا الرئيس تحدي في البحث على حلول ناجعة لمسائل منها الفقر والبطالة والمساواة والوضع الاقتصادي ومحاربة الفساد والحرية وحقوق الإنسان والعدالة وغيرها من أمور. وفي حالة فشله في التصدي لهذه التحديات، سيكون للشعب نظرة أخرى فسوف يبحثون عن بديل وبالتالي سيتجهون إلى اقرب منافس للتيارات اللبرالية وهي الحركات الإسلامية، وهنا قد تمتد القاعدة الشعبية للحركات الإسلامية لتشمل مجموعة جديدة من الشعب، وستكون أكثر جاذبية سياسيا، وخصوصا إذا كانت هذه الحركات توفر حلول ناجحة للمسائل التي ذكرناها، أضف إلى ذلك مسائل حقوق المرأة وحقوق الأقلية الدينية بالأخص في مصر التي تحتوي على أقلية مسيحية.

بالإضافة إلى ذلك، ستواجه حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة الإسلامية في تونس، وهما الحركتين الأوفر حضا للمنافسة في الانتخابات التشريعية في كلا البلدين، معوقات وصعوبات منها مثلا مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية. فالغرب سوف يعارض لجوء الحركتين للاحتكام إلى الشريعة الإسلامية. ومن الصعوبات أيضا معاهدة السلام ما بين مصر وإسرائيل، فقد صرح الإخوان المسلمون مرارا وتكرارا بأنهم لن يعترفون بإسرائيل كدولة وهذا سوف يوجه ضربة قاضية إلى معاهدة السلام مما قد يؤدي إلى توتر في العلاقات ما بين الدولتين أو حتى الدخول في حرب أخرى، وقد يودي أيضا إلى منع الولايات المتحدة دفع المساعدات السنوية والتي تقدر 2.1 مليار دولار وهذا ما سوف يؤثر على الواقع الاقتصادي المصري.

ووعد الرئيس الأميركي باراك اوباما بتقديم مساعدات لكل من مصر وتونس وذلك لدعم التحول الديمقراطي فيهما، وتعتبر هذه المساعدات عبارة عن تسهيلات للحصول على قروض والتنازل عن ما يقدر بمليار دولار من ديون مصر، ولا شك أن هذه القروض والمساعدات سيكون لها شروط لابد في هذه الحالة من الحركات الإسلامية تقديم تنازلات لنيلها، هذا طبعا في حالة صعودها إلى سدة الحكم. أضف إلى ذلك، الإخوان المسلمون يجب عليهم توضيح موقفهم من إيران بجلاء ويجب أن يكون لهم رد فعل ضد التدخل السافر لإيران في الدول العربية، وذلك لكسب ود الدول العربية وبالأخص الخليجية.

إن القرار الذي اتخذته حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة الإسلامية في تونس للمشاركة في الانتخابات التشريعية وتجنب خوض الانتخابات الرئاسية له صدى ايجابي ونظرة بعيدة المدى، فهم يخوضون هذه الانتخابات لرصد وقياس مدى التجاوب الشعبي لحركتين كانتا مضطهدتين في السابق وألان تعيشان حالة من الحرية والتحول الديمقراطي الذي أتاح لهما المشاركة في عملية الانتخاب والشعب هنا هو من يقرر انتخاب الشخص أو الحزب المناسب، ويجدر بنا الإشارة هنا إلى مدى قوة وفعالية الشعارات الإسلامية في استمالت الشعوب العربية، ففي حالة استخدامها في الانتخابات سوف تأثر ايجابيا وتمكن الأحزاب الإسلامية من حشد مؤيدين ومناصرين لها، وقد كان اكبر دليل على مدى تأثير الشعارات الإسلامية لجوء الحكومة المصرية السابقة إلى سن قانون يمنع استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات.

أحمد الهاملي